أنشطة الطفلين يمان وأمان - تصوير: فاطمة البطاوي

طفل بلا إلكترونيات: كيف نحمي أولادنا من إدمان التكنولوجيا وآثاره السيئة؟

بدأت الصحفية فاطمة البطاوي تلاحظ أن تعلق ابنها بالإلكترونيات تحوّل إلى مشكلة، بعد ولادة شقيقه الأصغر دون أن تظهر عليه أعراض الغيرة المعتادة بين الإخوة بل لم يلحظ وجوده بالأساس "علشان العزلة اللي كان عايش فيها مع الإلكترونيات والآي باد"، لتبدأ رحلة الخلاص الطويلة مما أسمته "عزلة الإلكترونيات".

أثناء هذه الرحلة سحب يمان، الذي يبلغ عمره اليوم عشر سنوات شقيقه الأصغر أمان (خمس سنوات) معه إلى عالم الإلكترونيات، من ألعاب البلاي ستيشن وبعضها لا يخلو من عنف، إلى إدمان الهواتف الذكية التي اعتقدت في أول الأمر أنها قد تكون مفيدة للتعلم قبل أن تدرك الأثر السيئ لها.

عندما لاحظت فاطمة أن يمان لا يلاحظ وجود أمان من الأساس، حاولت عدة مرات سحب الـ آي باد منه، ولكن جميع هذه المحالات "مكانتش حاسمة وكان بيرجعله تاني، بس لاحظت إنه وهو مسحوب منه بدأ ياخد باله من أخيه، وهنا عرفت إن فيه أزمة ومحتاجة حل"، كما قالت للمنصة.

هذه الأزمة ثم الحل الذي انتهت إليه، كانت السبب وراء تأسيس فاطمة مجموعة طفل بلا إلكترونيات على فيسبوك لدعم الأمهات والآباء الذين يعانون نفس المشكلة مع أبنائهم، والتي انضم لها حتى اليوم نحو سبعة آلاف شخص.

السؤال الأكثر شيوعا الذي تستقبله المجموعة هو "نبدأ منين؟"، وهنا تجيب فاطمة وأحيانًا زوجها عن الأسئلة من خلال تجربتهما، ويشرحان كيف بدأت مع طفليها التخلص من الإلكترونيات، وأيضا أماكن بيع ألعاب تنمية المهارات، وترشيحات لأطباء لاستشارتهم حول التأثير الطبي للإلكترونيات على الأطفال وأثرها وطرق سحبها، إلى جانب مقاطع الفيديو من أخصائين في تنمية مهارات الأطفال.

وتؤكد فاطمة دوما عند إجابتها عن أسئلة الآباء أنها تتحدث من واقع تجربتها الشخصية، وتؤكد أن هناك حالات تحتاج لاستشارة طبية، وما تسعى لفعله فقط هو نشر تجربتها ليستفيد منها أكبر عدد من الآباء والأمهات.

كما تحاول فاطمة شرح الأثر الطبي لاستخدام الإلكترونيات على الأطفال من خلال مشاركة المقالات الطبية المنشورة في الدوريات المختلفة، وعرض الطرق البديلة والألعاب التي تعمل على تنمية ذكاء الأطفال، وتحويلهم لفاعلين بدلًا من مجرد مستقبلين.

أنشطة يمان وأمان

في البداية، قررت إبعاد أمان مبكرا بإبعاده عن التكنولوجيا لحمايته من العزلة الاجتماعية. وبالفعل منعته من استخدام الإلكترونيات أو مشاهدة قنوات الأطفال، ووجدت الاستجابة سريعًا مع بلوغه سنة ونصف، مع حصيلة لغوية أكبر من تلك التي كانت لدى يمان عندما كان في سنه. كما استعانت بأخصائية في تنمية المهارات، بدأت في تعليم الصغير ألعاب المنتسوري، والاعتماد على صور الحيوانات والأشكال الأخرى بشكلها الطبيعي حتى يتعرف عليها الطفل جيدًا بشكلها الأصلي.

عندم إتمام أمان سنته الثانية كان قد تعلم الكثير من الكلمات، وبدأ يندمج في العديد من الأنشطة واللعب على عكس الطفلة رنوة التي كانت في نفس عمره ولكنها لا تمتلك مهاراته. وبعد استشارة طبيب، قررت دينا والدتها البدء في تجربة منع قنوات الأطفال "الموضوع كان مميت، بس لما لقيت بنتي مش بتتكلم تقريبًا ومبتقولش كلام زي اللي في سنها خفت يكون عندها مشكلة تأخر في النمو وفعلا أنا وباباها عملنا اختبارات علشان نطمن وعرفنا إن السبب في التلفزيون اللي سبتها قدامه فكان لازم نبدأ رحلة شاقة علشان نعالج الأمر".

اعتادت دينا ترك رنوة أمام التلفزيون مع إتمام شهرها الثالث، وكان ذلك يسهل عليها إتمام مهامها المنزلية. ولكن بعد سنة، أصبحت تلاحظ تأخرها في النطق وعدم اهتمامها بالأنشطة الحركية. كانت تعتقد في البداية أن قنوات الأطفال قنوات تعليمية، لأنها تعرض برامج لصور الحيوانات والحروف وغيرها، ولكن فاطمة من تجربتها مع طفليها تروي أن تلك المشاهد التعليمية تكون بعيدة عن الواقع، وتحصر فكر الأطفال في إطار ضيق، فالتعليم الذي يتلقاه الطفل من الأب والأم أعمق من ما يتلقاه من قنوات الأطفال.

الانسحاب الاجتماعي وفقا لما وصفته البطاوي، أكدته دينا مع طفلتها التي كانت ترفض تناول الطعام دون مشاهدة التيفزيون، أزمة دينا الحقيقة وجدتها عندما تأخرت طفلتها في نطق العديد من الكلمات حتى عامها الثاني، برغم محاولتها التحدث معها "مكنتش بتبص لي أصلا ولا بتركز مع كلامي أو كلام باباها، والمفاجأة لما لقيناها بتقول بدل ماما أمي زي مكانت بتسمعها من قناة الأطفال".

بحثت الأم عن مخاطر مشاهدة قنوات الأطفال لفترات طويلة، ووجدت العديد من الدراسات التي تحذر من ذلك، واستشارت طبيب الأطفال الذي أكد لها خطورة الأمر، فقنوات الأطفال تعزز عزلة الطفل الاجتماعية، كما أن المشاهدة السريعة والمتحركة التي يتعرض لها تساهم في إصابته بفرط الحركة.

دراسة ألمانية أجرتها جامعة لايبزج، تعزز كلام طبيب رنوة من أن استخدام الأطفال (بين سنتين إلى ست سنوات) للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية بشكل يومي، يسبب أضرارًا كبيرة على سلوكيات الأطفال ويؤدي إلى فرط النشاط وزيادة اللامبالاة، ويصعب عليهم التعامل مع أطفال آخرين.

يمكن أن يتعرض الأطفال الذين يفرطون في استخدام التكنولوجيا ومشاهدة قنوات الأطفال وألعاب الفيديو للعديد من المشاهد العنيفة التي تتسبب في رفع معدل الأدرينالين ومستويات التوتر لديهم، وأيضا تتسبب في عدم قدرتهم على تمييز حقيقة ما يشاهدونه، فالأطفال الذي يتعرضون لمشاهدة مشاهد عنيفة عبر وسائل التكنولوجيا المختلفة، من الممكن أن يصابون بارتفاع في دقات القلب، وأنواع مختلفة من التوتر.

المنتسوري هو الحل

المحاولات المتكررة لفاطمة وزوجها بمنع أبنائهم من استخدام الأجهزة الإلكترونية، اتخذت منحنىً جديدًا في مارس/ آذار من العام الماضي عندما جهزا غرفة لطفليهما، بها ألعاب عديدة. ليست ألعابًا عادية أو تقليدية، ولكنها من فئة ألعاب المنتسوري، التي تتطلب من الطفل مجهودًا وتفكيرًا أثناء اللعب، وسحبا بالتوازي الأجهزة الإلكترونية من طفليهما وسمحا بساعة واحدة أسبوعيًا، لتظهر أعراض الانسحاب بقوة على طفلها الأكبر.

حجرة يمان وأمان

تعب وإرهاق كثير في بداية التجربة "بين زن وعياط وطلبات بعودة الإلكترونيات"، حسب فاطمة، ولكنها تمسكت مع زوجها بتنفيذ القرار بحسم، وكانا يعرفان أنهما رغم المتاعب سيجنيان الثمار قريبًا. وطوال شهر كامل كانت التجربة شاقة جدا على الجميع، ولكن بعد ذلك أصبحت أعراض الانسحاب تقل تدريجيًا، وتكرر أن يحل يوم العطلة دون أن يتذكر الأبناء أنه موعد ساعة الهواتف الذكية أو الـ بلاي ستشن، وشيئًا فشيئًا بدآ يندمجان مع العالم الحقيقي حولهما.

بجانب ألعاب تنمية المهارات، أصبح للأطفال هوايات جديدة، منهم التنس والسباحة، والذهاب للنادي لممارسة الرياضة، أو الذهاب للسينما يوم العطلة الأسبوعية بدلا من اللجوء للإلكترونيات.

العائق الذي كان يمنع فاطمة من إتمام تجربتها في المرات السابقة، كانت وفقا لقولها "دلع الجدود"، فبحكم إقامتها مع والديها في نفس المنزل "كان ممكن يروحوا لبابا يطلبوا منه التليفون فياخدوه علشان مبيبقاش عاوز يزعلهم بس لما طلبت منه إنه ميستجيبش وإنه كده بيهد اللي بعمله بقى هو كمان يساعدني".

مرت دينا مع ابنتها برحلة شاقة مشابهة لما عانته فاطمة ولكنها امتدت أكثر، حيث استغرق الأمر ستة أشهر لتلاحظ أن ابنتها كوّنت حصيلة لغوية مناسبة وباتت تعرف أسماء العديد من الحيوانات وتستطيع نطقها بشكل سليم، وهدأ "الزن والعياط بحثا عن قنوات الأطفال، وبدأت تبحث عن ألعاب جديدة. دلوقتي بقى عندها 4 سنين وطبعا كبرت وكبر وعيها وإدراكها والحمد لله نسيت قنوات الأطفال وبقت بنقضي وقتها معظمه في التلوين والرسم والشخبطة وممكن تتفرج معانا ساعات على الحاجات اللي بنشوفها في التلفزيون لو مسلسل أو فيلم واحنا اللي بنقرر ده مناسب إنها تشوفه ولا لأ لو حاجة كوميدي مثلا".