صورة من وثائقي "BBC"

"السماء تمطر سمكًا".. ورطة متجددة لمواقع الأخبار

"السماء تمطر سمكًا في أستراليا"، شاهد "السماء تمطر سمكًا مرة أخرى في هندوراس"، "السماء تمطر سمكا في الصين"وأيضًا "السماء تمطر سمك وجمري في سيريلانكا". بهذه العناوين الجذابة تطالعنا المواقع الإخبارية كل فترة، منذ عشرة أعوام أو أكثر، عن تساقط السمك، وربما الجمبري أحيانًا، من السماء في مدن عديدة. ودائمًا ما تصاحب الخبر فيديوهات وصور لتأكيد حدوث الواقعة.

الصور التي تُظهر أسماكًا متجمعة على جانبي الطريق، أو تصوِّر لحظة تساقط أسماك من السماء، وتدافع الناس لجنيها، تتسابق على نشرها مواقع إخبارية عديدة، بينها مواقع ذائعة الصيت في العالم العربي. كما تسارع لنشرها مواقع تابعة لصحف معروفة ببثها للشائعات مثل الدايلي ميل بالإضافة للعديد من المنتديات الأجنبية والعربية. وتأتي الخطوة التالية بتلقُّف شبكات التواصل الاجتماعي لتلك الأخبار وتداولها من خلال صفحات تلك المواقع الإخبارية التي تستخدم لجذب الجمهور جملتها الشهيرة: "شاهد الآن بالصور والفيديو...".


إنها تمطر قططًا وكلابًا، وخفافيش وضفادع أيضًا!

في لحظة الذروة التي يتبعها تحول في سلوك شخصيات فيلم ماجنوليا Magnolia للمخرج بول توماس أندرسن، تمطر السماء فجأة ضفادع حية وميتة، تتراحم فوق رؤوس شخوص الفيلم. يستدعي أندرسون في هذا المشهد واحدة من اللعنات العشر التي ضرب الله بها المصريين عندما رفضوا خروج النبي موسى وأتبعه من بني إسرائيل من مصر، عندها فاضت شوارع مصر بالضفادع، وفقًا لسفر الخروج في العهد القديم. وكذا كان المشهد في الفيم إشارة لخروج الشخصيات الرئيسة من أسر الآباء بعدما ضربت اللعنة مدينتهم.


لا يبتعد المعنى الذي استدعاه المخرج المتميز عن النظرة الشائعة لدى الصحف والقنوات التي تتناول أخبار سقوط الأسماك من السماء باعتبارها معجزة أو لعنة، لتنبيه المؤمنين ومعاقبة غير المؤمنين. كما جاء في الفيديو الذي بثته إحدى القنوات الدينية الإسلامية.

الأسماك والصفادع لم يكونا وحدهما، هما الكائنات التي ألصقتها المواقع الإخبارية بظاهرة التساقط "الحيواني" من السماء. حيث سجل المركز الأمريكي للتنبوء بالأعاصير ظاهرة تساقط خفافيش عقب هبوب عاصفة شديدة عام 2006 في ولاية تكساس الأمريكية. وأرجع المركز السبب إلى وجود كهوف عديدة في جنوب تكساس تحوي آلاف الخفافيش، ورجَّح أنه أثناء هجرتها الموسمية الاعتيادية حدثت عاصفة رعدية مفاجئة ما أصابها بذعر جعلها تغزو مساكن المدينة.

وغير الجذور التوراتية، توجد جذور لغوية في اللغة الإنجليزية تدعم انتشار الأخبار المرتبطة بتساقط الحيوانات من السماء، ففي الإنجليزية تعبير شائع يقول "إنها تمطر كلابًا وقطط" It's raining cats and dogs. ووفقًا لأحد المواقع المهتمة بتوثيق أصول الأمثال الإنجليزية الشائعة، فإن جذور هذا التعبير تعود لأسطورة سلتية قديمة ترتبط بالإله السلتي "أودين" أقدم آلهة الشمال.

ولكن هل حقًا تُمطر السماء أسماكًا؟

أكثر مقاطع الفيديو التي استندت إليها المواقع الإخبارية في تناول مثل تلك الأخبار؛ كان مقطع فيديو من سلسلة وثائقية أنتجها هيئة الإذاعة البريطانية "BBC" بدءً من عام 1977، وحملت عنوان "Super Natural" وهى سلسلة من ست حلقات تتناول الظواهر غير الطبيعية المنتشرة عبر العالم، وتبحث عن تفسير علمي بحت لتلك الظواهر، وعن ما إذا كانت تلك الظواهر حقيقية، أو مجرد أسطورة شائعة ورثتها البلدان عن الحضارات السابقة. ومن بينها حلقة عن تساقط الاسماك من السماء يعود تاريخها لعام 1999،


الفيديو المتداول والذي حذف ناشره عبر يوتيوب صوت الراوي الأصلي من وثائقي "BBC" واستبداله بموسيقى، يتم تداوله الآن عبر المواقع الإخبارية مصحوبًا بوصف للمشاهد حول تفسير الظاهرة.

من الفيديوهات التي أنتجتها وسائل إعلامية وحاولت تحري الدقة والبحث عن تفسير، كان التقرير الذي بثه موقع تليفزيون "الآن" اللبناني، والذي فسّر فيديو BBC بأن هناك "إعصارا يدخل على النهر، فيسحب معه كمية من الأسماك ثم تستقر في السماء داخل السحب، إلى أن تتجمد الأسماك. وعندما تمطر السماء على بلد معينة ينزل المطر فيها ومعه الأسماك الغزيرة".

ولكن الراوي على وثائقي "بي بي سي"في الفيديو الأصلي يروي قصة أخرى حول خرافة "تساقط الأسماك من السماء التي يعود تاريخها إلى قرون عديدة". مشاهد الفيلم الوثائقي تروي قصص عبر مشاهد تمثيلية لم يتم تداوله وليس بالضرورة مشاهد حقيقة. فيديو "بي بي سي" يتم إدراجه في معظم الأخبار التي تتناول سقوط الأسماك من السماء. إلى جانب صور عديدة بجانبه ليكتمل بنية الخبر التي تجعله جذابًا لجب المزيد من "الترافيك".

ولكن ماذا عن الصور؟!

جانب من الصور التي يتم تداولها 

على مدار السنة الماضية تنوعت الصور التي انتقتها المواقع المختلفة لتنشرها مع رواية "إنها تمطر سمك من السماء". معظم هذه الصور حقيقية، لكن ظروف إلتقاطها، تختلف بالطبع عن الرواية المزعومة حول سقوط سمك وجمبري من السماء.

أشهر الصور المتداولة والتي يمكن الاطلاع عليها بمجرد البحث المبسط عبر محرك البحث "جوجل"، تعود تلك الصور إلى حادث فتح الباب الخلفي لشاحنة محملة بأطنان من الأسماك، أثناء سيرها على طريق سريع في مقاطعة "جويزهو" الصينية عام 2015.

رواية عمرها قرون عديدة

على الرغم من أن المراجع العلمية دائما ما تحوي تعليقات تُضعف رواية هطول الأسماك والضفادع من السماء؛ إلا أن مجلة "ناتشرال هيستوري ماجزين" المعنية بالبحث عن تأريخ الظواهر الطبيعيةK وثّقت أول حديث عن هطول الأسماك من السماء، والذي جاء في كتاب "عشاء الفلاسفة" لـ المؤرخ اليوناني أوقيانوس نقراطيس، في القرن الثالث قبل الميلاد. وذكر فيه أن "السماء أمطرت سمكًا لمدة ثلاث أيام متصلة".

ووفقًا للمجلة العلمية التي قامت بتوثيق روايات هطول أسماك من السماء عبر التاريخ، ودائمًا ما كان يصاحبها حديث عن حدوث إعصار مائي.

على الرغم من تكرار الأمر وفقًا لشهود عيان، والذي تستند الصحف إلى رواياتهم عند الحديث عن سقوط ضفادع وأسماك من السماء. إلا أن المادة المصورة المتداولة على الإنترنت تُظهر أسماك صغيرة على جانبي الطريق عقب هبوب رياح شديدة بفعل الإعصار. في إشارة لأن التفسير العلمي الأقرب لحدوث الظاهرة، هو أن الأعاصير المائية قد تدفع بأي مواد تحملها في طريقها ربما تكون طيور، أو ضفادع أو أسماك، وتحملها في مسارها. وهو الأمر الذي يرصده مركز التنبؤات بالأعاصير الأمريكية، دون ذكر لأي أمر يتعلق بتجمد أسماك في السحب أو سقوطها من السماء.

ورغم كل تلك الدلائل والأبحاث والاوراق العلمية والأدلة العملية، إلا ان وسائل الإعلام لا تزال تتورط في الترويج لتلك الخرافة، وتبحث عن لها عن خلفيات وأسباب غيبية باعتبارها معجزات او إنذارات تسقط مع الأسماك من السماء