تصميم: يوسف أيمن- المنصة

من الطبيعة إلى السياسة وحتى الفقر: لماذا تهيمن دول على رياضات بعينها؟

في بلدان بعينها تجد ألعابًا أشهر من غيرها؛ في كوبا هناك الملاكمة، ليست مجرد لعبة بل هوية ورمز في وقت ما لثورة كاسترو وعزة الشعب ضد أمريكا، وفي الكاريبي أيضًا تشتهر جامايكا بأسرع النساء والرجال في العالم، أما الصين فيهيمن أبطالها على مسابقات تنس الطاولة، وفي شرق أفريقيا يولد أبطال المسافات الطويلة والماراثونات.

تتنوع أسباب ذلك. أحيانًا تلعب الجغرافيا دورًا في طبيعة وقدرات أهل البلد الجسمانية، وأحيانًا تشابك السياسي يؤثر، وفي مرات ثالثة تقدم الظروف الاجتماعية إسهامها في هذه الظاهرة. في السطور التالية نحاول البحث قليلًا عن سبب تفوق بلاد معينة في ألعاب بعينها.

كوبا: رخاء الوطن أو الموت

"المجد للرياضة التي تخدم علم وثقافة وصحة وسعادة أمتنا. إما رخاء الوطن أو الموت. سننتصر". الكلمات السابقة كانت على لسان الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو خلال أحد المؤتمرات التكريمية لأبطال الملاكمة.

الملاكمة من اللعبات الشعبية في كوبا؛ فالجزيرة الواقعة في البحر الكاريبي والبالغ عدد سكانها أكثر من 11 مليون نسمة توجت بـ 73 ميدالية في هذه اللعبة، 37 ذهبية و19 فضية و17 برونزية، على مدار تاريخها بالأولمبياد، وهي أكثر رياضة منحت كوبا ميداليات أولمبية.

قصة الملاكمة في كوبا تنقسم لجزئين؛ فاللعبة انتشرت في بدايات القرن العشرين وكانت بمثابة فرصة عمل يحسِّن بها الملاكم ظروفه المعيشية الصعبة خاصة أنها لا تتطلب معدات خاصة أو كثيرة للتمرن عليها.

اشتهر الملاكم إليجيو سارديناس في الثلاثينيات ولُقب بـ "فتى الشوكولاتة" وكانت مبارياته تعج بالجمهور.


إحدى مباريات فتى الشوكولاتة


أما هيراردو "جيراردو" جونزاليس المدعو بـ "كيد جافيلان" المتوج بحزام بطولة العالم والذي نال شهرة واسعة هو الآخر بسبب أسلوبه الذي اكتسبه من عمله بالمنجل في قطع قصب السكر.

بعد نجاح الثورة الكوبية 1959 بانتصار رجال فيدل كاسترو بدأ الرجل يولي اهتمامًا نحو اللعبة المشهورة في بلاده؛ نظم بطولة للعالم "للهواة" والوصف سيكون مؤثرًا في اللعبة فيما بعد، حضرها بنفسه وعجت بالحضور الجماهيري.

في أولمبياد المكسيك سنة 1968 انطلقت شرارة الميداليات الكوبية في الملاكمة؛ إنريكي روجيفيروس ورولاندو جاربي توجا بفضيتين.

وفي ميونخ 1972 بات أورلاندو مارتينيز أول المتوجين بالذهب الأولمبي في تاريخ الملاكمة الكوبية وبعده بساعات توج تيوفيلو ستيفينسون بميداليته الذهبية الأولى بعد انسحاب منافسه الروماني.

حقق تيوفيلو ميداليتين ذهبيتين في الدورتين التاليتين ليصبح بطلًا لكوبا لعدة أسباب؛ كل فوز لتيوفيلو كان يصحبه وجود كاسترو الذي كان دائم الثناء على بطل كوبا القومي ستيفينسون الذي رفض عروض الأمريكان لاحتراف الملاكمة، وأصر على اللعب هاوٍ مرددًا "كم يساوى مليون دولار أمام 8 ملايين كوبي يحبونني؟".

كلمات شدد عليها كاسترو الذي وصفه بابن أمة كوبا، التي لم يبدلها بدولارات العالم.

استعان الكوبيون بالسوفييت حلفاء كاسترو لتطوير الملاكمة لكنهم رغم تأثيرهم ظل الأسلوب الكوبي "الخفة والسرعة" في الأداء محتفظًا برونقه.

لكوبا أسلوب مختلف في الملاكمة يشبهه البعض بـ "الرقص" ويرجعون الفضل فيه إلى المدرب ألسيداس كارون الذي يطلقون عليه أبو الملاكمة.

تيوفيلو ستيفنسون. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

استفاد الكوبيون من انسحاب الولايات المتحدة من أولمبياد موسكو 1980 بعد الغزو الروسي لأفغانستان، فحصدوا ميداليات أكثر لكن السياسة حرمت ستيفنسون من التتويج في الدورة الرابعة على التوالي لأن بلاده انسحبت من الدورتين التاليتين لوس أنجيلوس 1984 وسيول 1988 بسبب السياسة أيضًا.

حلم تيوفيلو انتهى؛ حتى مباراة القرن مع محمد علي كلاي لم تتم لأن الملاكم الكوبي أصر على لعبها بنظام الهواة وليس المحترفين.

عادت كوبا لأولمبياد برشلونة 92 وحصدت 7 ذهبيات وفضيتين في الملاكمة وفشلت فقط في بكين 2008 في حصد الذهب لأول مرة منذ ميونخ 1972.

وفي 2012 قبل أولمبياد لندن توفي تيوفيلو صاحب القبضة اليمنى القاضية إثر أزمة قلبية ليودعه أبناء بلده في جنازة مهيبة.

جامايكا: أسرع من الريح

إلى الجنوب من كوبا حيث تقع جامايكا الجزيرة الساحلية بالنسبة لمحبي الرياضة "بلد السرعة"؛ كيف لا وهي البلد المتوج بـ 15 ميدالية من أصل 24 في آخر دورتين أولمبيتين في سباقي العدو 100 و200 متر.

الاسم الذي سيخطر على بالك بمجرد رؤية العَلم ربما يوسين بولت أسرع رجل في العالم بزمن قدره 9.58 ثانية في سباق 100 متر في بطولة العالم 2009، وهو صاحب أفضل رقم أولمبي حينما سجل 9.63 ثانية في لندن 2012، وهو أيضًا أول شخص يتوج بثلاث ذهبيات في دورات مختلفة في العدو، لكن بلاده أيضًا بها ثلاثة من بين أسرع أربعة رجال في العالم.

يوسين بولت محطمًا الرقم الأولمبي لسباق 100 متر. لندن 2012. صورة برخصة المشاع الإبداعي: Hilts uk- فليكر

نادرًا ما ترى منصات التتويج في أي مضمار لألعاب القوى في دورة أولمبية دون عَلم جامايكا، البلد البالغ تعداده يقترب من ثلاثة ملايين نسمة يهيمن على هذا الرياضة؛ سباقات العدو في المسافات القصيرة.

قدرات شعب جامايكا استدعت الدراسة ففي كتاب جين الرياضة كتب دافيد إيبستين نقلًا عن العالم يانيس بيتسيلاديس الذي درس حالة شعب جامايكا ولماذا هم أسرع بشر على وجه الأرض مرجعًا السبب لاكتشاف المواهب مبكرًا هناك.

منذ بكين 2008 أنهى بولت وزملاؤه هيمنة الأمريكيين على سباق 100 متر، الذين يدرسون بجدية سر تفوق جامايكا على أمريكا التي يتجاوز عدد سكانها الـ 300 مليون نسمة.

بعض الدراسات الأخرى تُرجع سرعة الجمايكيين للجينات كون أجدادهم قدموا من غرب أفريقيا، إذ يعتقد بعض العلماء أن جيناتهم تجعلهم شديدو السرعة. وفي دراسة أجريت في 2010 أرجعت سرعة أبناء جامايكا لوجود جينات تسهل تدفق الأكسجين في العضلات.

لكن الرواية يدحضها البعض فبعض الأمريكيين أتى جدودهم من غرب أفريقيا وليسوا بمهارة الجامايكيين. كما أن الأمريكيين لديهم رفاهية لعب أكثر من لعبة، لكن جامايكا شعبها موجه بالأكثر نحو ألعاب القوى.

أشار مدربو بولت إلى نقطة مهمة لسبب سرعته منها التمرن ليلًا وعلى العشب، أما يوسين نفسه فيرى أن معظم أبطال جامايكا فينحدروا من مناطق منحدرات جبلية وهذا العامل ساعدهم كثيرًا على زيادة سرعتهم.

يعتقد بولت أن العدو جزء من ثقافة بلاده؛ العداؤون هم النجوم في جزيرته وليس لاعبي كرة القدم كباقي الدول. مسابقات المدارس تُعرَض على شاشات التلفزيون؛ بل إن يوسي يعتقد أنه يتفوق على مواطنه بويل لأن لديه خبرة في مسابقات المدارس التي لم يلعب فيها بويل.

أباطرة النفس الطويل

إن تركنا جامايكا فسنذهب بعيدًا، لكن لموضوع مشابه وهو براعة دول شرق أفريقيا في العدو ولكن لمسافات طويلة.

في آخر ثلاث دورات أولمبية سيطر عداؤو كينيا وإثيوبيا على ثلثي الميداليات الذهبية.

الكاتب أدهاراناند فين مؤلف كتاب الركض مع الكينيين قضى ستة أشهر في البلد الأفريقي ليكشف ما وراء تفوقهم، الذي لم يكن سرًا على حد وصفه، فالفقر والإجبار على السير دون حذاء يجعل القدم تتكيف مع الأرض التي تسير عليها.

نظرية أدهاراناند ربما يعززها فوز الإثيوبي آبيبي بيكيلا بذهبية أولمبياد روما 1960 وهو حافي القدمين.

آبيبي بيكيلا يعبر خط النهاية حافي القدمين. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

لكن الفقر والصراعات الداخلية في القارة السمراء ربما دفع بعض العدائين إلى التجنيس بجنسيات دول أخرى خاصة دول الخليج التي منحتهم حتى أسماء عربية وأشهر مثال للعداءة الإثيوبية زينيبيتش تولا التي صار اسمها مريم يوسف جمال، ومنحت البحرين أول ميدالية أولمبية في تاريخ البلاد بعد فوزها ببرونزية سباق 1500 متر في لندن 2012.

دول الخليج ليست وحدها من استفادت من خبرات عدائي أفريقيا فالبطل الأولمبي البريطاني محمد فرح الذي يحمل لقب "السير" أصوله صومالية، لكنه هرب مع عائلته وهو صغير بسبب الحرب الأهلية.

نعود للكاتب أدهاراناند فين المهتم بسباقات الجري الذي يقول إن الناس في كينيا تركض طوال الوقت خاصة الأطفال دون أحذية في طرقات غير ممهدة في رحلتهم المدرسية كل يوم.

كما أن مراكز التدريب في كينيا وإثيوبيا تقع في أماكن تقل فيها نسبة الأكسجين، ما يجعل التدريب أصعب وهي ميزة يستفيد منها العدائين في السباقات فيما بعد.

منذ 1991 وبطل ماراثون بوسطن إما كيني أو إثيوبي.

أما البطل الكيني إيلود كيبشوج فلديه رقم قياسي ويعد أعظم العدائين فهو أول شخص يقطع ماراثون 26.2 ميل في أقل من ساعتين تحديدًا 1:59:40.

وفي بحث لجلوبال سبرت إنستيتتوت وجد أن من بين الأسباب أن نحافة سيقان الكينيين ربما تمنحهم حافزًا في السباقات فسيقانهم أنحف بمقدار 400 جم عن منافسيهم الأوروبيين. كما شدد على تأثير تدريب العدائين في أماكن تصل إلى قرابة 1500 متر فوق مستوى سطح البحر .

دبلوماسية البينج بونج

وتنتشر في ربوع الصين، أمة المليار و400 مليون نسمة، طاولات لعبة تنس الطاولة أو البينج بونج.

اللعبة التي طُورت في العصر الفيكتوري في نهاية القرن التاسع عشر على يد أثرياء إنجلترا الذين رغبوا في ممارسة لعبة بعد العشاء مستخدمين ما وجدوه من أدوات حولهم. ويُعتَقد أن رجلًا إنجليزيًا منحها اسمها بينج بونج، وهو صوت ارتطام الكرة بالمضرب وسح الطاولة.

يحظى البينج بونج باهتمام وهيمنة من الصين التي تُوجت بـ 53 ميدالية أولمبية في تنس الطاولة، 28 ذهبية، و17 فضية، و8 برونزيات، منذ إدراج اللعبة في الأولمبياد في سيول 1988. لتبعد كثيرًا عن أقرب منافسيها في اللعبة، كوريا الجنوبية التي توجت بـ 18 ميدالية.

وفقًا لفيلم تسجيلي أعدته اللجنة الأولمبية الدولية فإن 300 مليون شخص في الصين يلعبون تنس الطاولة، بينهم 80 مليون لاعب ناشط حاليًا كما أن ثلث عدد لاعبي الطاولة في العالم من الصين.

كما أظهرت دراسة في سنة 2000 أن 61% من الابتكارات في اللعبة من أساليب وتكتيك منبعها الصين.

لكن ما سر تفوق الصين في البينج بونج؟

يرجع البعض تفوق الصين في اللعبة إلى عدد السكان الكبير الذي يمكّنهم من السيطرة عليها لكنه ليس سببًا كافيًا، فكما تهتم جامايكا وتقيم البطولات لاكتشاف المواهب في ألعاب القوى منذ الصغر تنظم العاصمة بكين بطولة لتنس الطاولة مدتها سنة كاملة اسمها هارموني كامب عدد اللاعبين فيها 2.8 مليون لاعب، ليس هذا فقط بل إن الصين أنشئت جامعة لتنمية وتطوير الموهوبين في اللعبة هي "جامعة الصين لكرة الطاولة في شنغهاي وهي الجامعة الوحيدة في العالم لتنس الطاولة.

اللاعب الصيني ما لين في قبل نهائي بطولة العالم 2013

للبلد الآسيوي تاريخ عريق في اللعبة التي بدأت عندهم في 1952، ومنذ أول ميدالية حققوها في 1959 في اللعبة توجوا بـ 230 ميدالية ذهبية في البطولات العالمية.

يعتقد ين شينج، الرئيس السابق للاتحاد الدولي والصيني لتنس الطاولة، أن براعة بلاده في اللعبة ربما تعود لاهتمامهم بها منذ بداية النهوض وتأسيس الدولة.

الدعم كان رئاسيًا، فمؤسس الدولة الصينية ماو تسي تونج أعلن تنس الطاولة لعبة الصين الشعبية في الخمسينيات من القرن الماضي.

بالنسبة للبعض سن الصين لقانون تحديد الإنجاب بطفل واحد فتح الباب أمام الاهتمام بصحة الأبناء لتقدم الرياضة وتنس الطاولة فرصًا جيدة لذلك.

في دورة ريو دي جانيرو 2016 كان 44 لاعبًا من المشاركين من مواليد الصين، وإن مثّل ستة فقط منهم الصين في منافسات تنس الطاولة، بينما لعب الباقون لصالح دول أخرى.

تبرع أيضًا اليابان في لعبة الجودو ودول البلقان في كرة الماء حد ارتداء جمهور كرواتيا في مباريات كرة القدم على رأسهم ما يرتديها اللاعبون في كرة الماء.

أما روسيا أو الاتحاد السوفييتي سابقًا فهم ملوك ساحات الجمباز، وكل له أسبابه كالدول التي ذكرناها ربما بسبب طبيعة المكان أو لبزوغ نجم أو تقاليد كل دولة، لكنها في النهاية تقود لنتيجة واحدة هي تفوق بلدان بعينها في لعبة وربما هيمنتها عليها ليصبح جزءًا عاديًا من ذاكرتنا البصرية صعود أبطالها على منصات التتويج كل أولمبياد أو بطولة عالم.