إلهام عيداروس، وكيل مؤسسي حزب العيش والحرية- الصورة: صفحة الحزب على فيسبوك

حزب العيش والحرية يجري نقدًا ذاتيًا لأزمة "فتاة الإيميل" ينتهي بوثيقة تناهض العنف الجنسي

بيان الحزب عن القضية كان مرتبكًا ومربكًا وبه خلط للأمور، واتسم بالنبرة الدفاعية.
- وثيقة النقد الداخلي الصادرة عن حزب العيش والحرية.

اعتبر حزب العيش والحرية في وثيقة غير منشورة حصلت المنصة على نسخة منها، أنه أخفق في إدارته لأزمة اتهام وجهته سيدة قبل نحو سنتين لوكيل مؤسسيه بالتحرش الجنسي بها ولأحد أعضائه باغتصابها، في القضية التي عرفت إعلاميًا بواقعة "فتاة الإيميل"، وأنه تعامل مع الأمر بطريقة شابها "البطء" و"الانغلاق"، وانتهت إلى إصدار "بيان مرتبك".

وخلصت الوثيقة التي حملت عنوان نقد ذاتي وتقييم لتعاملنا مع أزمة الإيميل، إلى اتخاذ عدة إجراءات من بينها إصدار مسودة أولية بسياسة داخلية لمكافحة التحرش داخل الحزب، والتي نشرها الأحد 8 مارس/ أذار، بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة.

وقائع موثّقة

تناول أعضاء الحزب في نقدهم الذاتي بحسب الوثيقة، القضية التي شهدها الحزب أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، حين "وصل لبعض الأعضاء ممن يتولون مسؤوليات قيادية بالحزب والحملة الرئاسية لمرشحه إيميل منسوب لإحدى السيدات العاملات سابقًا بأحد المراكز الحقوقية يتضمن تحذيرًا لأخريات من التعامل مع بعض الأشخاص، وادعاءات بانتهاكات جنسية وقعت في 2014 و2015".

أفادت الوثيقة بأن الإيميل "تضمّن ادّعاء بالاغتصاب عام 2014 ضد شخص كان زميلها في العمل، وانضم للحزب دون أن ينشط أو يكمل شروط العضوية لكنه بقي مسجلاً به، وادعاءات ضد أحد وكلاء المؤسسين والمرشح الرئاسي السابق، عام 2015، يمكن تصنيفها كتحرش جنسي لفظي، واعتبرها البعض إساءة استغلال للنفوذ، باعتبار صاحبة الرسالة كانت تعمل موظفة بنفس المركز الذي أسسه".


لمتابعة تغطية المنصة لقضية "فتاة الإيميل"


وأضافت الوثيقة أن المناقشات التي خاضها مسؤولو الحزب أثناء الأزمة، انتهت إلى إسناد التحقيقات في الواقعتين لـ"لجنة مستقلة"، بدأت عملها في 16 ديسمبر/ كانون اﻷول 2017، وسلمت نتائج تحقيقاتها للحزب في 17 فبراير/ شباط 2018.

وخلصت لجنة التحقيق إلى تبرئة وكيل المؤسسين من تهمة التحرش واعتبار أنه ارتكب "سلوكًا غير منضبط"، وتبرئة المتهم بالاغتصاب من هذه التهمة واعتبار أنه ارتكب "سلوكًا مشينًا". ولاحقًا، استقال الشخصان من عضوية الحزب.

تعامل بطيء

نوهت وثيقة العيش والحرية إلى الجمعية العمومية التي عقدها الأعضاء المؤسسون للحزب في 30 مارس/ أذار 2018، أي بعد شهر تقريبًا من انتهاء هذه القضية، و"تمت فيها مساءلة للمسؤولين في الحزب الذين أداروا الأزمة بشكل بطيء ومتكتم وغير فعال، ودار نقاش بهدف استخلاص الدروس المستفادة منها للمستقبل".

بداية البطء، بحسب الوثيقة، كانت في اتخاذ قرار البدء في التحقيق، إذ أن "تكليف لجنة التحقيق لم يتم فعليًا بعد أكثر من شهر منذ علم الحزب بالأمر"

أكبر الإخفاقات في العملية برمّتها كان الفشل في إشراك صاحبة الإدعاء ومعضلة استمرار التحقيق.
- وثيقة النقد الداخلي الصادرة عن حزب العيش والحرية.

وعرضت الوثيقة أوجهًا أخرى للإخفاق في التعامل مع هذه الأزمة، وعلى رأسها "ارتباك التقديرات السياسية وغياب الشفافية، وانطلاق الحملة الانتخابية للمتهم الثاني قبل البت في الاتهامات الموجهة إليه، رغم أن التحقيق كان قد بدأ بالفعل"، وهي الخطوة التي وصفتها الوثيقة بـ"المرتبكة، أو الإشكالية على أحسن تقدير".

والمتهم الثاني هو المرشح الرئاسي في انتخابات عام 2012 خالد علي، وكيل مؤسسي الحزب السابق، والذي أعلن كذلك عزمه الترشح في الانتخابات الرئاسية 2018 قبل أن يتراجع لاحقًا.

وأقر الحزب أنه "وفي سياق الانتخابات، كان الأمر متعلقًا بقرار سياسي مهم، وليس مجرد خطوات إجرائية في شكوى؛ كذلك لم يكن التكتم الشديد حول القضية قرارًا صائبًا، خاصة مع بطء بدء التحقيق، فلم يكن أداؤنا على قدر المسؤولية والمكاشفة".

إخفاق البيان

الوثيقة الداخلية طالت بنقدها أيضًا بيان الحزب عن القضية عقب انتهاء التحقيقات، واعتبرت أنه "جاء بإخفاق أكبر، وكان مرتبكًا ومربكًا وبه خلط للأمور، إذ اتسم بعدم الوضوح، ولم يوفر معلومات كافية عن طبيعة الادّعاءات وتوصيفها الدقيق، وما ثبت وما لم يثبت ولماذا، ونتائج التحقيق".

أضافت الوثيقة السرّية في مآخذها على البيان أنه "اتسم بالنبرة الدفاعية، واحتوى رسائل مختلفة ومختلطة، ولم يكن موجهًا إلى جمهور معين، فقد انشغل بالرد على تساؤلات الأعضاء والمهتمين، والرد على أكاذيب الجرائد الصفراء؛ وبالتالي انتقل بين التوضيح والدفاع بشكل مربك".

غياب التدابير

من أوجه الانتقادات التي شملتها الوثيقة كان "عدم اتخاذ تدابير لحماية الآخرين أو إيقاف أي ضرر محتمل من جانب المدعى عليه اﻷول، واستمرار وضعه معلقًا حتى انتهاء التحقيق، رغم جسامة وخطورة التهمة الموجهة له، وأن المبرر آنذاك كان أنه لم يكن عضوًا نشطًا على الإطلاق ولا يمثل الحزب".

أما "أكبر الإخفاقات في العملية برمّتها" بحسب الوثيقة، فقد كان "الفشل في إشراك صاحبة الإدعاء ومعضلة استمرار التحقيق"، موضحة "أسباب هذا الإخفاق مركبة ومتنوعة بعضها نتحمل مسؤوليته وبعضها ربما يكون مسؤولية أطراف أخرى أو نتيجة للسياق، وأن لجنة التحقيق قررت البدء بالسماع للشاكية، لكن بعد قرارها بعدم المشاركة في التحقيق، قررت اللجنة الاستمرار".

كان الانغلاق أحد "الإخفاقات" التي ذكرتها الوثيقة، باعتبار الحزب "تصدى لهذه القضية بمفرده، دون انفتاح أو تعاون مع الأطراف الأخرى المعنية؛ وأن هذا ربما ما أدى لانتشار قناعة بعدم الجدية في استجلاء الحقيقة وتفعيل المحاسبة، كما أدى لعدة إشكاليات منها وقوع الحزب في فخ ما بين الموقف الدفاعي بتبرير قراراته دون توضيح مفصّل، وبين الموقف الذي بدا متعاليًا".

واختتم الحزب وثيقته بما خلص له من نتائج "أساسية للتطور"، وتمثلت في "تبني سياسات داخلية متكاملة لمناهضة العنف والتمييز"، وهو ما تحقق اليوم بعد نشر مسودة مكافحة العنف الجنسي.

ضد "الإخفاقات"

بناءً على هذه الخاتمة، جاءت مسودة الحزب المنشورة في صفحته على فيسبوك لوضع سياسات ضد التحرش، والتي ذكر في مقدمتها أنه "واجه محطات صعبة وقع فيها في عدة إخفاقات"، مبينًا أنه الآن ومن خلال هذه المسودة يتبنى عدّة أهداف، منها "منهج عدم التسامح مع العنف الجنسي، وضمان بيئة حزبية أكثر أمانًا وحرية للجميع، ووضع قواعد تنظيمية تشجع الناجيات على الإبلاغ وتضمن أمان وحماية وخصوصية أطراف الشكوى".

قدمت المسودة عدة تعريفات مفصّلة للتحرش بمختلف صوره، معلنة أن سياساتها ستُطبّق على جميع أعضاء وعضوات الحزب ممن ملأوا استمارات العضوية، وكذلك موظفينه والمنتسبين إليه أيًا كانت درجة نشاطهم.

ما شهدته اﻷعوام الأخيرة من وعي متنامي بقضية العنف الجنسي حسم قرار وضع لائحة لمكافحته.
- إلهام عيداروس، وكيل مؤسسي حزب العيش والحرية.

شرحت المسودة تفاصيل تتعلق باللجنة المسؤولة عن تلقي الشكاوى، من حيث تشكيلها الذي سيضم امرأتين ورجل يتم اختيارهم بمعايير محددة، وكذلك صلاحيات اللجنة وآلية عملها وتقديم الشكوى إليها، كما قدمت ضمانات تضمن حقوق الناجي أو الناجية من العنف، ولم تغفل معالجة احتمالية رفض الناجين المشاركة في تحقيقات الحزب، وطرحت لها حلولًا أيضًا.

فصلت الوثيقة الخطوات الخاصة بسير عملية التحقيق، والضمانات المكفولة لكل من الشاكي والمشكو في حقه وكذلك المسؤوليات المفروضة عليهما، كما تطرقت إلى اﻷمور المتعلقة باللجنة والتي تقرر أن تكون قراراتها صادرة بـ"التوافق وليس التصويت".

كما قدم العيش والحرية في مسودته إجراءات التعامل مع الشكاوى الكيدية، وكذلك إجراءات وقائية لأطراف الشكاوى لحين الفصل في التحقيقات، والتي قد تتضمن تجميد عضوية المشكو في حقه. المسودة طرحت كذلك سبل التعامل مع أي مسارات غير رسمية للشكوى، وأكدت أن الحزب سيدعم من يختار من الشاكين استخدام حقه في تقديم بلاغ رسمي للسلطات، وسيلتزم بتوفير أرقام وبيانات المنظمات التي تقدم الدعم النفسي أو القانوني.

وأنهى الحزب مسودته بإعلان إجرائين هما العقوبات وجبر الضرر. وجاءت العقوبات متدرجة بدءًا من الإنذار أو لفت النظر وانتهاءً بالفصل النهائي مع الإعلان عن الفصل وعدم تمثيل الشخص للحزب، فيما تمثّل جبر الضرر وردّ الاعتبار في عدة صور ذكرت الوثيقة أن أهمها الاعتذار الذي "لا يعد بديلاً عن العقوبة، ولا علاقة له بمسار التحقيقات".

خطوات قديمة

من جانبها، قالت إلهام عيداروس إحدى الوكلاء المؤسسين للحزب، إن الظهور الأول لفكرة وجود سياسة لمناهضة العنف، تحديدًا الجنسي، في أوراق الحزب، كان في عام 2014 في أعقاب حادث التحرش الذي شهدته جامعة القاهرة؛ وأدى إلى نقاشات شارك فيها زملاء لنا من طلاب الجامعة حول ضرورة وجود لوائح داخلية لها؛ فانتبهنا إلى ضرورة وجود شيء مماثل لدينا، لكن الخطوات الفعلية لم تبدأ إلاّ في أوائل 2018 بعد مرورنا بمحطات صعبة في التعامل مع قضية التحرش.

وفي مارس 2014 لاحقت مجموعة من طلاب كلية الحقوق بجامعة القاهرة إحدى الطالبات وتحرشوا بها لفظيًّا وجسديًّا داخل الحرم الجامعي، إلا أنها تمكنت من الفرار منهم قبل أن يتمكنوا من نزع ملابسها.

وأضافت عيداروس للمنصّة أن "من بين ما شجع الحزب أيضًا على المضي قدمًا كان زيادة الوعي بالقضية في مصر والعالم، لاسيما بعد ظهور محاولات لتوثيق الانتهاكات الجنسية عبر هاشتاجات مثل me too، وأول مرة تحرش، وإقبال السيدات ذوات الوعي النسوي والتقدمي على البوح بما تعرضن له ومشاركة خبراتهن مع التحرش؛ فكان لابد أن يقابل هذا الأمر بوجود آليات تحقق العدالة والإنصاف، وإلا يصبن بالإحباط وتظل القضية بلا أي تقدم".


اقرأ أيضًا: حملة Me Too .. النساء يردن المزيد


تشير وكيلة مؤسسي العيش والحرية إلى أن ما شهدته اﻷعوام الأخيرة من وعي متنامي حسم قرار وضع لائحة لمكافحة العنف الجنسي، لكنها لم تنفِ وجود مصاعب واجهها الحزب كان أولها "الاتفاق على آليات للتعامل مع الشكاوى، وكيفية تشجيع أصحابها على التقدم بها عبر توفير آليات وبنود واضحة، بحيث لا يتحول الأمر إلى مجرد نميمة أو قصص حزينة، خاصة وأننا مؤسسة طوعية لا تفرض على الأشخاص أعضائها اتخاذ إجراءات بعينها".

وأضافت، فيما يتعلق الطوعية، أن موقف المتعاملين مع الحزب من غير أعضائه شهد بعض النقاط الخلافية "هل يتم ضمهم لقائمة المخاطبين بالوثيقة أم لا؟ فهذا اﻷمر يضع على كاهلنا عبء تنظيمي كبير"، لكنها وبعد قرار ضمهم للقائمة بالقعل استدركت بالقول "أتوقع أن هذا الأمر سيؤثر إيجابيًا على تركيبة الحزب والمتقدمين لعضويته والمتعاملين معه، وراهننا أنه على المدى المتوسط أو الطويل سيكون البناء بشكل صحيح، ومَن لا يريد الالتزام بحقوق اﻹنسان- تحديدًا النساء- سيبتعد عنّا".

تضيف القيادية الحزبية أن المصاعب شملت أيضًا "تحديًا حول كيفية التعامل مع الانتهاكات الجنسية، لاسيما وأن معظم هذه الانتهاكات لا تقع داخل المقرات الرسمية للحزب، لكن الرد عليه هو أن الانتهاك سواء وقع في الحزب أو خارجه، يبقى في النهاية ضد المبادئ، سواء المتعلقة بحقوق الإنسان أو الاشتراكية الواجب على من ينضم للحزب أو يتعامل معه أن يمتثل لها".

واختتمت عيداروس بالقول إن الوثيقة حرصت على أمور من بينها "التدرج في العقوبة، وضمان حق طرفي المشكلة، مع ضمان حق الشاكي أو الشاكية في الاختيار بين مختلف الآليات، سواء بتقديم الشكوى للحزب فقط أو اللجوء لجهات أخرى رسمية أو حقوقية".