تصميم: يوسف أيمن- المنصة

أسيوط: كيف تغني المدينة الآن؟

يحتل الغناء مكانة كبيرة في الموروث الشعبي في محافظة أسيوط، نستطيع ملاحظة هذه المكانة في المواصلات العامة حيث نسمع الأغاني الشعبية والتي غالبًا لها طابع أوائل الألفينيات، يمكننا سماع أصوات انزوى بريقها مثل مصطفى كامل أو محمد فؤاد أو جواهر، لكن هناك فئة كبيرة من السائقين تفضل أغاني المنشدين في الأفراح. تسجَّل هذه الأغاني والتواشيح على "فلاشات" يتم تداولها للتسلي والتغني بها على الطريق، تستطيع سماع أصوات المعلِّق أيضًا على أداء الشيخ مهللًا بالصلاة على النبي.

الآن يتمتع الشيخ عيون، واسمه بالكامل عيون عامر أسد آل بركات، بشعبية كبيرة بين أبناء المحافظة في مختلف المراكز لأنه ابن البلد، ولم ينل شعبية كبيرة خارجها مثل الشيخ ياسين التهامي أو الشيخ أحمد التوني اللذان اُعتبرا ألمع اسمين في تاريخ الإنشاد الصوفي خارج وداخل القُطر، لكن الشيخ عيون مازال ابن البلد وحدها وأسدها المغني.

على شبكة الإنترنت تجد بعض حفلات الشيخ معنونة بـ"حفلة الشيخ عيون في الحوطا–ليلة الشيخ محمد العبيط"، أو ليلة حاج بدر ساموراي، في حفلات الشيخ يتجلى كل الحضور مع غناه، الرقص أقرب للحضرة الصوفية، يتمايل الرجال يمينًا ويسارًا ممسكين بالمطاوي والطبنجات وأحدهم يلف ثعبانًا حول رقبته، كلهم إيمان بالوصول إلى بوابات النعيم في حضرة الشيخ المغني.


كما تنتشر الطرق الصوفية في المحافظة، وتتباهى بانتماء المنشدين المشهورين لأسيوط ولها، وتعتبر الإنشاد جزءًا أساسيًا من الحضرة التي هدفها هو التطهير والسمو بالروح، وهذا المفهوم تتفق معه دراسة للفنان والموسيقار سليمان جميل ( 1924- 1994) نشرت في جريدة أخبار الأدب المصرية عام 2010، عن الإنشاد في الحضرة الصوفية وفقًا للطريقة الشاذلية، يشرح أن الحضرة هي نظام الذِكر الجماعي، وهي لذلك أهم التقاليد الروحية ممارسة في الطريقة الصوفية، أولًا، لأنها جماعية، وثانيًا لأنها ذِكر بحضور شيخ الطريقة الذي يكون له سطوة نفسية وروحية على المريدين.

وبخصوص القالب الموسيقي يوضح جميل في دراسته أن إلقاء الذاكرين إلقاء إيقاعي شبه منغَّم وأن ضغوطه الإيقاعية، القوية والضعيفة، نابعة من نُطق اللغة السليم الذي يراعي فيه ضبط خصائص الصوت والنبرات في الكلمات، لأن هذه الخصائص جوهرية في تحديد معني الأسماء والألفاظ القدسية التي تتكون منها نصوص الذِكر.

أما القسم الثاني في التكوين الموسيقي للحضرة فهو "الإنشاد"، والإنشاد عند الصوفي معناه أداء الشِعر، والمعني المقصود هنا هو أداء الشِعر بالنغم، وهكذا فإن إنشاد الشِعر الصوفي جماعيًا في الحضرة أو بالحوار بين المنشد المنفرد وجماعة المنشدين إنما يحتوي على عنصري الإيقاع والمقام الموسيقي، ومن هذين العنصرين تتكون ألحان الشعر الصوفي.

ويؤكد أن التكوين الموسيقي للحضرة الذي يشتمل على الذكر والإنشاد، يحتويه قالب موسيقي خاص تحدده الوظيفة الروحية للحضرة.

تنتشر في منطقة أسيوط أغاني زفة العرب وموسيقى الكف، وهو فن ارتجالي في معظمه، يتماهى فيه العازفون مع مزاج المغني الرئيسي الذي يسمى الكفاف.

بين جبلين

تبدو أسيوط كبلد قديم يقع بين جبلين ويحمله الرغبة المستمرة في الكلام المتواصل والتعبير بكل الطرق، أداته اللهجة الصعيدية، لها تموجات صوتية غنائية، حادة ومفخَّمة ورقيقة في الوقت نفسه، لها القدرة على إعمال وظيفة اللغة الأساسية وهي حَمل المعنى وإيصاله، ليس فقط بإطلاق الكلام ولكن أيضًا بتحريك حروفه، ليدل على المعنى بكل حدة ووضوح.

في زيارة للشاعر والباحث في التراث درويش الأسيوطي، في بيته بمدينة الأربعين على مشارف محافظة أسيوط، سألناه عن اللهجة الصعيدية وخصوصيتها التي تحملها في الغناء، فكان رأيه أن العامية المصرية ككل ذكية ولها دلالاتها المتعددة، وأنها مرنة لاستيعاب الكلمات التي توافق المزاج الشعبي، واتفق معنا على حيوية اللهجة الصعيدية ورقتها، مما يعطي لها حسًا عاطفيًا أو غنائيًا في نطقها، وأنها تستمد خصوصية موروثها الشعبي من انتمائها لمحافظات الوجه القبلي.

الصعيد يشكل وحدة تراثية متكاملة مقسمة إلى شريحتين، بحسب اﻷسيوطي، الأولى ممتدة من الفيوم، باستثناء بدو الفيوم، إلى قرى جنوب سوهاج، والثانية من جنوب سوهاج مرورًا بمحافظات قنا والأقصر وأسوان.


ورغم وجود كل ألوان الغناء الشعبي في شتى مناطق الصعيد إلا أن لكل منطقة فنون سائدة فمثلًا مناطق مثل أسوان وقبائل مثل العبابدة والبشارة متميزة بفن النميم، وهو نوع من المربعات الشعرية يتحد في القافية والوزن، له طقوس معينة ويعتمد على التفاعل بين شاعر شعبي ينشد مع الترنم أبياتًا معينة ويرد عليه شاعر آخر يلتقط منه نفس بناء الأغنية أو جملة محورية فيها ثم يزيد عليها بارتجالية، ثم يلتقطها آخر ويزيد عليها وهكذا حتى يأخذ كل رجل في الجلسة دوره في الغناء، ويسمى هذا الطقس بجلسات النميم.

بينما في منطقة الأقصر وقنا يتداول فن الواو، ومن أشهر ألوانه مربعات ابن عروس. يستمد فن الواو أهميته من كونه فنًا شفاهيًا، يتوارثه الشعراء عن الأسلاف كنمط تعبيري، ويجددون في طرائقه وأشكاله، مع الحفاظ على قالبه الفني. والمقولة المتداولة أن الواو ظهر في عصر المماليك والعثمانيين وكان يستخدمه الأهالي لهجاء الحكام بطريقة متوارية، ويقال إن هذا الفن ظهر على يد ابن عروس، الذي كان قاطعًا للطرق تاب على يد عروس جميلة وقع في غرامها عندما سطا على قافلة عرسها يومًا ما.

لكن هذه الرواية هناك من يشكك في صحتها، ومنهم الشاعر المصري الراحل عبد الرحمن الأبنودي في كتابه "ابن عروس ليس مصريًا وليس شاعرًا"، الذي قال فيه لم يكن ابن عروس التونسي شاعر مربعات، وإنما كان في النادر يردد القليل من مربعات سيدي عبدالرحمن المجذوب، مثله مثل معظم البشر من الفقراء في الشمال اﻷفريقي، ليس مصريًا وليس شاعرًا، ونظلم العبقرية الشعبية المصرية كثيرًا حين ننسب مربعات أهالينا الفقراء، وبعض متعلمي الريف والمدن الصعيدية، أيام كان التعليم نادرًا والمتعلمون قلة إلى شخصية وهمية من أجزاء خرافية لتصنع وهمًا ما زال البعض يصر على حقيقته.

من هذه المربعات: في سوق في جسمي شاغلني وفي زي ما انت طالب.. وناس تبكي وناس تغني مغلوب يضحك لغالب.

تنتشر في منطقة أسيوط أغاني زفة العرب وموسيقى الكف، وهو فن ارتجالي في معظمه، يتماهى فيه العازفون مع مزاج المغني الرئيسي الذي يسمى الكفاف، الذي يؤلف مطلعًا موزونًا شعريًا يسميه الخانة ثم ثم يأخذ مغني آخر هذا المطلع ويكمل مع فرقته ارتجاليًا، وأهمهم عازف العود والدف والناي. والجدير بالاهتمام أن الأهالي في الصعيد يحجزون قاعات الأفراح لإقامة ليالي الكف.


عادة ما ترتبط الأغاني الشعبية التراثية بالحرف اليدوية، وهو ما يميزها عن الغناء الشعبي الجماهيري كأغاني عدوية وغيره من المغنين المعروفين، وأخذ النوع الثاني سمة الشعبية لأنه يتوسل بالقبول لدى العامة باستعارة القوالب التراثية مثل الموال والتربيعة والنميم، وهو يهدف للربح عكس الفن الشعبي التراثي الذي يصاحب الإنسان في طقوسه، ولا يُنسب إلى فرد بعينه لكن ينتمي للجماعة الشعبية، بحسب درويش.

ويضيف صاحب جنايات الرواية والسطو والتأويل على الأغاني الشعبية في صعيد مصر أن ما يميز الفن الشعبي أنه ينتقل في المكان من إقليم لآخر، وفي الزمان من جيل لجيل، مرتبطًا بالييئة المحلية والجماعة الشعبية، علاوة على أنه إنساني غير عنصري وقابل للحذف، وبالإضافة لأن كل جماعة لها سماتها الخاصة سواء الفكرية أو اللغوية، تأخذ ما يتناسب معها وتضيف عليه أو تحذف آخر، فوظيفة التراث عمومًا والفن الشعبي خصوصًا هو تناقل الخبرات سواء في الحياة الاجتماعية أو العمل اليدوي.

الدكتور أحمد علي مرسي أستاذ التراث في كتابه مقدمة في الأغنية الشعبية تحدث كذلك عن تداول الأغنية التراثية شفاهيًا، التي وصفها بأنها من إبداع فرد في البداية لكن تناقلها ومرونة التغيير فيها جعل كل فرد يحركها لآخر، يضيف إليها ويحذف منها حسب أهوائه أو معتقداته أو حتى مزاجه الشخصي، بذلك فإن الأغنية التي أبدعها الفرد الأول دارت وسط الجماعة حتى غيَّرتها تمامًا، وأصبحت إبداعًا جماعيًا خالصًا، والفن الشعبي عمومًا والأغنية التراثية خاصة إن قبلتها الجماعة من الفرد فهي تعبر عنها، ففي هذا المجتمع الراعي بشموليته وأبويته لا مكان كبير لإبداع فردي خارج عن حدوده.

درويش اﻷسيوطي. الصورة: هدى عمران

دور حب طويل

عن دور المرأة في إبداع الفن الشفهي يقول الأسيوطي إنها الحامل الأساسي للتراث وخاصة فن الغناء، ففنون مثل العَديد وأغاني المهد والزفاف من اختصاص المرأة، ويضيف أن أهم الحكايات الشعبية في التراث من تأليف النساء. وحتى أغاني العمل التي ألفها الرجال شاركته فيها المرأة فهي غنّت لطحن الحبوب وجمع الغلة وغيرها، وبالمثل هناك أغانٍ خاصة بالرجال مثل الجمالة والحداء ومواويل الشادوف أو العود أو الطنبور.

أما أغاني الحياة الاجتماعية وخاصة مجالس السمر للتعبير عن العواطف، فيقول عنها الأسيوطي إن اللون المحبب لنقلها هو الموال بين الرجال، والغناء بين النساء الذي وصفه بأنه لا يعرف الخجل، فهو "وشه مكشوف" يصف مفاتن المرأة وعلاقة الحب بين المحبوبين، ويستخدم الألفاظ التي قد تعتبر عيبًا في الحياة اليومية.

خلف عبد الباسط، من مركز الفتح، كان لنا حظ لقاءه قبيل وفاته عن عمر ناهز الأربعة والسبعين سنة، حيث حكى لنا عن الأغاني المتداولة بين الرجال في الأفراح قديمًا وحديثًا، موضحًا أن الأفراح الآن تعتمد على نجوم الغناء في أسيوط والمنشدين، مثل يس التهامي والشيخ عيون وغيرهم، وأنهم في الماض لم يكن عندهم شكل الزفاف المتعارف عليه الآن، حيث كان الرجال يصطفون في صف طويل ويهللون في حب النبي والصلاة عليه، وكان يرأسهم شخص يرددون خلفه ويتمايلون على طريقة الحَضرة الصوفية.

خلف عبد الباسط في منزله. الصورة: هدى عمران

بعض الرجال كانوا يرتدون ملابس النساء ويمسكون شمسية ويدورون بها كأنها تنورة، وكان المتفرجون يحاولون الإمساك بالراقص، بحسب ما يتذكر عبد الباسط، الذي يحيلنا وصفه إلى طقوس كاملة للتنورة الصوفية التي أسسها جلال الدين الرومي، والتي كان لها مكانة كبيرة في الصعيد حتى إنها كانت الأساس لغناء الرجال في الزفاف، وأنهم كانوا يغنون لكل شيء، مستشهدًا بحكاية حسن ونعيمة الغنائية، وغيرها مما يطلق عليه اسم "دور حب طويل".

يرى درويش الأسيوطي أن التراجع طال الغناء الشعبي التراثي بسبب التغيرات الاجتماعية التي أدخلت تعديلات عليه، وضرب مثلًا بموكب العروس الذي كان يقام على الجمال وكان يمنح فرصة للمرأة أن تغني غناءً له رِتم هادئ وبطيئ، بعكس الآن، تستخدم الميكروباصات لنقل الفتيات للزفاف ويكون الغناء متسارع ومكثف.


اقرأ أيضًا: عن الشيخ أحمد برين: أن تسعى للوصل وتبصر المدد


غناء الحجاج هو الأكثر تأثرًا بالتطور الحالي، بحسب اﻷسيوطي، فبعد ركوب الجمال كان ركوب البحر ثم القطار والآن الطائرة، حيث تتخلص الجماعة الشعبية من كل الإبداعات المتعلقة بالمرحلة السابقة، التي لا تتناسب مع قيمها أو عاداتها الحالية.

ويضيف أن انتشار الجماعات السلفية المتشددة ساعد في تراجع هذا الفن وانقراض بعض ألوانه مثل العَديد، حيث حرمته الجماعات وأقنعت المرأة المصرية بذلك، فالعَديد إبداع شعبي كانت تبدعه النسوة للبكاء على أحبابهن، وهو فن قديم بدأ من مصر القديمة.


* درويش الأسيوطي، هو شاعر مصري من محافظة أسيوط ومؤلف لكتب في التراث الصعيدي، مثل أشكال العديد في صعيد مصر، وأفراح الصعيد الشعبية، وغناء الفلاحين في صعيد مصر، وغيرها.