حنان كمال. صورة من صفحتها الشخصية على فيسبوك

كراسة خضراء ورسائل: عندما انسكبت زجاجة العطر

حدثني صديقي براء الذي يعمل في مجال بيع الكتب عن كتاب كراسة خضراء ورسائل، الذي كتبته الراحلة حنان كمال أثناء فترة مرضها قبل أن يغيبها الموت في مايو/ أيار العام الماضي، ونشرته دار العين بعد وفاتها، وكيف نال هذا الكتاب إعجابه، وقرر أن يُعيرني إياه لقراءته، وبالفعل في اليوم التالي لهذه المحادثة، ذهبت إلى عملي، ووجدت أن براء ترك لي الكتاب في المكتبة التي أعمل بها. وضعت الكتاب في حقيبتي الشخصية، وأرسلت له رسالة لأشكره.

في طريقي إلى المنزل هذا اليوم خطر لي أن أشتري زجاجة عطر كنت أتوق لشرائها منذ فترة تُدعى بريستيج وايت، فقد نفدت عطوري جميعها، وبالفعل اشتريتها ووضعتها في حقيبتي إلى جانب الكتاب، وصلت إلى البيت، وأخذت حمامًا دافئًا، بعدها جلست أتفقد حقيبتي، وأُخرج مقتنياتي منها، وإذا بما لم يخطر على بالي يحدث؛ انسكبت زجاجة العطر بأكملها على صفحات الكتاب. وقفت لحظات صامتة من هول الصدمة، ولا أعرف ما يجب عليَّ فعله، هل أبكي على الكتاب؟ أم على العطر المسكوب؟

حينما استجمعت قواي تفقدت بقية أغراضي؛ المحفظة وما بها من أوراق، وكراسة خواطري الصغيرة، وتأكدت من عدم إغراقهم بالعطر مثلما حدث مع الكتاب، كانت بطانة الحقيبة فقط تبللت قليلًا. هنا تنفست الصعداء، وهدأت بعض الشئ، ووضعت الكتاب أمام المروحة لتجف صفحاته. استغنيت عن بعضٍ من هواء المروحة طوال الليل في سبيل أن تجف صفحات الكتاب.

الكتاب والعطر. الصورة: رنا ناصر

في اليوم التالي استيقظت من النوم، وكانت صفحات الكتاب جفت، لكن ظلت آثار العطر موجودة، هنا قررت أن أشتري نسخة أخرى لصديقي براء، وأحتفظ أنا بهذه الواحدة ذات الرائحة العطرة؛ وضعتها في حقيبتي قبل الخروج من المنزل وانطلقت إلى العمل.

بدأت قراءة أولى صفحات الكتاب في إحدى عربات المترو الذي أستقله يوميًا للذهاب إلى العمل، وبمجرد تصفح الكتاب هبت رائحة العطر التي شاركتني رحلتي مع الكتاب. كانت قدرة حنان على السرد في الفصلين الأول والثاني، وألم التجربة التي مرت بها مازال قائمًا، وهو ما دفعني إلى الكتابة عن الكتاب وعنها.

بقدر مُتعتي وأنا أقرأ الفصل الأول عن حبها لزوجها السابق أحمد نصر الدين، وعطري يفوح من بين صفحات الكتاب، فيزيد لحظات القراءة عذوبة، بقدر الألم الذي شعرت به عندما انتقلت إلى قراءة الفصل الثاني عن معاناتها مع مرض السرطان الذي أصابها، فأصبح عطري يُذكّرني بلحظات تحمل أحاسيس متناقضة ما بين المتعة والألم، ومع نهاية الفصل الثاني قررت الكتابة مرة أخرى بعد فترة توقف دامت شهرين.

منذ الصفحات الأولى تستخدم السيدة حنان كلمات وأوصافًا رقيقة تشبه روحها، فتصف زوجها بالعصفور على العكس من أخريات يفضلن أن يصفن محبينهن بما ينسب لهم القوة، لا الرقة والبهجة. قد تصف سيدة الرجل الذي تحبه بـ"الوحش" مثلًا تعبيرًا عن قوته أو بنيانه الجسماني القوي، وعلى الرغم ما كان يتمتع به نصر من طول القامة، لكن حنان لم تصفه سوى بـ"العصفور"، في حين استخدمت لفظ "وحش" في مقامٍ آخر لتصف بها مرض السرطان الذي عانته، وحكت عن رحلتها معه في الفصل الثاني من الكتاب حيث استعارت اللفظ من صديقة لها كما ذكرت.

أثناء القبلة الأولى رأيت في السماء عصفورين يتبادلان القُبل.
- حنان كمال

دون أن أشعر، تدفقت الألفاظ والأوصاف التي استخدمتها حنان من بين أصابعي لتصف كلمات كراستها الخضراء تلك، ربما لتخلق نصًا أدبيًا آخر، وربما انسياب الألفاظ المتشابهة بهذا الشكل؛ يرجع لأن أوصاف حنان لمستني بشدة بل أنها تشبه في العموم رؤيتي وتعبيري عن الأشياء، ففي لحظة القبلة الأولى بين حنان وأحمد التي حكت عنها في الفصل الأول، قالت "أثناء القبلة الأولى رأيت في السماء عصفورين يتبادلان القُبل" اعتقدت أنه عندما أحصل على قُبلتي الأولى قد يحدث ما يشبه ذاك، أو أن هذا نفسه قد يحدث مع الكثيرين لكن ليس للجميع قدرة التوقف عند هذه اللحظات، ومنحها هذا القدر من الاهتمام وحكيها أو تدوينها كما فعلت السيدة.

وصف حنان حبها لنصرو (كما كانت هي والفتيات يدعونه) بهذه الصورة الحية، وكأن هذا الحب ولد بالأمس على الأكثر، لا منذ سنوات بعيدة، يرد لي إيماني في كون الحب موجودًا، ويكسبه أيضًا سمة الاستمرارية، كما يسحق كل شكوكي، والمناوشات التي تدور بداخلي بخصوص الحب.

العطر والكتاب. الصورة: رنا ناصر

تجربة حنان مع الألم لم تكن هيِّنة على الإطلاق، بداية من الحادث الأليم الذي تعرَّض له زوجها وحبيبها، ورحلة العلاج والتأهيل ثم إلى إصابتها بسرطان الثدي والذي تطور فيما بعد ليصيب العظام في الفترة الزمنية نفسها تقريبًا لمرض زوجها فأخذ يأكل ملامحها، وظل يلازمها حتى النهاية، ومع ذلك استطاعت حنان سرد تفاصيل هذه التجربة المؤلمة على حياة عينها بدلًا من أن تتركها يسردها غيرها عقب وفاتها من منظور شخصي آخر، والتي مهما تعمق صاحبها فيها لم يكن ليحكيها هكذا، فمن كان يستطيع أن يحس الحكاية مثلها، ويبث فيها هذا القدر من المشاعر لتصلنا بحلوها ومرها وعذابها.

انتقلت حنان في فصلها الثالث والأخير من الكتاب والذي يحمل عنوان في مديح التجربة إلى الالتفات للاستفادة التي حققتها من المرور بتلك التجربة الأليمة، والتي يمكن تركيزها في اكتشاف صورة مغايرة عن الله إلى جانب الالتفات لأمور تبدو صغيرة ولكنها في جوهرها كبيرة ومهمة قد تُشكل رؤيتنا الكاملة عن الحياة، وذكرت بعضًا منها على مضض في صفحات الفصل الثاني فتلك التجربة جعلتها، كما جعلتني، تدرك أهمية الزيادة من أمسيات الاستلقاء على أريكة مريحة، وقيمة الرقص مع الموسيقى في أي وقت، ووجوب الحب بلا تحفظ، تمامًا كما عددتهم في صفحات كتابها، ربما أعطي فيما بعد وقتًا أكثر لهذه الأشياء مثلها، كما أنها، ودون أن تدري، أكدت على ما بداخلي من شعوري الدائم بالحب للناس والأشياء دون قيود، وأخبرتني بأنني أسير في الطريق الصحيح.

جاءت هذه التجربة بقسوتها لتجعل روح حنان تدرك السعادة التي تحققها أصغر الأشياء في عالمنا، لتدرك من خلالها الوجه الأعمق لله، فساعدتها بالفعل على معرفته حق المعرفة.

في نهاية الصفحات الأخيرة من الفصل الثاني كشفت حنان عن اكتشافها الأول عن الله، وعن ارتباط ممارسة التأمل بعبادة ذكر الله، واستشعارها لوجود الله من خلال هذه الممارسة التي لم تكن تقضي وقتًا بها من قبل. ذكّرني اكتشافها هذا عن الله بالأوقات التي أستشعر فيها وجوده بقوة، فلست ممن يتذكرون الله إذا أصابتهم مصيبة، أو يستشعرون وجوده أثناء أداء الفروض فحسب، وإنما يحضرني الله بقوة عندما أفرح بشدة، وعندما أتعجب بشدة، وعندما أخاف بشدة. أستشعر وجود الله عندما تتملكني مشاعر إنسانية قوية وحقيقية تجاه الناس والحياة، عندها أشعر أن هناك قوة أكبر مني بكثير تحرِّك الأشياء من حولي.

كاتبتنا من بيئة متدينة نوعًا ما، يظهر ذلك في استخدامها للتناص من خلال ذكر الآيات القرآنية في كراستها الخضراء أكثر من مرة، أي أن صورتها المغايرة عن الله لم تنقلها من اللاإيمان للإيمان، وإنما نقلتها من الإيمان إلى إيمان أكثر عمقًا وتأملًا؛ إيمان صنعه قلبها وتجربتها لا بيئتها ومجتمعها. أدرك قلب حنان إيمانًا جديدًا، لا ينفي وجوب الفروض الدينية وأداءها، لكنه في الوقت نفسه لا يحصر محبة الله واللجوء إليه فيها وحدها، فقلبها الذي أدرك محبة الله، هو نفسه الذي أدرك القيمة الحقيقية للموسيقى، التى قالت عنها "فقلب لا يعانق الموسيقى هو قلب ميت".


اقرأ أيضًا: عن الموت والمغادرة.. وجروح القلب الثقيلة


جاءت هذه التجربة بقسوتها لتجعل روح حنان تدرك السعادة التي تحققها أصغر الأشياء في عالمنا، لتدرك من خلالها الوجه الأعمق لله، فساعدتها بالفعل على معرفته حق المعرفة. أعترف أنني ذبت بين صفحات هذا الكتاب لا لشيء سوى لأن إدراكي لكثير من الأشياء التي ذكرتها في الأعلى، والتي اكتسبتها حنان من تجربتها، كان إدراكًا فطريًا دون المرور، حتى الآن، بتجربة قاسية مثل هذه، ولم أكن أعي قبل قراءة هذه الصفحات أن هذه المكتسبات تحمل هذه الأهمية، وتحتاج لكل هذا النضج لإدراكها، مما جعلني أثق أكثر في قدرة حواسي على استيعاب ما يدور حولي.

عند الكتابة عن هذا الكتاب لم أحتَج إلى الاستماع للمقطوعة الموسيقية التي تلهمني كل مرة عند الكتابة فتفصلني عن العالم الخارجي، حيث قامت رائحة العطر هذه المرة بتلك المهمة، وجعلتني أبقى كامنة في ثنايا الكتاب للمرة الثانية لأكتب، وربما كانت هذه أيضًا نقطة التقاء بيني وبين حنان التي شغلتها رائحة العطر التي تفوح من الشجرة، ورائحة المسك التي تفوح من مسبحتها الخشبية الصغيرة، ومحبة الله التي وصفتها بالعطر. فلنفسك العطرة، وروحك الخالدة السلام.