صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي - Gemini
تتشدد الأنظمة الاستبدادية في التعاطي مع الصحفيين وتحرص على تحجيمهم

البلد رايحة زحل

منشور السبت 3 كانون الثاني/يناير 2026

مدَّ مدير سياسات الدولة عينيه إلى وجوه الصحفيين الجالسين أمامه، ليرى وقع كلامه عليهم بعد أن بشّرهم بسنوات سيغرق فيها أهل البلاد جميعًا في أنهار من العسل واللبن والسمن البلدي:

- سترون البلد، بعد خمس سنوات من الآن، في مكان آخر.

تبادل الصحفيون النظرات، وشعر كل منهم أن الأرض تدور تحته، ثم تعلو حتى تبلغ أعماق الفضاء البعيد، فصرخ أحدهم:

- إلى أين نحن ذاهبون؟

رد زميله بصوت خفيض:

- إلى زحل.

لكن الميكروفونات المثبتة على الأدراج، وأسفل المقاعد، وفوقها، وفي الجدران، والسقف، مكنت الجالسين في غرفة التحكم من سماع ما قاله الصحفي بصوت خفيض، فنقلته على الفور إلى رجال الأمن، فدخل كبيرهم القاعة، وهمس في أذن مدير السياسات، الذي اكتسى وجهه بغضب شديد: هل تمكنتم من تحديد هويته؟ 

رفع كبير الأمن إصبعه وأشار إلى صحفي نحيف، طويل القامة، أسمر الوجه: هو ذا.

نظر مدير السياسات للصحفي في غضب، ثم عاد إلى كبير الأمن : هل هذا كل ما سمعتموه؟

- سمعنا همهات وهسهسات أخرى.

- مثل ماذا؟

- أحدهم قال إن ما تنتظر الناس إنما هي أنهار من المش بدوده، والملوخية الأورديحي.

نظر مدير السياسات إلى وجوه الصحفيين: من ينتمي فيكم إلى المعارضة يرفع يده.

لم يرفع أحدٌ يده، فمال كبير الأمن عليه: جميعهم تابعون للحكومة.

تعجب مدير السياسات: بيننا خونة، طابور خامس، كيف لم تدققوا فيمن تسمحون لهم بحضور المؤتمر؟

قال كبير الأمن: كلهم معروفون لنا، وقرع طبولهم نسمعه ليل نهار.

هز مدير السياسات رأسه: هؤلاء أخطر علينا ممن يقولون إنهم معارضة.

رد كبير الأمن: ولذا فعقابهم أشد.

خرج كبير الأمن سريعًا، وعاد أسرع، ومعه عشرة من الضباط والعساكر، انتشروا في القاعة، وأمسكوا بمن تلفظ بما وصل إلى سمع الجالسين في غرفة التحكم. دفعوهم إلى الأمام، وأوقفوهم بالقرب من مدير السياسات، فنظر إليهم مليَّا، ثم سأل:

- من منكم قال إننا ذاهبون إلى زحل.

لاذوا بالصمت، لكن كبير الأمن أشار إلى النحيف الطويل الأسمر، وقال: هذا.

سأله مدير السياسات: ماذا تقصد بزحل؟

بلع ريقه بصعوبة، وقال:

- أقصد أن بلادنا سترتفع فوق السحاب وتجاوز الفضاء، وتصبح في أعلى عليين.

صمت مدير السياسات برهة، وقال:

- لكن زحل كوكب غير صالح للحياة.

رد الصحفي على الفور: ما تنجزه يا معالي المدير الكبير يحقق المعجزات، وينبت القمح والريحان في قلب الصخر الصوان، ولو شئت ففي زحل كمان.

- لكن إنجازاتنا ومعجزاتنا هنا على الأرض.

- زادت عن الحد، وفاضت إلى درجة أصبحت قادرة على تعمير كل المجموعة الشمسية.

- فقط؟

- بل وجلب النعيم إلى كل المجرات.

- فقط؟

- الكون كله يشهد بها.

- فقط؟

- الله شاهد عليها.

- والشعب؟

- يتحدث عنها في النهار والليل، ويدعو لكم بموفور الصحة، وطول العمر.

في سره قال مدير السياسات: يا لك من ماكر.

ثم التفت إلى كبير الأمن: من تحدث فيهم عن أنهار المش والملوخية؟

أشار إلى صحفي ممتلئ الجسم مستدير الوجه، ترتبك عيناه تحت نظارة سميكة: هذا.

لم ينتظر الصحفي سؤال مدير السياسات، وانطلق:

- المش أكثر الأطعمة ملوحة، والفقراء ملح الأرض، وهنا قصدت أن الأغلبية الكاسحة من الشعب ستشعر بآثار الإنجازات العظيمة.

- لكننا نعد الناس بالعسل واللبن والسمن البلدي.

- بعد امتلاء بطونهم سيكونون في حاجة إلى شيء يعقدون به ريقهم، حاجة حرشة كما يقول أولاد البلد، وليس هناك أفضل من المش لهذه المهمة.

- والملوخية؟

- هي أكثر الأطعمة اخضرارًا، والخضرة دليل الرخاء والنعمة، كما أنها من النباتات النادرة التي لا تنتهي بحصادها، فما إن تخطفها المناجل حتى تورق من جديد لقطفة أخرى، ويتكرر هذا مرات، وبذا تكون خير رمز للاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة. كل هذا يجري على أيديكم وبفضل حكمتكم السابغة وجهودكم الجبارة.

هز مدير السياسات رأسه مستحسنًا، وكان لا يعرف هذه الفضيلة العظيمة للملوخية. ، وفتح فمه بابتسامة بانت لها أسنانه البيضاء بعد استبدال القديمة المثرمة، لكن لم يلبث أن زم فمه، وقطب جبينه، وسأل في جدية: وماذا عن الألوان الأخرى؟

- موجودة بفضل الله، فالفاكهة على اختلاف أنواعها تملأ الأسواق، حتى تعب الناس من أكلها.

عاد إلى الصحفي النحيف، وسأله: هل كنت تقصد تصدير ما فاض عن حاجتنا إلى زحل؟

- ليس زحل فقط يا سيدي، بل المجرات كافة.

هز مدير السياسات رأسه: ما زاد عن حده انقلب إلى ضده، وأنت تبالغ، وفي المبالغة سخرية.

- حاشا لله أن أسخر في هذا المقام، إنما هو مجاز، فيه دليل على فيض الرخاء.

- المجاز كذب.

- لا تؤاخذني فأنا شاعر أيضًا.

- لكنني تحدثت فيكم بالأرقام، ولا مجال هنا للشعر.

- حتى وأنت تنطق الأرقام يا سيدي، لها وقع موسيقى في نفوسنا من فرط صدق تعبيرها عمَّا أنجزتموه وقدمتوه، ولا ينكره إلا جاحد أو غافل أو متواطئ أو خائن.

ابتسم مدير السياسات: مع هذا هناك من يشكك في الإنجازات، ويطلق الشائعات عن خسائر متوهمة.

- الكلاب تعوي والقافلة تسير.

ضرب صفحة المكتب بيده: لكن الكلاب تملأ شوارعنا.

- سمنت الكلاب من فرط النعمة التي جرت على أيديكم في ربوع البلاد.

قهقه المدير، وسأله: وأنت لماذا لم تسمن؟

- أحرق طعامي في التفكير في كل ما أراه حولي من معجزات، دهون جسمي ذابت من الدهشة.

كان الصحفي الثالث الذي أخرجوه أيضًا أمام الحاضرين يقف صامتًا، فالتفت إليه مدير السياسات، وسأله:

- وأنت، ما رأيك فيما سمعت؟

ابتسم: أنا يأكلني الندم.

- لماذا؟

- حرمت من كتابة كل ما سمعته الآن لأنشره على الناس فيطمئنون إلى أن البلاد تمضي بفضلكم في الطريق الصحيح.

تدخل كبير الأمن:

- لا تندم، فكل شيء مسجل، وسنمدك به في نهاية الجلسة.

هنا تدخل مدير السياسات: كل شيء إلا زحل.

هز الجميع رؤوسهم، وقالوا في صوت واحد:

- عُلم وينفذ.

صمت مدير السياسات برهة، وقال:

- عندي سبق صحفي لكم جميعًا.

تهللوا، وفردوا أوراقهم وأشرعوا أقلامهم، ورفعوا إلى مدير السياسات عيونهم، فقال في ثقة شديدة:

- نبهوا أبناء الشعب إلى امتلاك مراكب وقوارب وسفن، كل حسب إمكاناته.

قال أحدهم في نفسه، وهو ينظر إلى الميكروفونات المثبتة في كل مكان:

- يبدو أنها خطة بارعة لهروب جماعي.

لكن صوت مدير السياسات أتى عاليًا:

- على الناس أن يستعدوا للسباحة في أنهار اللبن والعسل والسمن البلدي.

صفقوا حتى ارتجت الجدران، لكن مدير السياسات أشار ليتوقفوا، وقال:

- أنشأنا شركة لصناعة المراكب والقوارب والسفن، هي وحدها المسموح لها بهذا، وأي فرد تسول له نفسه أن يصنع ما يسبح به في الأنهار التي سنطلقها سيعرض نفسه لعقاب شديد.

اقترب منه كبير الأمن، وقال:

- أنشأنا لهذا وحدة تراخيص.

ابتسم مدير السياسات:

- يمكنكم استطلاع رأي الشعب في أن نطلق أيضًا نهرًا من المش يسبح فيه دود كثير.

رد الصحفي البدين:

ـ أرجو ألا تنسى يا معالي المدير الكبير نهر الملوخية.

هز رأسه، وقال: معمول حسابه في الخطة العشرية، وستكون ملوخية بالأرانب.