تصميم: يوسف أيمن- المنصة

إحنا التكنولوجيا: تاريخ موجز لظهور المهرجان في مدينة السلام

أنشأ الرئيس الراحل أنور السادات مدينة السلام عام 1977، لكني دخلتها للمرة الأولى، طفلًا رضيعًا، في عام 1986.

في ذلك الوقت، كانت المدينة محط اهتمام وجذب للطبقة الوسطى لما تمثله من فرصة جيدة للاستثمار العقاري بعيد المدى، وسكن مثالي لحديثي الزواج ممن نشأوا في مصر الجديدة أو عاشوا فيه لفترة وجيزة واعتادوا تخطيطه المنظم، فالمدينة الجديدة التي نفذتها الحكومة، شوارعها واسعة جدًا، وتمتلك حدائق عامة، ومساحات خضراء واسعة، وإضافة إلى ذلك كله موقعًا حيويًا يقع بالقرب من كل المحاور الرئيسة آنذاك؛ طرق: الأوتوستراد، وصلاح سالم، وجسر السويس.

تاريخ موجز للمدينة الجديدة

لكن شيئًا جديدًا سيطرأ على المدينة، بعد 6 سنوات فقط من سكني فيها؛ كارثة طبيعية ستقلب خريطتها السكانية رأسًا على عقب، فبعد وقوع زلزال 1992، اضطرت الحكومة لنقل سكان أحياء كاملة للعيش في المدينة الجديدة، ينتمي أغلبهم لطبقة اجتماعية مختلفة، انطبقت عليهم العشش والبيوت المتهالكة التي كانوا يسكنوها بفعل الهزات الأرضية العنيفة، قبل أن يترفق بهم القدر ويمنحهم فرصة للانتقال إلى مكان أكثر أمان وآدمية.

وهكذا استيقظت المدينة فجأة لتجد أن طبقتين متباينتي الأفكار والثقافة والطموح تتشاركا العيش فيها، وهو التباين الذي ستُمكن أدواته الطبقة الأفقر من صناعة موسيقاها الخاصة، موسيقى المهرجانات التي سأكون شاهدًا على الإرهاصات الأولى لها.

أذكر حوارًا قصيرًا لمروان بابلو، يحكي فيه عن دراسته في مدرسة تجريبية، في الوقت الذي سكن فيه حيًا شعبيًا؛ كان بابلو في نظر زملائه بالمدرسة فتى من العشوائيات، وفي نظر جيرانه شابًا مرفهًا، "سيس" كما وصف نفسه، وكنت مثله أيضًا، رغم اختلاف مآلاتنا، فما سأرويه ربما يكون شديد التماثل مع قصة بابلو، وقصص معظم أبطال الموسيقى الشعبية التي تنتج عن تجاور طبقات اجتماعية متباينة، تتيح التكنولوجيا التي تستهلكها إحداها الفرصة للأخرى لصناعة موسيقى لم تكن موجودة من قبل، لا تسعى فقط للتعبير عن منتجيها ولكن لتحتل المساحة الفارغة في الغناء الشعبي المتراجع.

نحن نعيش عصر التكنولوجيا

تعرفت مبكرًا إلى التكنولوجيا بفضل صدفة انتمائي إلى الطبقة المتوسطة، لكنها كانت ضرورة لعالم الأعمال في داخل المدينة التي حافظت على قشرتها الغنية رغم تحولها الطبقي، فشاهدت دخول اللافتات الإعلانية الديجيتال بديلًا عن اللافتات اليدوية في عملية الدعاية، وهي عملية إحلال تمثل أولى خيوط التعرف على نشأة المهرجانات في تلك المدينة.

احتاج تنفيذ تلك اللافتات إلى دخول الكمبيوتر سوق العمل، ليفتح الاعتماد عليه بابًا لجيل من الشباب الطموح كي يشتغل بتلك الوظيفة المرتبطة بالتكنولوجيا، واتسعت نافذة برامج تحرير الصور، خلال سنوات قليلة تالية، لتشمل تنفيذ أول لافتات المهرجان، الذي لم يكن مرتبطًا كمفردة في بدايته بالموسيقى مباشرة، وإنما أشار معناه إلى ليلة ساهرة تتضمن عرسًا أو أعمال تنجيد فرش العروس أو حفل خطوبة أو الاحتفال بميلاد طفل جديد أو خروج مسجون، كل ليلة منذ ذلك الحين ستفقد اسمها لصالح عنوان أعم هو المهرجان، سيغطي على كل المفردات التي ستظهر لفترات قصيرة بين الحين والأخر، مثل "فرحة" التي كانت تستخدم للتدليل على العرس، فكان يكتب على دعواته "فرحة محمد أبو كبير" وليس فرح.

أذنٌ ترى

مغامرتي الأولى كانت سماعية، أعتذر عن الإحباط، فطالب ملتزم في المرحلة الإعدادية ما كان له أن يحضر فرحًا شعبيًا في الشارع ينتهي مع آذان الفجر وتقدم فيه الكحوليات والبانجو السائد في تلك الفترة، ولكن حكى لي صديق أن أخيه الأكبر حضر واحدًا. كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على ذلك العالم؛ يثير السماع خيالك ويضعك داخل متن الحكاية، فترى الأماكن بتفاصيلها كلها، وتشيد عليها عالمًا كاملًا، وهكذا كانت مغامرتي الأولى.

عرفتُ الأفراح الشعبية؛ راقصات بملابس كاشفة، وبيرة وبانجو لا ينتهيان، ورغم إغراء المشهد فإنه بدا لي ناقصًا بغياب صورة المطرب الشعبي عنه، صحيح أنني لم أبدِ اهتمامًا في البداية بالأغنية الشعبية، لكنني كنت مجبرًا على سماعها في تنقلاتي القصيرة بالميكروباص داخل المدينة، ومنه أحببت طارق الشيخ، لذلك أذهلني أن يشاهد أخو صديقي الأكبر طارق ذاته وهو يحيي تلك الليلة. كنت دومًا ما أتخيل نفسي غنيًا بما يكفي لأنتشله مما هو فيه وأعرفه إلى العالم، ذلك دور المنتج، الدور الذي سيصبح وظيفتي لسنوات طويلة بعد ذلك دون أن يقترن بالثراء بالطبع.

أحد الأفراح الشعبية في عام 2006- الصورة: أرشيفية لبابلو ماركس، فليكر، برخصة المشاع الإبداعي.

لم يخل فرحًا شعبيًا من مطرب حقيقي، لحم ودم، يحيي ليلته، وتلك مسألة فارقة، وكان الشيخ غائبًا عن الساحة لسنوات قضاها في السجن، بتهمة لا أعرفها، سمعت أنها قضية نصب؛ عندما يقترن الأمر بمطرب شعبي فإن الحقيقة مثل الشائعات حوله لا نهاية لهما. عاد الشيخ وأحيا تلك الليلة، وأصدر واحدًا من أجمل ألبوماته أجرح، الممتلئ بحزن حقيقي، وميلودراما ملحمية، وصوت قوي للغاية، قبل أن يعاود الاختفاء مرة ثانية، لكنه لم يختف وحده هذه المرة، وإنما اختفى زملاؤه جميعهم أيضًا.

في المرحلة الثانوية، وبعد حضور درس خصوصي ينتهي في الحادية عشر مساءً، تقاطع طريقي أثناء الذهاب لتصوير أوراقه مع فرح شعبي. كانت تجربة لا أذكر منها الآن سوى ومضات لراقصات ممتلئات شبة عاريات، وأنواع من الفاكهة الرديئة في أطباق بلاستيكية تم تغطيتها بأوراق الألومونيوم، لتضفي قيمة معدنية ما على أطباق كانت لتثير فضول نيوتين بينما يراها ترتفع بسهولة شديدة بواسطة الأطفال، رغم معدنها الوهمي.

في ذلك الفرح الذي لا أتذكر منه الكثير، رغم أهميته، لا يمكن أن أنسي الكيبورد، تلك الآلة المعجزة التي سمعتها تعيد توزيع كل الأغاني الشهيرة، القديمة منها والجديدة، فلم يكن مطرب الفرح معروفًا بما يكفي فاستعان بأغاني زملائه من الماضي والحاضر، ولعب الكيبورد دورًا في صبغ كل ما غناه المطرب منذ بداية الفرح وحتى نهايته التي لم أشهدها، بالإيقاع والنغمة نفسيهما تقريبًا، يصاحبهما ما يصدر عنه من صوت مزعج أضيف إليه مؤثر يزيد من إزعاجه، كانت موسيقاه تشبه تقريبًا إيقاع المهرجانات، وكان لاعب الكيبورد من ضمن الأغلى بين الفرقة، وكان موهوبًا بدرجة من الدرجات.

لسبب أجهله يبدو لاعبي الكيبورد جميعهم وكأنهم من عالم آخر غير عالم الأفراح، يرتدون ملابس أكثر التزامًا، لا تمنعهم من إضافة سلسلة ذهبية أو فضية إلى عنقهم، ويملكون شاربًا يتنوع في طوله أو شكله، يفوقون الجميع سنًا، أكثر تمردًا رغم سكونهم، ولا ترتفع أعينهم لرؤية الجمهور، فيما تنتقل طاقتهم الذهنية كلها إلى أطراف أصابعهم التي تلاعب الكيبورد فتنتج موسيقى عجيبة لم أسمعها من قبل، موسيقى لا يمكن أن تنفصل عن موسيقى المهرجانات التي ستظهر بعد سنوات قليلة.

ومنذ تلك اللحظة بدأ شغفي الفعلي بالأفراح، شغفًا لم أكن سأصل إليه بالسماع وحده، فصرت أبحث عن أي فرصة سانحة لحضورها، لكن أغلى تلك الفرص وأفضلها ستكون خارج القاهرة.

دي جي الأصدقاء

لا أعرف عدد الشركات الوهمية التي حملت اسم الأصدقاء، أذكر منها بالطبع تلك المنتجة لشرائط طارق الشيخ، لكن أهمهم بالنسبة لي كانت شركة صغيرة كونتها وأصدقائي في مدينة بور فؤاد، حيث كنت أقضي الصيف كله في ضيافة عائلة والدتي.

في تلك المدينة الصغيرة كونت صداقات لم تتضرر من اقتصارها على شهور الصيف فقط، وفي عام 1999، اكتشفت أن بعض أصدقائي يقضون عطلتهم الدراسية يجوبون كل أرجاء محافظة بورسعيد بعدة الدي جي، المكونة من كمبيوتر وسماعات ضخمة، لإحياء أعياد ميلاد وحفلات صغيرة.

كانت المجموعة التي تأسست قبل انضمامي إليها بثلاث سنوات، يديرها مراهق في السابعة عشر من عمره يعاني تعثرًا في مشواره التعليمي، فيما يضطلع أخوه الأصغر، الموهوب في تقليد الممثلين وإلقاء النكات، بتأدية فقرتها الترفيهية الوحيدة، التي كانت رائجة في نهايات الثمانينيات وبدايات التسعينيات، وكان الثنائي يجوب أرجاء المحافظة ما مكنهم من تكوين شبكة من العلاقات ساعدتهم بعد ذلك في اقتحام تلك المناسبات بأدوار جديدة.


اقرأ أيضًا: نظرة على أغاني المهرجانات والراب: أين ذهبت الضحية؟


كان الأخ الصغير القريب الشبه بإسماعيل ياسين، يستطيع تقليد معظم الفنانين القدامى، بأداء مبهر رغم سنه، حيث إنه لم يكن تجاوز الثالثة عشر، لكنه كان مصدر دخل ممتاز لعائلته، غير أن فقرته التي لم يكن يجيد غيرها سرعان ما خفت الطلب عليها، فقرر الأخ الأكبر تطوير فرقتهما الصغيرة بشراء جهاز كمبيوتر وسماعات كبيرة، ليبدأ معهما رحلته في أن يصبح دي جي، ولم يكن الأمر يحتاج بالإضافة لأداتيه الجديدتين سوى لبرنامج Winamp، الذي قدم واحدة من أشهر الخصائص في عالم الموسيقي في ذلك الوقت؛ القدرة على النقل ما بين أغنيتين وتخطي فترات الصمت في نهاية الأولى وبداية الثانية، كان من الممكن تحديد مدة التقاطع بين الأغنيتين ومن ثم تستمر الأغاني بتتابع سلس، وهو ما ساعد كثيرون في إحياء الحفلات والحصول على مئات الجنيهات في بداية الألفية الجديدة.

كنت مسلحًا بشغف كبير للتكنولوجيا، وأعرف الكمبيوتر الذي استخدمته للمرة الأولى في مدرستي عام 1995، الأمر الذي أهلني لأكون العضو الثالث في شركتنا الصغيرة بالمدينة الساحلية، وخلال شراكة قصيرة كانت تتجدد في الصيف، كنا ندور في أرجاء المحافظة، لنحيي أعياد الميلاد والاحتفال بتنجيد فرش العروس، وفي مرات قليلة جدًا؛ الأفراح.

ساعدت الأصدقاء في التعرف على موسيقى وبرامج تشغيل جديدة، فمن خلال الإنترنت في مدرستي نزَّلت العديد منها، وكان من بين ما نزَّلته برنامج مكساج حقيقي، يساعد على صنع تراكات موسيقية وإضافات الكثير من المؤثرات إليها، لكنني اكتشفت بعد أن بدأت التعرف على عالم الأفراح في الأعوام التالية، أنني لست الوحيد القادر على امتلاك تلك البرامج التي كانت قد انتشرت بالفعل وحقق كثيرون نجاحات كبيرة من خلالها.

أغلى ليال

تتجلى أزمات الطبقة الوسطى في طموحها إلى الرفاهية دون أن تملك كلفتها، لذلك كان الدي جي مثاليًا لتلك الطبقة وغيرها، كوسيلة اقتصادية لإحياء مناسباتها المختلفة، خصوصًا بعدما تحولت تلك المناسبات عند الطبقات الفقيرة إلى وسيلة للتكافل الاقتصادي.

تقدم الأفراح فرصة لجمع المال بطريقة تشبه الادخار في جيوب الغير، فكل نقوط ينفقه أحدهم في عرس غيره يدوَّن في كراس، ويرَد إليه عندما يحين عرسه، وهي التجربة التي أثبتت نجاحها لتتحول بعد ذلك إلى عملية قائمة بذاتها تقام من أجلها الليالي، وليس العكس.

تلك الزيادة المطردة في أعداد المناسبات الخاصة، أدت في الوقت نفسه لاختفاء المطربين من مشهدها، ليس لقلة أعدادهم مقارنة بتلك المناسبات، وإنما بسبب زيادة الطلب عليهم الذي دفعهم للمغالاة في أجورهم، فصار الحصول عليهم صعبًا، مما خلق فجوة كبيرة في السوق، فظهر الدي جي كحل مناسب لملء فراغها، مما أتاح الفرصة لمئات الشباب لخوض تلك التجربة: تجربة صناعة الموسيقى.

الدي جي أول كل شيء

أتذكر جيدًا محاولاتي الأولى مع برنامج Virtual DJ لإضافة أي صوت أو مؤثر على أغنية لفريق باك ستريت بويز، عانيت كثيرًا لأقدم أي شيء، لكنني نجحت بعد بضعة أسابيع من المحاولات في صناعة تراكي الأول، لم تتجاوز مدته العشرين ثانية، وكان مجرد تتابع لبعض المؤثرات الصوتية والآلات الإليكترونية، لكنه صنع انطباعًا جيدًا لدى الأخوين في بورسعيد، وصارت تلك الثواني العشرين افتتاحياتنا في أي ليلة نحييها، كان ذلك قبل أن يتحول افتتاح الليالي بالقرآن أو الأغاني الدينية إلى عادة.

انتشر البرنامج وظهرت بعده برامج أكثر تطورًا منه في الأحياء والمحافظات المختلفة، لكن الوضع في مدينة السلام كان أكثر اختلافًا عنه في أي منطقة أخرى.

احتفظت المدينة بشيء من الشعور بالأفضلية عن غيرها من المناطق الشعبية الأخرى، حيث إن تخطيطها المنظم وشوارعها الواسعة، أنمى داخل القادمين من الأحياء الأفقر رغبة في الارتقاء الطبقي، وكان ذلك سببًا لانتشار الدي جي في الأفراح أكثر وأكثر، لكنني لم أنضم لموجة الدي جي في السلام، واكتفيت بمغامرتي في بورفؤاد، فهناك كانت القيود العائلية أخف وطأة، وكان مسموحًا لي بالسهر وحرية التنقل، فنحن نصيف في النهاية، لذلك اكتفيت في السلام بالمشاهدة.

أقدم الشباب من الطبقة التي أنتمى إليها، في مناطق متفرقة من المدينة، على اقتحام ذلك العالم، متسلحين بما استعنت به في مغامرتي السابقة في بورفؤاد؛ التكنولوجيا، كمبيوتر، وسماعات، وطموح لجمع مال كاف للهروب من الوضع الحالي.

كان من السهل إدراك التطور التكنولوجي الذي صارت إليه المدينة من مراقبة الزيادة المطردة في أعداد مراكز صيانة الحاسب الألي، فالأهالي القادرين على شراء الكمبيوتر من بقايا الطبقة الوسطى، كانوا في حاجة لمن يساعدهم في تجميعه وصيانته بعد ذلك، وفي المقابل ساهمت الحاجة في تطوير أجهزتهم القديمة إلى خلق سوق ممتازة للمستعمل والقديم مكنت الطبقات الأفقر أيضًا من تشارك التكنولوجيا الجديدة، ومع دخول الإنترنت ظهرت السايبرات على نطاقات أوسع، أعرف ذلك لأني تمردت في أحد السنوات على مصيف بورفؤاد وبقيت في المدينة أعمل في واحد من منها.

تحية طائرة

ظلت محاولتي الأولى في عالم إحياء الحفلات مقتصرة على تراك بسيط وقصير صنعته بمساعدة برنامج، ولم أقدم أبدًا على تسجيل صوتي مثلما فعل غيري من زملاء المهنة الذين أضافوا أصواتهم بتدرجات مختلفة إلى ما ينتجوه من تراكات، ظهرت في الأول كتحيات مجردة موجهة إلى ضيوف كل فرح من أعلام المنطقة والمناطق الأخرى، أشبه بدور النبطشي في الأفراح؛ أتذكر ثلاثة من الأصدقاء، كانوا في غاية الحماس، بينما يعملون على إنتاج دَخلة لفرح صديقهم، وقت أن كانت المهرجانات تحمل اسم فرحة، صمموا بطاقة الدعوة تحمل صورة صاحبهم وهم متحلقون حوله، قبل أن يسجلوا بأصواتهم تحية الفرح، ربما صار الثلاثة الآن من نجوم المهرجانات، لكنني لا أتذكر وجوهم، ما أذكره فقط هي سعادتهم وحماسهم والجنيهات الثلاثة مقابل الساعة التي قضوها يعملون في السايبر الذي اشتغلت به.

كان النبطشي في حد ذاته تطورًا مختلفًا داخل الأفراح الشعبية، ظهر في البداية كوسيلة لملء الفجوة التي صنعها غياب المطربين الشعبيين، دون أن يحتل مكانهم، ودون أن يستغني في الوقت نفسه عن مصاحبة الدي جي أو الموسيقى، ولم تسع التكنولوجيا لإزاحته بالأساس، ولكنها تمثلت دوره فيما كان ينتج من تراكات قصيرة للتحيات يتم تداولها بين الأصدقاء في لياليهم المختلفة، ثم تطورت فصارت بصمة وعلامة للفرح نفسه، قبل أن تنتج انفجارًا أكبر في شكل أغاني تحولت بعد ذلك إلى الصورة التي نعرفها الآن عن المهرجان.

ميكروفون لكل واحد

في عام 2007 جمعتني الصدفة بعدد من الأصدقاء لإطلاق واحدة من أولى محطات الراديو على الإنترنت، حملت اسم تيت راديو؛ قال صديقنا المنزوي في ركن من الغرفة، بينما نحن في حالة من العصف الذهني، "تيت، الراديو هيبقي اسمه تيت، كل حاجة بنتمنع إننا نقولها وبيتحط عليها تيت في حياتنا هنتكلم عنها"، لم يسع صديقنا لإلقاء خطبة عصماء، وإنما خرجت كلماته حقيقية لتعبر عما كان يدفعنا فعلًا للعمل.

أنا شخص منظم يجعله الحماس أكثر ابتكارًا، ومنتشيًا بالفكرة انطلقت فورًا أبحث عما نحتاجه لنبني استوديو في الشقة التي نسكنها بوسط المدينة؛ أحضرت عدة أمتار من إسفنج خاص من مصنع في مدينة العبور، وغراء محلية الصنع كانت تسمى الشعلة الإيطالية، وهو الاسم الذي أطلقناه لاحقًا على الاستوديو تيمنًا بها.

غير أننا لم نكن قادرين على تحمل أسعار أجهزة تسجيل وبث احترافية، فحاولت الاستفادة من خبرتي التكنولوجية القديمة، واشتريت كارت صوت مستعمل لكن احترافي بمبلغ ضخم في ذلك الوقت هو 400 جنيه، وجمَّعت جهاز الكمبيوتر، ثم انطلقت في رحلة أخيرة للبحث عن ميكرفون مناسب، ساعدني في اختياره مهندس صوت يعمل في إذاعة بي بي سي، كانت معدات الصوت موجودة في وسط المدينة بشكل يكاد يكون حصريًا، عبر مجموعة من المحال تحتل الشارع نفسه تقريبًا، واشتريناه بـ1200 جنيه، ثم بدأنا التسجيل والعمل لعامين قبل أن ينتهي المشروع.

وفي عام 2010، قبل أشهر قليلة من الثورة، كنت في ميدان العتبة أتجول بين المحال المختلفة، لأكتشف ساعتها أن الميكروفونات لم تعد حكرًا على محلات باب اللوق، وأنها قد وجدت طريقها لسوق العتبة؛ وجودها هنا يعني شيئًا واحدًا، لقد أصبحت سلعة متاحة للجميع بأسعار زهيدة تبدأ من 200 جنيه وحتى 600 جنيه، صحيح أن جودتها أقل بكثير، لكن وفرتها بهذه الصورة تعني أن ثمة شيء على وشك التغير.

من يشتري تلك الميكروفونات لم يكن يسعى لإنشاء محطة راديو، يتناول عبر برامجها الأحداث السياسية والتابوهات والمشاكل المجتمعية وما يطمح الشباب لإدراكه، لكنه كان يسعى للتعبير بصوته، ليس عبر المقاطع قصيرة المدة سهلة التنفيذ، ولكن عبر أغان ستسود البلاد خلال سنوات قليلة تالية.

اتسعت رقعة اللعب، ولم يعد هدف المنتجين إضافة بعض المؤثرات الصوتية لموسيقاهم، ولكن تسجيل أغاني كاملة في استديوهات ربما لم تخصص لذلك الغرض من الأساس، بيد أن كلفتها كانت مناسبة بما يكفي لهم، وتسارعت وتيرة العمل، وخرجت المهرجانات من حي إلى آخر، ومن بيئات ثقافية مختلفة، إلى السطح كتجربة متكاملة.

لم أعد أبحث عن المهرجانات كما اعتدت في الماضي، فالظاهرة تكشفت ولم يعد ثمة غموض فيها يغري بتتبعه، وكما ظهرت في السلام ظهرت في عين شمس والمطرية ومن قبلهما في الإسكندرية؛ لكن أبرز ما استنبطته من تلك التجربة التي اكتملت مع الثورة، أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي سبقت25 يناير ومهدت لاندلاعها، فعلت الأمر نفسه تجاه موسيقى المهرجانات التي خرجت من رحم المجتمعات الأكثر فقرًا، على أيدي شباب يتطلع لحياة أفضل، في شوارع أكثر رحابة، ساعدتهم التكنولوجيا والتقارب بين الطبقات في بلورة تجربتهم. كان ظهورهم ضرورة لملء الفراغ الذي خلفه غياب الأغنية الشعبية، وما يزالون يملئون الفراغات التي تتسع في الموسيقى وصنعتها سنين من التجريف الاقتصادي للطبقة الوسطى، جعل الترفيه حكرًا على الطبقات الأعلى.