مزرعة موز. صورة برخصة المشاع الإبداعي. camilo g. r- فليكر

حظر الموز في الأراضي الصحراوية: تهديد لاقتصاديات المزارعين ومعامل الأنسجة

أكثر من نصف عمر محمد موسى قضاها في مهنة "المواز"، مراكمًا الخبرات في خدمات الرعاية المتخصصة لمزارع الموز المنتشرة في عمق الظهير الصحراوي في مناطق غرب الدلتا بمصر. يحمل موسى، ذو الأربعين سنة، مسيرة طويلة هو وعائلته في تلك المهنة المهمة، حيث يعتبر أصحاب المزارع العمالة الماهرة أمثال موسى العامل الرئيسي في جودة المحصول وكمياته، منذ زراعة الشتلات وحتى عملية الحصاد ورص المحصول على سيارات النقل إلى التجار.

في لحظة واحدة أصبحت مهنة محمد مهددة بالضياع، لينتهي مجال العمل الذي بناه قبل 27 عامًا، عندما مارس مهنة الموّاز للمرة الأولى مع والده وأخيه الأكبر في إحدى مزارع المنوفية، حيث مسقط رأسه، والسبب هو قرار حكومي مفاجئ صدر عن وزارتي الزراعة والري في 19 أبريل/ نيسان الماضي، بحظر كامل لزراعات الموز في الأراضي الصحراوية والجديدة، مع السماح بمهلة ثلاث سنوات للمزارع التي ما زالت في قلب دورة إنتاج الموز.

عامل في أحد مشاتل الموز في مصر. الصورة أصحاب مشاتل ومعامل أنسجة

يدوم العمل بمهنة الموّاز أغلب شهور العام، فدورة إنتاج الموز تعمل خلال تسعة أشهر من العام، ماعدا الفترة بين يونيو وأغسطس، ويرأس موسى فريقًا مكونًا من ستة عمال يشرفون وحدهم على 60 فدانًا من زراعات الموز، يقيمون في أماكن عملهم خمسة أيام في الأسبوع.

1.5 مليون طن

وفقًا لتقرير أعده قسم بحوث الفواكه الاستوائية بمركز البحوث الزراعية، فإن المساحة الإجمالية لزراعات الموز في مصر تقدَّر حتى عام 2018 بنحو 76 ألف فدان، وتبلغ المساحات داخل الوادي والدلتا 58 ألف فدان بنسبة 73.4 % بمتوسط إنتاج 18.5 طنًا للفدان، وخارج أراضي الوادي والدلتا تبلغ 21 ألف فدان بنسبة 26.58 %، بإجمالي إنتاجية يقترب من 1.5 مليون طن.

كشف التقرير نفسه أن الاستهلاك المائي لنباتات الموز تحت نظام الري بالغمر داخل الوادي، تصل إلى 10 آلاف متر مكعب للفدان في السنة، أي 580 ألف متر مكعب في سنة في أراضي الوادي والدلتا، بينما يصل استهلاك المياه تحت نظم الري الدقيق micro irrigation للفدان في الأراضي الصحراوية والجديدة إلى ثمانية آلاف متر مكعب للفدان، أي 216 ألف متر مكعب في سنة.

معامل الأنسجة أكبر المتضررين

تمتد أزمة حظر زراعة الموز في الأراضي الصحراوية والجديدة من صغار العاملين إلى أصحاب معامل الأنسجة ومشاتل الموز، حيث تمر زراعة الموز بفترة تحضيرية تبدأ من إنتاج العيدان الصغيرة داخل معامل الأنسجة، وبعد فترة التربية داخل المعمل تنتقل إلى المشاتل قبل زراعتها في الأرض، وهي سلسلة اقتصادية طويلة ومتشابكة وتحتاج لأعدد كبيرة من العمالة.

نباتات موز معدة للتربية في معمل أنسجة. الصورة: أصحاب مشاتل ومعامل أنسجة  نباتات موز معدة للتربية في معمل أنسجة بالقاهرة 

من بين سلسلة العمالة المتأثرة بالقرار، الفنيين والعاملين في معامل الأنسجة ومن بينهم هالة إبراهيم، 33 سنة، التي تعمل في معمل خاص لإنتاج شتلات الموز في منطقة المعادي بالقاهرة، وأصبحت مهددة منذ صدور قرار الحظر بفقد عملها الذي قضت فيه 10 سنوات كاملة من عمرها.

تقول هالة للمنصة "تخرجت في أحد معاهد النظم والمعلومات وحاولت العمل بوظائف متعددة، قبل أن أستقر في العمل بزراعة الأنسجة. تعلمت المهنة وكوَّنت فيها خبرات كبيرة، وأصبحت هي مهنتي الوحيدة وحرفتي التي أجيدها في الحياة، لدرجة أن لقبي في المعمل أصبح المهندسة هالة، وبالتأكيد من الصعب أن أغيّر مهنتي في الوقت الحالي بهذا الشكل المفاجئ، خاصة وأنا أعتمد على الدخل القليل من العمل في المعمل لإعالة أسرتي التي تتكون من زوج مريض غير قادر على العمل وطفلتين في مرحلة الحضانة، أنتهي من عملي في الثالثة مساءً وأتوجه سريعا لاصطحابهما من الحضانة القريبة من المعمل لنعود إلى المنزل".

لا تطال آثار قرار الحظر صغار العاملين فحسب، بل تمتد لتؤثر على كبار مهنة زراعة الموز، حيث يمتلك كثير منهم معامل ومشاتل يخصصونها لخدمة أراضيهم، ولبيع إنتاجها أيضًا للمزارع الأخرى، ومن بين هؤلاء المهندس سيد مطر الذي يمتلك معملًا لزراعة الأنسجة في القاهرة.

أزمة العربون

من بين 48 سنة هي عمره حاليًا قضى المهندس سيد مطر عقدين كاملين من عمره في زراعة الموز، واعتمد منذ أن بدأ في هذا المجال أن يتوسع رأسيًا في مهنته ليمتلك معمل الأنسجة والمشتل وأرضًا زراعية، وصولًا إلى التجارة، وبهذا يمتلك سلسة إنتاجه بالكامل.

يقول مطر للمنصة إنه الى جانب معمل زراعة الأنسجة والمشتل يمتلك 20 فدانًا يزرعها بالموز سنويًا ويعمل لديه 32 شخصًا بين عامل وفني ومهندس زراعي بشكل أساسي ودائم غير العمالة الموسمية، التي تتردَّد على المشتل والمزرعة والمعمل وتقدر بأضعاف العدد الثابت.

يستعد سيد إلى تسريح العمالة في المعمل والمشتل وبيع مزرعته الواقعة في منطقة مركز بدر في محافظة البحيرة، والبحث عن مهنة أخرى خارج سلسلة الإنتاح الزراعي لأنه على حسب اعتقاده لن يجد محصولًا يعتاد عليه ويتمكن من الربح منه مثل الموز.

شتلات موز

يقدر سيد مطر خسائره من وراء قرار الحظر بنصف مليون جنيه فقط بالنسبة لمعمل الأنسجة، وهي قيمة مقدم العقود أو ما يعرف بالعربون الذي جمعه من أصحاب المزارع الحاجزين للشتلات من المعمل، وهو الآن مطالب بتلك المبالغ التي أنفقها على تجهيز العمل ومرتبات الفنيين والمهندسين.

الباحث في زراعة الموز بمركز البحوث الزراعية التابع لوزارة الزراعة، الدكتور عبد الحميد الشاهد، أكد أن الحظر الكلي والمفاجئ لزراعات الموز في الأراضي الصحراوية يهدم اقتصاديات شيدت على مدار عقود؛ من معامل زراعة أنسجة ومشاتل ومزارع بمساحات ضخمة، وأسواق شُيدت خصيصًا لاستيعاب الموز وتخزينة، كثلاجات إنضاج الموز في أسواق العبور و 6 أكتوبر المركزية.

الشاهد أشار إلى أن قرار الحظر كان من الممكن أن يشمل الأراضي الصحراوية الرملية فقط، مثل منطقة وادي النطرون وغرب الطريق الصحراوي، لأن تلك الأراضي شرهة جدًا في استهلاك المياه، لطبيعتها غير المتماسكة التي تتسبب في تسرب الماء بشكل سريع إلى الطبقات السفلى من التربة، وعدم استفادة النبات منها، وبالتالي تحتاج تلك الأراضي إلى الري بكميات كبيرة من المياه، لكن الأراضي الصحراوية والجديدة ذات التربة الحمراء المتماسكة، والتي تنتشر فيها زراعات الموز في مناطق مركز بدر والخطاطبة وبعض مناطق مدينة النوبارية، فهي لا يلائمها إلا زراعات الموز، ولا تجود فيها أغلب المحاصيل الأخرى.

الحظر الكلي والمفاجئ لزراعات الموز في الأراضي الصحراوية يهدم اقتصاديات شيدت على مدار عقود.
- الدكتور عبد الحميد الشاهد، باحث بمركز البحوث الزراعية

الشاهد كشف عن اتباع أغلب مزارع الموز المنتشرة في المناطق الحصراوية والجديدة لطرق ري وزراعة متطورة، توفر في المياه بشكل كبير، وتجعل الموز أكثر المحاصيل إنتاجية من وحدة الأرض والمياه، فالمتر المكعب الواحد من المياه ينتج 2.5 كيلو من الموز، وهي إنتاجية لا تحققها أغلب الزراعات بشكل عام، وأشار إلى أن تقنية تغطية مزارع الموز بشبكات التظليل بيضاء اللون تخفض من ظاهرة البخر نتح التي تفقد زراعات الموز قرابة 30% من مياه الري.

هبوط الإنتاج

ومن جانبه قال عبد الدايم الشيخ، أحد تجار الموز في سوق العبور شرقي القاهرة، إن حظر الزراعة سيهبط بالإنتاج الكلي من الموز في مصر والذي يتجاوز المليون ونصف طن سنويًا، وسيرفع الأسعار بشكل تدريجي في السنوات المقبلة ومن المتوقع أن يرتفع سعر كيلو الموز في فترة أقصى الإنتاج في موسم الشتاء في حدود 50% من الأسعار الحالية، وسيقترب سعر الموز المحلي من أسعار الموز المستورد حيث يسجل الأخير بين 30 و40 جنيهًا للكيلو، ومن المتوقع أن يصل سعر كيلو الموز المحلي ما بين 25 إلى 30 جنيهًا، وهي تكلفة كبيرة على المواطن الذي يعتمد على الموز كفاكهة شتوية.

زراعة الموز في الظهير الصحراوي في مصر. الصورة: مُزارع بمحافظة البحيرة

مسألة توفير المياه هي الدافع الأكبر أمام الحكومة المصرية لإخراج قرار حظر زراعة الموز من الأدراج وإقراره من وزارتي الري والزراعة حيث يصنف الموز مع الأرز وقصب السكر والبرسيم كرباعي هدر المياه في مصر، وتبحث وزارات الزراعة والري منذ سنوات سيناريوهات تقنين المياه للزراعات الأربعة لخفض استهلاكها للمياه، حيث تعتبر الزراعة على رأس القطاعات التي تستهلك المياه في مصر بنسبة تصل إلى 76.1% من إجمالي استهلاك المياه في مصر، وفق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الصادر في مارس/ أذار 2019، وهي نسبة أعلى من المعدل العالمي لاستهلاك المياه في الزراعة الذي كشفت عنه منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في وقت سابق، بنسبة 69% من إجمالي الموارد المائية المسحوبة في العالم سنويًا

وتزداد قضية توفير المياه إلحاحًا في مصر مع تعقد موقف مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، الذي تؤكد مصر تأثيره على مواردها المائية المحدودة في المستقبل، مع الزيادة السكانية المستمرة وتقويض الخطط التنموية للدولة، وهو ما أشار إليه وزير الموارد المائية والري الأسبق، الدكتور محمود أبو زيد، بأن مصر ستفقد من 5 إلى 15 مليار متر مكعب من حصتها المائية من نهر النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب، بسبب سد النهضة.

ضحايا أزمة سد النهضة

أزمة سد النهضة وتأثيراتها دفعت الحكومة المصرية لاتخاذ قرار حظر زراعة الموز بشكل كامل في الأراضي الجديدة والصحراوية، إلى جانب السعي نحو تنفيذ مشروع تطوير الري الحقلي في الوادي والدلتا الذي تعرض لعثرات كثيرة خلال السنوات الأخيرة.

ووفقًا لتصريحات رئيس الإدارة المركزية للبساتين بوزارة الزراعة، المهندس محمود عطا، لصحيفة المصري اليوم، فإن زراعة الموز تستهلك 12 ألف متر مكعب للفدان، وهو معدل استهلاك كبير.


اقرأ أيضًا: صغار الفلاحين ومعركة كورونا: غائبون عن خطط الدعم.. حاضرون في خطوط الإمداد


وكشف عطا خلال تصريحاته أن القرار الوزاري رقم 896 لسنة 2012 يحظر إنشاء حدائق الفاكهة في أراضى الوادي والدلتا، ويقتصر إنشاء حدائق الفاكهة على الأراضى الجديدة، بشرط استخدام نظم الرى الحديثة، وأن القرار يسمح بإحلال وتجديد الحدائق القديمة فى الأراضي القديمة بعد المعاينة على أرض الواقع، من لجنة تضم ممثلين من الإدارة الزراعية ومديرية الزراعة بالمحافظة المعنية، والإدارة المركزية للبساتين، شريطة استخدام أساليب الرى الحديثة فى الإحلال والتجديد بالأراضى القديمة.

ورغم إتاحة القرار الوزاري لسنة 2012 زراعة الموز بهذه الاشتراطات، إلا أن القرار الجديد بحظرها نهائيًا في الأراضي الصحراوية، ضرب بخطط المُلّاك المزارعين عرض الحائط.

موَّاز. الصورة: مُزارع بمحافظة البحيرة

ويقول ياسر مصلح، مالك لمشتل ومزرعة موز، أن إعادة النظر في القرار أمر مهم حتى لا يفقد آلاف العمال وظائفهم ومئات المستشمرين استثماراتهم بقرار غير مدروس، وإن كان المبرر الأساسي هو المياه فنحن ننتظر أن تعاين وزارة الري مزارعنا المجهزة باحدث نظم الري والزراعة، وتقارن بين استهلاكنا واستهلاك زراعات الخضروات، أو الفراولة التي تستهلك 60 مترًا مكعبًا في الساعة للفدان، بينما يستهلك الموز بالنظام الذي نزرع من خلاله في تربة متماسكة ما يصل إلى 30 متر مكعب في الساعة.

يرى مصلح أن الحكومة "لو أرادت حل الأمر بدون حظر لكانت قننت أوضاع الآبار الجوفية، ووضعت عدادات مياه على حساب مالك المزرعة، وإذا لم نلتزم يغلق البئر".

بعد ما شاب

ولفت إلى إنه حجز بالفعل الشتلات الصغيرة التي سيزرعها عام 2021 من معمل الأنسجة ودفع عربونًا مقابل ذلك منذ فترة، ولا يعرف ما الحل، وهو نفس وضع أصحاب معامل الأنسجة والمشاتل الذين ينتجون 25 مليون شتلة موز في السنة، وجمعوا "العرابين" لتجهيزها لموسم العام المقبل، وأنفقوها بالفعل العمالة والتجهيز.

وإذا كان هذا وضع أصحاب المزارع، فالمزارعين ليسوا أفضل حالًا، يقول محمد موسى، الذي يعول أسرة مكونة من زوجة وأربعة أبناء يعمل اثنان منهما معه بمهنة الموَّاز في إجازات الدراسة، أن حظر زراعة الموز في الأراضي الصحراوية سيتسبب في انكماش المساحات فى مصر ، وبالتالي سيعاني هو وأبناء مهنته من بطاله كاملة أو جزئية بعد ان يفقدوا أغلب أعمالهم، ولن يمكنه تغيير مهنته بعد هذا العمر، فالمثل الشعبي يقول "بعد ما شاب ودوه الكتاب".