تصميم: يوسف أيمن- المنصة

سُبح و"حظاظات" وباقات ورد ورقية: كيف يصنع السجناء الهدايا لأحبائهم؟

هنا يتحول الصخب الذي يملأ الساحة الكبيرة، إلى هدوء وترقب من الزائرين لا يقطعه سوى صوت الأطفال الذين يتوقفون عن اللعب لاستقبال آبائهم وهم يصيحون "بابا أهوه.. فين الحاجة الحلوة؟".

خرج الطفل الذي لا يتعدّى عمره سبع سنوات مع جدته من باب سجن طرة، ممسكًا بسيارة مصنوعة من عبوة عصير فارغة عجلاتها الأربع أغطية زجاجات بلاستيك تربطها بالسيارة خلل أسنان، أهداها له والده أثناء الزيارة التي انتهت لتوها.

لا يكترث الطفل لشيء آخر عدا السيارة التي يمسكها بيده، أما جدته فقالت للمنصة إن الأب صنع هذه السيارة استجابة لطلب ابنه "يجيب له عربية لعبة من المستشفى"، حيث يصدق الطفل ما تخبره به والدته وجدته أن أباه في المستشفى لتلقي العلاج، ويأتي هو معهم وهو مقتنع بأن طرقات السجن وساحة الزيارة هي المستشفى التي تحرمه رؤية والده.

تستغرق مدة زيارة المحبوسين احتياطيًا 45 دقيقة، ولكن تسبقها فترة انتظار وإجراءات تفتيش قد تستغرق ثماني ساعات، يقضيها الأطفال في اللعب وتناول الحلوى ومعظمهم يعتقد أنه في مستشفى أو في مكان عمل أبيه، باستثناء الأطفال الأكبر سنًا.

مع انتهاء مراحل التفتيش الست ينتظر الزوار ذويهم من السجناء في ساحة الزيارة، حيث باب صغير كتب عليه أحد الزوار كنوع من الدعابة ربما "إلى السجن"، إلى أن يأتي أمين شرطة يحمل حزمة مفاتيح كبيرة ليفتح هذا الباب الصغير فيخرج السجناء منه.

هنا يتحول الصخب الذي يملأ الساحة الكبيرة، إلى هدوء وترقب من الزائرين لا يقطعه سوى صوت الأطفال الذين يتوقفون عن اللعب لاستقبال آبائهم وهم يصيحون "بابا أهوه.. فين الحاجة الحلوة؟".

باقات ورد برائحة الأحباء

مع فتح باب السجناء إلى ساحة الزيارة، خرج أحدهم يحمل باقة من الورد الأبيض المصنوع من المناديل الورقية، وجال بعينيه في طابور الزائرين إلى أن تعلقت بعيني امرأة، فابتسم لها وبادلته ابتسامة وعناقًا وأعطاها باقة الورد. بعد انتهاء الزيارة قالت للمنصة إن "البوكيه دا هديته ليا علشان عيد جوازنا".

أما منال محمد وهي زوجة أحد نزلاء سجن طرة فخرجت وبيدها باقة ورد من نوع آخر، ليست من المناديل بل من الورق المقوى. خرجت ممسكة بباقتها تنظر إليها وتشم رائحتها وكأنها باقة ورد حقيقي.

توضح منال أن زوجها المحبوس على ذمة إحدى قضايا النشر صنع لها هذه الباقة بمناسبة عيد ميلادها "كنت رايحة ومعايا حتتين (كب كيك) علشان نحتفل سوا"، مضيفة "للأسف الكب كيك مادخلش. مارضيوش وقالوا في التفتيش إن ممكن أكون حاطة له فيه حبوب أو مخدرات. زعلت أوي وكنت هعيط، كان نفسي يخرج للزيارة يلاقي مني حتى لو هدية بسيطة في اليوم ده نفتكرها سوا، بس اللي حصل إني لقيته هو خارج بالورد. نسيت الزعل ونسيت اللي حصل. هفضل محتفظة بالورد ده لحد ميخرج ونفتكر اليوم ده سوا".

باقة ورد ورقية صنعها أحد السجناء لزوجته

وأضافت أن نزلاء سجن طرة يستخدمون أنواعًا مختلفة من الورق المقوى بألوان متنوعة لصناعة باقات الزهور، وأن هناك من يقوم بتصميمها كنوع من شغل وقت الفراغ، وهناك من يبيعها أيضا مقابل النقود أو السجائر، بعد الحصول على الورق من أسرته خلال الزيارة الأسبوعية.

أما مروة أحمد، فتخرج من الزيارة مبتسمة وهي تحمل باقة أوراق صفراء، وتقول للمنصة إن هذه البطاقات هي رسائل من زوجها تحمل ثلاث كلمات على ثلاث ورقات مقصوصة باليد بأشكال مختلفة منها ما يشبه القلب، لأن إدخال المقصات والأدوات الحادة إلى السجن ممنوع.

شكّل زوج مروة الأوراق بيده وكتب على كل ورقة كلمة واحدة من كلمات جملة "ربنا يخليكي ليا".

سيلين لوبران زوجه رامي شعث نجل وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق، والمتهم في القضية المعروفة إعلاميا بـ"خلية الأمل"، نشرت عبر فيسبوك صورة في عيد الميلاد، وبها بطاقة معايدة، ودمية صغيرة مصنوعة من القماش بحجم اليد، وكتبت عليها إنها هدية زوجها من السجن بمناسبة رأس السنة، والذي استطاع توصيل الهدية لها بعد ترحيلها لفرنسا عقب القبض عليه.

دمية صنعها رامي شعث لزوجته بمناسبة رأس السنة - الصورة من فيسبوك

"حظاظات" وسُبح

الهدايا الأكثر انتشارًا في السجن هي السُبح و"الحظاظات". يصنعها السجناء لذويهم باستخدام الخيوط وحبات الخرز التي يحصلون عليها خلال الزيارة الأسبوعية.

باعتباري زوجة لواحد من سجناء الرأي؛ أهداني زوجي وليد شوقي واحدة من هذه السُبح باللونين الأزرق والأبيض في عيد ميلادي رغم أنني لا أستخدم السبح ولم أسعَ لاقتنائها يومًا. أتذكر جيدًا ما قاله وهو يعطيني هديتي "مكنتش عارف أجيبلك إيه ملقتش غير السبحة. كان لازم أقدم لك أي حاجة في اليوم ده زي ما اتعودنا".

سبحة أهداها وليد شوقي لزوجته

يمكن للمسجون أن يصنع "الحظاظات" لتقديمها لأفراد أسرته، ويمكن أيضًا أن يصنعها كمصدر لتحسين وضعه داخل السجن من خلال بيعها لزملائه إما مقابل نقود يشتري بها ما يحتاجه من كانتين السجن أو مقابل السجائر وهي عملة أساسية في السجن.

"حظاظة" من وليد شوقي إلى زوجته

عمر البنا شقيق الصحفي حسن البنا المتهم بنشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية في القضية رقم 441 لعام 2018، والذي قضى سنة و11 شهرا محبوسًا، قال إن أخاه أهداه شكلًا مصنوعًا من الخرز مدونًا عليه اسمه في عيد ميلاده. يحتفظ عمر بالهدية التي يعتبرها "واحدة من أقرب الهدايا لقلبي على بساطتها"، حسبما يخبر المنصة.

هدية الصحفي حسن البنا لشقيقه عمر

فوانيس موسمية

تختلف الهدايا باختلاف المناسبات. في شهر رمضان يخرج كثير من السجناء إلى الزيارات بفوانيس رمضان مصنوعة من الخرز أو الورق الملون.

فانوس أهداه الصحفي حسن البنا لشقيقه عمر

يطوع السجناء ما يجدونه في السجن لشغل وقت الفراغ. قال لي زوجي وليد ذات مرة إنه يصنع تصميمات لأشكال الأسنان، باعتباره طبيب أسنان، باستخدام الصابون متعدد الأغراض الذي يصرف لهم من السجن لغسيل اليدين والأطباق وغيرها.

كان يحكي بسعادة بالغة كمن اكتشف بداخله هواية لم يكن يعرف عنها شيئًا.

تبلغ ابنتي نور من العمر سنتين ونصف، وحالها أفضل قليلًا من غيرها لأنها لا تدرك الأشياء بشكل واضح. إجابة "بابا في الشغل" ترضيها كلما سألت عن غياب أبيها، مثلما ترضيها الهدايا التي تحصل عليها منه.

في المرات القليلة التي زارت فيها نور أباها منذ حبسه قبل سنة وثلاثة أشهر، حصلت منه على "حظاظة" باسمها وفانوسًا من الخرز في رمضان الماضي.

يذهب الأطفال إلى السجن وكأنهم في رحلة، ينتظرون خروج آبائهم من باب الحجز إلى ساحة الزيارة، حاملين معهم قطع البسكويت والحلوى التي اشتروها من كانتين السجن، وربما "حظاظة" أو سُبحة أو باقة ورد مصنوعة من المناديل، لتعكس جانبًا آخر من حياة السجون بعيدًا عن الاتهامات ومواعيد الجلسات وأرقام القضايا.