جلسات حكي الحواديت - بإذن خاص للمنصة

بكمامات ومسافات آمنة: جلسات "حواديت الأطفال" تستمر رغم الجائحة

كان شنودة يبحث في هاتفه عن قصة جديدة يحكيها للأطفال عندما باغته خبر فرض الإجراءات الاحترازية بعد انتشار جائحة كورونا في مارس/ آذار الماضي، والتي تضمنت حظرًا للتجمعات، ما يعني أن جلسات الحكي التي تقيمها مبادرته، الصخرة، التي أسسها في قريته جبل الطير بمحافظة المنيا، ستتوقف حتى إشعار آخر.

أرسل الشاب الخبر لرفاقه الستة شركائه في المبادرة مع سؤال "هنعمل إيه؟"، حسبما حكى شنودة عادل (28 سنة) للمنصة متحدثًا عن مخاوفه على المبادرة التي أسسها في عام 2017 لتشجيع الأطفال على القراءة والثقافة وتنمية مهاراتهم خاصة وأن مدن وقرى الصعيد "دايمًا بعيدة عن الثقافة أو الاهتمام بالقراية وخاصة بين الأطفال، فده كان هدفنا من البداية".

تتضمن المبادرة أنشطة عدة ينخرط فيها الأطفال خلاف جلسات الحواديت مثل حملات تنظيف مقالب القمامة وتحويلها لمسارح وحدائق، وورش تعديل سلوك الأطفال التي يجريها متخصصون يتواصل معهم الفريق.

ولكن تظل جلسات الحواديت هي النشاط المفضل للأطفال والذي يشهد التفاعل الأكبر "من خلال الجلسات دي بنختار قصة نحكيها للأطفال ونناقشهم فيها ونسمعهم وكمان بيكون عندهم فرصة يلونوا ويرسموا وكل ده كان بيتم في مكتبة القرية مش بس لأطفال القرية لكن كمان لأطفال القرى المجاورة ووصل عدد الأطفال اللي بنشتغل معاهم 200 طفل قدرنا نكون معاهم صداقات ونجيبهم ونوديهم من القرى اللي حوالينا، بس كل ده اتغير من وقت كورونا، وبداية الجائحة اللي زي مسببت تغيرات جذرية في كل حاجة أثرت في نشاطنا احنا كمان".

بعد أن أرسل شنودة الخبر المتوقع بحظر الأنشطة الجماعية والتجمعات على مجموعة واتساب التي تجمع أعضاء الفريق ساد قليل من الصمت، أعقبه مشاركة أخبار ومقالات متنوعة عن الوباء، وكيفية الوقاية منه، بعد أن كانت مجموعة مخصصة للحديث عن أنشطة الفريق وتوزيع المهام فيما بينهم.

أنشطة منزلية مؤقتًا

اضطرت المبادرة لتعليق أنشطتها لمدة شهر تقريبًا بسبب حظر التجوال وتطبيق التوصيات بالتباعد وعدم ترك المنزل للوقاية من العدوى، أما لقاءات أعضاء الفريق بعضهم البعض فتحولت إلى لقاءات افتراضية تتم عبر الهاتف أو محادثات الفيديو "الوضع طبعا كان مخيف لأننا بنتعرف على وباء لأول مرة، وأول مرة نسمع عنه، خفنا على نفسنا طبعا، وكمان على الأطفال لو حد حصل له حاجة، لأن هما بقوا جزء مننا، زي الزرع اللي بترويه فيكبر قدامك، فكنا طول الوقت بنفكر إزاي نرجع ولو جزء من أنشطتنا مع الأطفال وكمان نحميهم من الوباء ومنكونش سبب في إنه يوصل لهم".

هكذا أصبح الفريق بين خوفين؛ خوف من الإصابة بالمرض ونقل العدوى للأطفال، وخوف من أن تمر شهور التباعد فينسى الأطفال ما تعلموه. يحكي شنودة أكثر عن هذه الفترة "مكالمات طويلة واقتراحات كتيرة، ورسايل كتيرة تتكتب وتتسمح طول الشهر، عاوزين نقابل الأطفال وخايفين عليهم مش عارفين ممكن نعمل ده إزاي، خايفين الأطفال ينسونا وينسوا القراءة، وده خلانا طول الوقت بنفكر في حل، لحد ما واحد مننا فكر إننا نبدأ نشغل وقت الأطفال وهما في البيت، يطلعوا فيها الطاقة، وأول حاجة فكرنا فيها هي كتب التلوين والرسم، اللي بتاخد وقت من الأطفال وكمان نشاط بيحبوه جدا"، هكذا روى شنودة استعدادهم الأول، والبحث عن نشاط بديل للأطفال، لمواجهة الجائحة.

جلسات حكي الحواديت - بإذن خاص للمنصة

وبحسب تقرير نشره موقع بي بي سي، فإن الإجراءات الاحترازية والبقاء في المنازل والانقطاع عن الذهاب إلى المدارس أمور قد تؤثر على النمو المعرفي والعاطفي والاجتماعي للأطفال، بسبب العزل المنزلي.

أما مستشار الصحة النفسية الدكتور محمد الناصر النصيري فيرى أن الأطفال يدركون بحسهم الفطري أن تغييرا هاما يقع في حياتهم لكن أغلبهم، حسب سنهم، غير قادرين على تحليل الواقع وفهم ما يجري فيتجهون مباشرة للعناد والتمرد وطرح الأسئلة، وانقطاع الأطفال فجأة عن مدارسهم وأصحابهم وأغلب مظاهر الحياة خارج البيت، يولد إحساسًا بالحرمان حالة من التوتر لدى الطفل، كما هي لدى الكبار، ويمثل شكلا من أشكال العنف المسلط على الطفل إذا ما لم يصحبه تفسير واضح يحترم قدرات الطفل ومداركه، بالإضافة لشغل وقتهم، وملئ الفراغ الذي تركته مدرستهم وأصحابهم.

بدأ شنودة وأصدقائه البحث عن كتب للتلوين وتحمليها وطباعتها وشراء مجموعات مختلفة من الألوان، بجهود ذاتية من أعضاء الفريق، لتوزيعها على أصدقائهم الصغار لتلوينها في المنزل، وتسليمها على باب المنزل، لتطبيق إجراءات مكافحة كورونا، حتى يجد هؤلاء الصغار منفذا لخروج الطاقة، حتى انتهاء الجائحة "رجعنا تاني نقسم المهام، حد ينزل يشتري كمية من الكمامات علشان هنحتاج لها واحنا بنوزع كتب التلوين، وحد تاني يطبع ورق التلوين والكتيبات الصغيرة، وحد يشتري الألوان".

بعد تحضير كتيبات التلوين والألوان، اتفق أعضاء الفريق على المقابلة، مع ضرورة ارتداء الكمامات، لتوزيع كتيبات التلوين على عدد من الأطفال "كنا عارفين طبعا إننا مش هنعرف نوصل لكل الأطفال اللي بنشتغل معاهم، لأنهم في قرى كتير مش بس قريتنا، ولأن كمان إمكانياتنا كلها قايمة على الجهود الذاتية، فالورق المطبوع وأدوات التلوين أكيد مش هتكفي كل العدد، بس قررنا نعمل اللي نقدر عليه علشان منحسش بالعجز، ونكمل نشاط بدأ مع الأطفال هنجني ثماره قريب".

المخاوف من رفض الأهالي استقبال أعضاء الفريق، كانت موجودة، ولكنها لم تكن وليدة الجائحة، فالرفض شعور يقابله الفريق دوما من أهالي عدد كبير من الأطفال "كنا خايفين طبعا من رد فعل الأهالي وإحنا بنخبط عليهم علشان ندي الولاد كتب تلون، بس الحقيقة إن كتير من أهالي القرية والقرى المجاورة اللي بيشوفوا إن اللي بنعمله ملوش لازمة غيروا رأيهم وفكرتهم، وده كان هدفنا من البداية".

وزع الفريق وأعضائه كتيبات للتلوين على ما يقرب من 75 طفلا بقرية جبل الطير وعدد من القرى المجاورة، مع نصائح بسيطة لهؤلاء الأطفال بضرورة البقاء في المنزل، وعدم الخروح للهو خارجه كما اعتادوا في الماضي للوقاية من المرض مع ضرورة الالتزام بتعليمات النضافة وغسيل الأيدي المستمر، والحرص على عدم ملامسة الوجه، كما نصحت منظمة الصحة العالمية مع بداية الجائحة.

"الأهالي هنا ثقافتهم مش كبيرة أوي، ومن بداية الجائحة وهما بيخروجوا للشغل لأن معظمهم بيشتغل في المحاجر وعمال يومية فمفيش رفاهية أنهم يقعدوا في البيت، وكان الخوف من الجوع أكتر من الخوف من المرض، كمان دايما بيكون في اعتقاد إن الأزمة دي مركزية وفي القاهرة بس ومش هيوصلنا حاجة من الفيروس، وده كان دورنا كمان إننا نوعي الأطفال من خلال الوقفة اللي على الباب واحنا بنديهم الكتاب، وكمان نوعي الأهالي إن الفيروس مش مركزي وممكن يوصل عادي ولازم ياخدوا بالهم".

طفلة أثناء أحد الأنشطة للمبادرة - بإذن خاص للمنصة

جلسات الحواديت

طيلة شهر أبريل/ نيسان استمر أعضاء الفريق في النشاطات المنزلية، في توزيع كتيبات الألوان، ومعها تستمر اجتماعات الفريق "أونلاين"، وتزداد أعداد الإصابات على الجانب الآخر، وبينما يمتد الحظر حتى ليبدو أنه سيكون بلا نهاية. هنا أدرك شنودة أن الأزمة لن تنتهي قريبًا، وتحتاج لحل عملي يتناسب معها "فهمنا كويس إن الأزمة دي مطولة ومش هتخلص بعد شهر ولا اتنين فلازم نطوع حل للوضع الجديد ده، لو سبنا الأطفال هتنسى اللي اتعلموه، ففكرت إننا ليه منستغلش الحديقة اللي كانت مقلب قمامة وحولناها بجهود الأطفال بعد تنظيفها لحديقة، ونعمل فيها جلسات حكي الحواديت".

عرض شنودة الفكرة على أصدقائه، وجعلتهم المخاوف من تحمل مسؤولية انتقال العدوى للأطفال يفكرون في اتخاذ الكثير من الإجراءات الاحترازية لتأمين تلك الجلسات وحماية الأطفال.

تساؤلات كثيرة سبقت العودة؛ كيف ستطوع الحديقة لتلك الجلسات، وكم عدد الأطفال بالجلسة، وما هي التدابير الاحترازية التي يمكن تطبيقها مع الصغار. يحكي شنودة أكثر "أرض الحديقة عبارة عن رمل ففكرنا نجيب مخدات للأطفال تقعد عليها، وعدد الأطفال في الجلسة الواحدة ما بين 15 لـ 20 طفل، ولازم تتم الجلسات قبل الغروب علشان مفيش إضاءة في الحديقة، وحد يراقب الأطفال علشان يسيبوا مسافة بينهم وبين بعض ويلبسوا كمامات هنوفرها لهم، من الكمامات اللي اشتريناها في بداية الجائحة".

أصبح أمام الفريق تحديان، الأول هو إقناع الأطفال بضرورة ترك مسافات كافية بين بعضهم البعض لمنع انتقال العدوى، والثاني هو ارتداء الكمامة، فالتعامل مع الأطفال أمرا ليس بالسهل، وإقناعهم بتطبيق إجراءات مكافحة انتقال العدوى أمر أصعب، بحسب شنودة.

ولكن البديل عن إقناع الأطفال بضرورة الالتزام بإجراءات الوقاية كان وقف النشاط حتى انتهاء الجائحة، وهو ما استبعده الفريق، فكان الخيار محاولة إقناع الأطفال، وشرح الأمر لهم بشكل مبسط، ثم تدريبهم على ارتداء الكمامات ومراقبتهم أيضا، والتأكد من تركهم المسافات الكافية بين بعضهم البعض، حتى إذا اضطروا لخلع الكمامة أو عدم الالتزام بارتدائها تحميهم المسافة الآمنة في الهواء.

ولكن مع بدء إجراءات عودة المبادرة إلى "نشاطها الحقيقي" برز تحدٍّ آخر يتعلق بموافقة الأهل على إرسال أولادهم إلى جلسات الحواديت مع انتشار المرض "بدأنا نقنع الأهالي إن خروج الأطفال للقراءة في مكان مفتوح مش خطر، ممكن كمان يكون مفيد ليهم ولصحتهم النفسية في الوقت ده، ومنهم طبعا اللي كان بيرفض ويخاف، وفي اللي وافق بسبب زن الولاد إنهم يخرجوا يلعبوا في الشارع والخروج من الحبسة بشكل عام، واللي ساعدنا على ده كمان إن القرية مسجلتش أعداد كبيرة من الإصابات، كل اللي سمعنا عنهم 5 حالات بس، وده بدأ يطمن الأهالي إن الأمر يبدو تحت السيطرة".

جلسات حكي الحواديت - بإذن خاص للمنصة

يتعامل فريق الصخرة مع ما يقرب من 200 طفل بالقرية والقرى المجاورة، جلسات الحكي قبل الجائحة كانت تتم دون وضع عدد للصغار، ولكن مع الجائحة أصبح وضع عدد محدد للأطفال بتلك الجلسات هام. اشترى أعضاء الفريق مجموعة من الكمامات في بداية الأزمة لاستخدامها بشكل شخصي وعند حملات التوعية، وأيضا لتوزيعها على الأطفال، ونفدت تلك الكمامات مع ثاني جلسات الحكي، فقرر أحد أعضاء الفريق حياكة كمامات من القماش، لبدء توزيعها مجددا على الأطفال، ومع نهاية الجلسة كان يترك الأطفال الكمامات التي يحرقها أعضاء الفريق بعد الجلسة، للتأكد من أنها لن تكون مصدرًا للعدوى.

يوضح شنودة أنه قلة عدد الأطفال المشاركين جعل تقسيمهم أمرًا سهلًا، كما يتفق أعضاء الفريق أنه عند زيادة عدد الأطفال يمكن إما تقسيم الجلسات على مرتين، أو إقناع الأطفال المشاركين في المرة السابقين إتاحة الفرصة لزملائهم للتمكن من المشاركة أيضا "إحنا دلوقتي شغلنا مع أطفال القرية بس لأن هيكون صعب نجيب أطفال من قرى تانية زي مكان بيحصل قبل كده علشان مخاطر السفر والتنقل من قرية لقرية أكبر وده طبعا مأثر علينا جدا، بس ده اللي نقدر عليه حاليا. وفي نفس الوقت الولاد من القرى التانية بيتصلوا بينا وبنتصل بيهم، وبنطلب منهم طول الوقت يقروا قصص في البيت ويرسموا ويلونوا لحد منرجع تاني نتقابل من جديد، والحقيقة أن الأزمة حسستنا إن اللي عملناه السنين اللي فاتت مراحش هدر، والولاد فعلا بدأوا يهتموا بالقراية والثقافة، في بنت من أول مرجعنا قعدات الحواديت بتيجي كل مرة أول واحدة وبتقولنا أنا جاية أسمع الحدوتة ومش هقلع الكمامة".


اقرأ أيضًا: احتضنوهم واكسروا بعض القواعد: كيف نساعد أطفالنا على تجاوز آثار الوباء؟


جلسات القراءة والحكي والتلوين تتم مرتين في الأسبوع، قبل غروب الشمس، يجلسون على "المخدات"، يراقب أعضاء الفريق المسافات في الحديقة الواسعة، ويطلبون منهم ارتداء الكمامات، حتى تنتهي الجلسة، دون عناق كما كان يحدث في الماضي بسبب الجائحة، والاتفاق على موعد اللقاء الجديد، ويوعدون أصحابهم الصغار بالقرى المجاورة بلقاء قريب.