يوهان كرويف أثناء تدريب برشلونة عام 1996

اللعبة التي صنعها كرويف

"على الأرجح فأنا خالد بطريقة ما".
يوهان كرويف

لم يكن يوهان كرويف يلعب الكرة بقدميه فقط، بل كان يراوغ بعقله أولًا، ومزج مهاراته كلاعب برؤيته الثورية للطريقة التي يجب أن تُلعب بها كرة القدم. رحلته كلاعب ثم كمدرب كان لها أثرها على تغيير ما عرفه العالم عن كرة القدم.

الأسطورة الهولندية كرويف، الذي توفى يوم الخميس الماضي عن الثامنة والستين من عمره، كان عاملًا أساسيًا في نجاح خطط المدرب الهولندي التاريخي رينوس ميتشيلز في بداية السبعينيات من القرن العشرين. كان ميتشيلز يقدم أفكارًا جديدة وبسيطة، ولكنها أخذت اللعبة إلى مستوى آخر، مستوى أكثر ذكاء ومتعة. استطاع ميتشيلز أن يحقق لأياكس خمس بطولات في موسميّ 1971 و1972، لم يخسر النادي الهولندي فيهما إلا مباراة واحدة ضمن 47 مباراة. في هذا الوقت كان كرويف "رمانة الميزان" في الفريق، كان يستطيع بكل بساطة أن يشغل أي مركز داخل الملعب بأريحية تامة بحسب حالة المباراة.


وعندما انتقل ميتشيلز إلى المنتخب الهولندي وقتها، نقل معه الأفكار الثورية، ومع وجود كرويف استطاعت هولندا أن تصل لنهائي كأس العالم عام 1974، تلك البطولة التي روّج فيها المنتخب الهولندي للفكرة التي تُعرف بالكرة الشاملة.

وتقوم فكرة الكرة الشاملة على أن يكون الفريق كله على نفس المستوى الفني والبدني، ما يعنى أن جميع اللاعبين قادرين على تغطية مهام بعضهم، باختصار يمكن لأي لاعب أن يفعل أي شيء؛ المهاجم يصبح مدافعًا والعكس.

انتهت حياة كرويف كلاعب عام 1977، وبدأ حياته كمدرب بتدريب فريق الناشئين لأياكس، كانت مرحلة مهمة بالنسبة له كمدرب، استطاع أن يطبّق أفكاره ويطورها على أرض الواقع، فعلى سبيل المثال ابتكر كرويف مراكز جديدة في الهيكل التشكيلي لفريق أياكس، كان يلعب بثلاثة مدافعين، بالإضافة إلى مدافع أخر مهمته الوحيدة هي تغطية المساحات حول منطقة الدفاع، وهو ما عُرف فيما بعد بلاعب الوسط المدافع، والذي تطورت مهامه بتطور اللعبة.

ومثل مراوغاته كلاعب راوغ كرويف العالم كله كمدرب، كان يعيد صياغة مفاهيم الكرة. وفي حين كان يعتمد ميتشيلز على قانون واحد مقدس، وهو الحفاظ على تشكيل الفريق وهيكله، هذا الذي كان يجعله يعتمد بشكل أساسي على لاعبين لديهم مرونة فائقة في تغيير مراكزهم واللعب بأريحية في أي مركز داخل الملعب، أخذ كرويف قانون ميتشيلز وطوّره، عند كرويف كان كل لاعب في الملعب، أيًا كان مركزه، صانع ألعاب محتمل، الكل قادر على أن يخلق فرصة من العدم. كان هذا هو الأساس الذي يجعلنا نستمتع بالكرة التي يلعبها فريق مثل برشلونة حاليًا.

"كان يوهان كاملًا من الناحية التكتيكية، عندما كان صبيًا كان مهتمًا بهذا الجانب من اللعبة، كان يرى بشكل واضح كل حالات اللعبة، لهذا كان لديه القدرة على تحديد الكيفية التي ستُلعب بها المباراة"-ماركو فان باستن

يحكى دينيس بيركامب في كتابه "السكون والسرعة: قصتي" أن كرويف، أثناء تدريبه لفريق أياكس، كان يطلب بقسوة تطوير اللعبة، كانت لديه غريزة قوية، كان يرى أشياء كثيرة لم يكن يراها غيره داخل الملعب، عندما كان مازال طفلا في نظام الناشئين بأياكس الهولندي في منتصف الستينات، استطاع كرويف أن يقدم لزملائه الأكبر سنًا في الفريق الأول للنادي نصائح تكتيكية تساعدهم على تطوير أدائهم داخل الملعب، كان أمرًا مزعجًا بالنسبة إليهم، لأنه كان قاسيًا في تقديم هذه النصائح، كان يصيح ويصرخ ويطالب بالمزيد، يتكلم كثيرا عن تغطية المساحات المفتوحة". يقول المدافع الهولندي باري هولشوف للكاتب ديفيد وينر أن "كرة القدم بالنسبة لكرويف كانت هندسة معمارية، لم تكن لعبة، كان دائمًا يتحدث عن المساحات، وكيفية تغطيتها، كيفية الركض والوقوف، وسرعة الكرة، والزمان والمكان، والحركة، بالنسبة لكرويف كانت كرة القدم لعبة عقل في المقام الأول، لتكون لاعبًا جيدًا يجب أن تكون في المكان المناسب في اللحظة المناسبة".

"عندما تمتلك الكرة، يجب أن تجعل الملعب كبيرا قدر المستطاع، وإن كنت لا تمتلكها، يجب أن تجعله ضيقا وصغيرا" - يوهان كرويف

التيكي تاكا وبرشلونة

تولى كرويف مهمة المدير الفني لنادي برشلونة الاسباني في عام 1988، وفي برشلونة تحولت اللعبة في ذلك الوقت إلى ثورة فنية كاملة، فاز الفريق مع كرويف بلقب الدوري الإسباني في أربعة مواسم متتالية بالإضافة إلى كأس الاتحاد الأوروبي، لكن ما يحصده الفريق الكتالوني الآن هو نتاج ما زرعه كرويف في النصف الأول من التسعينيات.

ابتكر كرويف أسلوب التيكي تاكا، ذهب بفكرة الكرة الشاملة إلى ما هو أبعد من الاستحواذ، يقول كرويف: "إنه مفهوم أساسي، عندما تسيطر على الكرة، تنقلها بشكل جيد، فأنت تمتلك ما لا يمتلكه الخصم، وبالتالي لا يمكنه التسجيل. وحركة اللاعبين هي ما تقرر أين تذهب الكرة، وإن نقلت الكرة بشكل جيد، يمكنك تحويل المباراة لصالحك، فالكرة في نهاية الأمر تذهب في المكان الذي تريده"، هكذا وصف كرويف التيكي تاكا، استحواذ ذكي وحركة دائمة لخلق المساحات، بالإضافة إلى تغيير المراكز بشكل مستمر ومربك بالنسبة للخصم، لكن الأهم من ذلك هو الالتزام بالقانون الأساسي المقدس وهو الحفاظ على الهيكل التشكيلي للفريق.

لوحة للفنان ديفيد ديل

"لا ماسيا" تحفة كرويف الفنية

كان الفريق الكتالوني يصفي مرشحيه من الناشئين بناء على القدرات البدنية، لكن كرويف كان لديه تصورًا مختلفًا، كان يرى أنه إذا استطاع اللاعبون الصغار التعود على المتطلبات الفنية والتكتيكية للفريق الأول، فإن لديهم فرصة أكبر في تطوير مستوى اللعبة، وصف كرويف هذه الفكرة لرئيس نادي برشلونة السابق خوسيه لويس نونيز عندما طلب منه تغيير نظام تدريب الناشئين في النادي، وقال له: "قد يبدو الأمر غبيًا الآن". وافق جوزيف لويس على طلب كرويف، ومرة أخرى يكون كرويف سببًا في تطوير قطاع الناشئين في النادي الإسباني، وكانت المرة الأولى عندما طلب من برشلونة تأسيس أكاديمية صناعة النجوم والتي تعرف بالـ "لا ماسيا" أو المزرعة.

قال بيب جوارديولا لاعب برشلونة السابق وخريج "لا ماسيا" في بداية عمله كمدير فني لفريق برشلونة عن الأكاديمية: "لقد بنى يوهان كرويف الكاتدرائية، ومهمتنا هي الحفاظ عليها وتطويرها". "لا ماسيا" هي تحفة كرويف الفنية، بدونها لم نكن لنعرف جوارديولا، ولا إنيستا، ولا تشافي، ولا ميسي.

ربما مات كرويف، لكنه بمعطيات كرة القدم، لن يموت كرويف أبدا، أثره ما زال ساريًا على الكرة التي نشاهدها الآن. وكما قال هو نفسه أثناء صراعه مع مرض السرطان وفي تحدٍ للموت: "على الأرجح فأنا خالد بطريقة ما".