تصميم: يوسف أيمن

"شوفيلك أي راجل": أهلية "البكر الرشيد" معطَّلة بأمر المجتمع

تتمتع المرأة التي بلغ عمرها 21 سنةً، نظريا، بكامل أهليتها القانونية، إلا أن القانون الذي يقر هذه الأهلية لا يحميها من سطوة الأعراف الاجتماعية التي يفرضها السياق الأبوي لترسيخ الهيمنة الذكورية على النساء.

عندما بدأت نور مجدي* مع شريكها رحلة البحث عن مأذون يقبل بتحرير عقد زواج بينهما، تكون العروس فيه وكيلة نفسها، فوجئا برفض متكرر تطور في بعض الأحيان إلى تطاول عدة مأذونين عليهما، أما أولئك الذين وافقوا على كتب الكتاب فاشترطوا دفع مبلغ مضاعف.

والدا نور (26 سنة) لم يعارضا زواج ابنتهما، ومع هذه الموافقة كانت نور تفضّل ألا يكون لها ولي عند كتابة عقد الزواج إيمانًا منها بأنها شخص مكتمل الأهلية، وأنه يحق لها الدفاع عن ممارسة أهليتها هذه في توقيع عقد زواجها "دون وجود طرف ثالث" في الأمر، كما تحكي للمنصة.

"شوفيلك راجل"

أثناء رحلتها للبحث عن مأذون، ذكرت نور أنها لا تنسى يوم ذهبت لأحدهم، فظل يتساءل عن أسباب غياب الولي ولماذا جاءت بمفردها مع حديث لم يخل من "الهمز واللمز" ونظرات الارتياب "حتى عبر في لحظة عن دهشته لأنني أرتدي ملابس شيك للاحتفال بالزواج، باعتبار أن (شكلك بنت ناس، ليه بتعملي كدا؟)".

تروي أنها "أي مأذون كنت بقوله من غير ولي كانت معاملته بتتغير ونظراته تبقى كلها شك كأننا جايين نصلح غلطة"، حتى وصل الأمر بأحدهم أن قال لها "شوفي أي راجل من قرايب العريس أو قرايبك".

لم تفهم لماذا عليها أن تبحث عن أي رجل ليوقع لها عقد زواجها في حين أنها وزوجها حاضران بكامل أهليتهما وإرادتهما ووعيهما. وأخيرًا، تمكنا من الوصول إلى مأذون وافق على عقد الزواج بعد الكثير من المماطلة التي تقول إن "الغرض منها أن يبلغنا أن السعر سيكون الضعف".

أصرت العروس على تحرير عقد زواجها بدون ولي أو تدخل من أي أطراف أخرى. "مكنتش عايزة أي راجل غريب يبقى ولي إذا كان حد غير بابا". وبالرغم من علم الأب بالزواج وعدم ممانعته كان المأذونون يتطوعون للبحث عن "أي راجل" ومنحه الولاية عليها.

بعد عناء، استطاعت أن تقنع مأذونًا بكتابة العقد ووثقته في المحكمة بعد أن أثبتت فيه "أنني زوجت نفسي" حسبما تقول، موضحةً أنها لم تواجه أي مشكلة قانونية. "كنت على علم بحقوقي الشرعية والقانونية، لكن ما كان المأذونون يقومون به ما هو إلا كارت إرهاب لانتزاع حق النساء في تسيير حيواتهن وفق رغباتهن وإرادتهن الحرة، وترسيخ مفهوم الوصاية على المرأة حتى في إقرار حقها في توقيع عقد زواجها بنفسها".

البكر، و"مجازًا" الرشيد

كل شخص بلغ سن الرشد متمتعا بقواه العقلية، ولم يحجر عليه، يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية، وسن الرشد هي إحدى وعشرون سنة ميلادية كاملة.
المادة 44 من القانون المدني المصري.

بمجرد بلوغ الفتاة 21 عاما تكتمل أهليتها وتصبح بالغة راشدة بنص القانون، والأهلية المقصودة هنا هي أهلية الأداء؛ أي إمكانية التعبير عن إرداتها تعبيرًا يعتد به القانون ويرتب عليه آثارًا، لذا فاكتمال الأهلية يكفل للأشخاص مباشرة حقوقهم المدنية كإبرام العقود ومنها بطبيعة الحال عقود الزواج.

وإذا كان القانون المصري يمنح المرأة حق تزويج نفسها دون ولي أمر، إذا رغبت، فإن قوانين المجتمع أحياناً قد تعطل نصوصاً قانونية معمولاً بها في الدولة.

يحدد القانون المصري السن القانوني للزواج بـ 18 سنة للذكر والأنثى، ولكن لا يحق للفتاة أن تتزوج دون ولي أمرها قبل بلوغها سن الرشد (21 سنة)، وهو ما لا يطبق على الذكر الذي يحق له إبرام عقد زواجه بمجرد بلوغه السن القانوني للزواج دون الحاجة إلى ولي أمر.

"لا زواج إلا بولي وشاهدي عدل"، يقول محمد القاضي، المأذون الشرعي في منطقة شبرا الخيمة ووكيل عام المأذونين في مصر، معربًا عن اعتقاده بأن العلماء في الأصل اجتمعوا "على أن الزواج بدون ولي يعتبر باطلًا، بينما أجازه الإمام أبو حنيفة النعمان، فيمكن للبكر أن تزوج نفسها دون ولي على المذهب الحنفي عملاً بقاعدة من لا مذهب له فمذهبه حنفي"، مشيرًا إلى أنه في حال غياب الولي لا بد أن يكون للفتاة وكيل "قد يكون جارًا أو رجلًا كبيرًا في السن بالإضافة إلى الشاهدين، ويجب أن يكونا رجلين بالغين عاقلين عادلين والعدل هنا يعني أنه لم تصدر بحقهما أي أحكام جنائية ولم يكذبا في حياتهما".

ويتابع أن بعض المأذونين يرفضون عقد الزواج إذا كانت الفتاة دون وليها الشرعي خوفًا من أن "يكون الشاب ضاحك عليها"، فيريد المأذون وقتها أن "يخلي مسؤوليته"، لكن إذا عقد الزواج لن تترتب عليه مسؤولية قانونية، مشددًا " الأفضل يكون في ولي أو وكيل عالأقل".

يعتبر القاضي أن هذه الإجراءات تأتي في سياق حماية المرأة من وقوعها ضحية للاستغلال، ويوضح أنه في بعض الحالات يمكن كتابة العقد إذا غاب الولي عن المجلس "تيسيرًا وليس تعسيرًا" من أجل حماية الفتاة "كي لا تسلك مسلكًا غير شرعي" كأن تكتب عقدًا عرفيًا.

ويوضح أنه في هذه الحالة "يعدّ المأذون وليًا طبيعيًا للفتاة لأنه يحافظ على حقوقها الشرعية من كتابة مؤخر الصداق وقائمة المنقولات التي تضمن حقها"، وذلك إذا كان هناك عذر لعدم وجود ولي معها.

حماية واهية

بلغت نسبة تزويج القاصرات في مصر 15% في عام 2017 وفق دراسة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تشير كذلك إلى ارتفاع نسبة التسرب من التعليم إلى حوالي 36% ونسبة الأمية إلى 40% بين من سبق لهم الزواج في عمر يتراوح بين 10 و17 سنةً.

تزويج القاصرات، الذي يعتبره القانون المصري نوعًا من أنواع الإتجار بالبشر ويقرّ عقوبات مشددة عليه قد تصل إلى السجن المؤبد، يحدث دومًا بحضور ومباركة الولي.

وتوضح الدراسة السابقة أن الفقر والبطالة هما ما يدفعان الأب في الغالب لتزويج بناته قبل بلوغهن السن القانونية مقابل مبالغ مالية كبيرة، ما يستدعي بطبيعة الحالة إعادة النظر في افتراض أن حضور ولي عن العروس أثناء عقد قرانها يوفر لها الحماية بالضرورة.

حلال تحرّمه العادات

عندما قررت ملك رمضان التي تعمل مدرسة أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة أن تزوّج نفسها توجهت إلى مشيخة الأزهر لتسأل عن شرعية الزواج بدون ولي أمر، فأتتها الإجابة واضحة بأنه "لا يجوز".

حدث ذلك قبل أن تبحث بنفسها وتكتشف أن الأحناف يجيزون تزويج الفتاة البكر لنفسها دون الحاجة إلى ولي، فعادت إلى نفس الشيخ الذي رفض في البداية وواجهته بما قرأته، ليرد في المرة الثانية بأن "العادات والتقاليد لا تسمح"، حتى وإن كان الشرع والتشريع يسمحان.

بعد أن تأكدت ملك (32 سنة) من شرعية هذا الزواج وقانونيته ذهبت إلى مأذون لتحرير العقد وكتب الكتاب، ولكنه رفض بحجة أن هذا العقد بهذه الطريقة "حرام شرعًا"، فلما واجهته بأن المذهب الحنفي يجيز للبكر أن تتزوج دون ولي رفض أيضًا رغم ذلك قائلًا لها "إنتِ صح لكن العادات والتقاليد لا تسمحان بذلك"، قبل أن يدلها على مأذون قد يقبل أن يحرر لها عقد الزواج دون ولي، شرط أن يتقاضى ضعف المبلغ المقرر.

توضح ملك للمنصة أنها يمكن أن تتفهم العادات والتقاليد "فقط في إطار مراسم الاحتفال مثل الفستان الأبيض، لكن فكرة أخذ الإذن بالزواج من العائلة وتدخلهم بالقبول أو بالرفض غير مقبول أبدًا، وينتهك حق النساء في تقرير كيف تسير حيواتهن".

وتشير، في السياق نفسه، إلى أنه لا توجد طريقة لاتخاذ إجراء قانوني ضد أي مأذون يرفض تحرير عقد زواج لامرأة تريد تزويج نفسها دون ولي "لأنها عملية سلبية صعب إثباتها، لا يوجد فعل مادي ملموس يمكن تحريك الدعوى القضائية ضده، لهذا فإن المسألة برمتها تنتهي داخل مكتب المأذون الذي يخالف واجبات مهنته".

حق لا يمكن حمايته

بحسب ما جاء في الفتوى رقم 762739 لعام 2019 الصادرة عن دار الإفتاء المصرية، فإن أركان عقد الزواج خمسة تشمل الزوج والزوجة والولي والصيغة ( المقصود بها الإيجاب والقبول بين طرفي الزواج) والشاهدين، ويجوز للرشيدة بكرا كانت أم ثيبا أن تزوج نفسها بغير ولي بناء على "ما ذهب إليه السادة الأحناف".

ويمكن أن يكون الشاهدان رجلين أو رجلًا وامرأتين وفق ما جاء في القانون رقم (20) لسنة 1992 "يشترط لتمام عقد الزواج حضور شاهدين مسلمين عدلين أو رجل وامرأتين وأن يسمعا كلام المتعاقدين أو الكتابة أو الرسالة أو الإشارة من الأخرس والمصمت".

أما الفتوى رقم 2459 لعام 2005 فتوضح أن من حق الولي الشرعي للفتاة إذا زوجت نفسها بنفسها، أن يعترض على الزواج بعد إتمامه. ولكن هذه الفتوى، كباقي فتاوى دار الإفتاء، ليس لها أي حجية قانونية، وهي غير ملزمة للقضاء طالما لا توجد مواد قانونية تعزز مضمونها.

وجاء في الفتوى أن الولي يحق له "الاعتراض على الزواج إذا رأى فيه عدم الكفاءة أو في حال عدم وجود مهر المثل، وله المطالبة بالفسخ عند ثبوت ما يدعيه، وذلك عن طريق القضاء"، لذا فحتى وإن تمكنت الفتاة من تزويج نفسها يظل هذا الزواج مرهونا بقبول أو رفض وليها الشرعي الذي يمكنه محاولة إنهاء العقد في أي وقت.

ولكن القضاء المصري لم يأخذ بهذه الفتوى حيث جاء في حكم الطعن رقم 463 لسنة 73 ق أحوال شخصية أن "الراجح في المذهب الحنفي وفقًا لرأي أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إذا تزوجت المرأة البالغة العاقلة بدون إذن وليها فإن العقد يكون صحيحًا سواء كانت بكرًا أم ثيبًا (..) رضي الولي أو لم يرضَ"، وحكمت في النهاية برفض الطعن على بطلان عقد الزواج.

تأديب غائب

"العقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها على المأذونين لمخالفتهم واجبات وظيفتهم هي الإنذار، والوقف عن العمل لمدة لا تقل عن شهر ولا تزيد عن ستة أشهر، والعزل"، بحسب المادة 44 من لائحة عمل المأذونين في مصر 2015.

"مفيش عقوبة على المأذون إذا امتنع عن كتب الكتاب"، يقول يوسف ياسر محمد، المأذون المختص في منطقة دملاش التابعة لمركز بلقاس في محافظة الدقلهية؛ حيث أن العقوبات المنصوص عليها في لائحة المأذونين تقع فقط في حال إخلال المأذون بأي مادة من مواد اللائحة.

ويضرب مثلًا بـ "تزوير البيانات أو التلاعب في الشهادات والوثائق، أو تزويج القاصرات ما دون السن القانوني، وفي هذه الحالة فقط يمكن أن يعاقب المأذون لكن إذا رفض عقد الزواج لا تترتب عليه أي مسؤولية قانونية".

قد يضطر بعض المأذونين أحيانًا إلى الامتثال للأعراف المجتمعية والعادات والتقاليد لوقاية نفسه من الوصم المجتمعي، خاصة في المناطق الريفية والقرى الصغيرة التي غالبا ما تعرف العائلات فيها بعضها.

هناك، حيث يرتبط عمل المأذونين بالتوزيع الجغرافي في ما يعرف بالاختصاص، يصبح خطرًا على سمعة المأذون أن يعرف عنه أنه يزوج الفتيات دون موافقة أهلهن، لدرجة أن عائلات كبيرة قد تقاطعه وتمتنع عن استقدامه لتزويج أبنائها وبناتها.

يستخلص محمد من ذلك كله أنه "في الغالب في هذه المناطق يرفض المأذونون تزويج الفتيات دون وليهن الشرعي حتى وإن أتمت السن القانوني".

في سياق متصل تؤكد المحامية سهام علي عضوة مجلس الأمناء في مؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن امتناع المأذون عن تحرير عقد الزواج لفتاة أتمت 21 عامًا هو مخالفة لواجبات وظيفته الرسمية في الدولة، لكن لا يمكن اتخاذ أي إجراء قانوني ضده إلا إذا استطاعت الفتاة أن تحصل منه على إقرار مكتوب بالأسباب التي يرفض من أجلها عقد الزواج.

وأوضحت علي أن غياب ولي المرأة البالغة الراشدة ليس سببًا قانونيًا لرفض المأذون إتمام الزواج؛ لأن المأذون ليس من شأنه أن يحدد مدى كفاءة الرجل الذي تقبل الفتاة بالزواج منه، أو أن يتهمه بأنه "ضاحك عليها"، وإن كان كذلك فهل الأفضل أن "يضحك عليها ويتزوجها رسمي أم يضحك عليها ويتزوجها عرفي؟".

"المسألة مرتبطة أكثر بالعادات والتقاليد"، تقول علي، قبل أن تضيف "كما أن الأمر ليس مقتصرًا فقط على المأذون، فعلى صعيد آخر يمكن للزوج نفسه بعد فترة ومع ظهور أي مشكلة أن يعاير زوجته بأنه تزوجها دون ولي أمر ويتحول الأمر إلى وصم للمرأة باعتبار أن (ملهاش راجل) إذا زوجت نفسها بنفسها، لذلك يرفض العديد من المأذونين تزويج الفتيات في غياب أولياء أمورهن لأن المأذون ابن بيئته في النهاية، والأمر برمته راجع إلى الثقافة الذكورية في المجتمع وليس إلى القانون أو الشرع".


* اسم مستعار، بناء على طلب المصدر.

ينشر بالتزامن على رصيفـ22 في إطار تعاون بين الموقعين.