شريف حسن أمام مسجد السلطان حسن

شريف حسين.. الحياة في رحاب "السلطان حسن"

لعشرين عامًا أو يزيد، دأب شريف حسين الذي تخطي الأربعين بأعوام قليلة على خوض الرحلة اليومية بين بيته بدار السلام أقصى جنوب القاهرة حيث ولد وتربى، وموقع مسجد السلطان حسن بالدرب الأحمر بالقاهرة القديمة، ليجلس على كرسي بجانب قريبه صاحب الكشك المطل على المسجد الذي طالما تعلق قلبه به: "عند هذا المسجد رأيت زوجتي لأول مرة من أكثر من عشرين سنة، لأحبها ونتزوج، وننجب أولادي الأربعة".

السلطان حسن والدرب الأحمر هو مكان عمله كخرتي (مرشد سياحي غير رسمي)، لأعداد صغيرة من الأجانب ممن اختاروا استكشاف مصر دون تكاليف شركات السياحة الباهظة، واعتاد الاستعانة بدخل تلك المهنة الإضافية إلى جانب راتبه من عمله في أحد بازارات المنطقة.

مرت عليه في رحاب السلطان حسن سنون جعلته كما لو كان من أهل المنطقة، يعرف المكان بتفاصيله وتاريخه وعمرانه، وقصص أهله وعلاقاتهم.

ساعات طويلة يقضيها يوميًا في مواجهة المسجد العتيق الذي بناه السلطان حسن بن محمد بن قلاوون عام 1356. والذي يعد من أجمل المساجد المملوكية في مصر. جمال عمارته وتميزه يدفعان شريف لقطع المسافة الطويلة بين بيته في دار السلام والدرب الأحمر حيث المسجد، لأجل التفاصيل والروح التي يقول أنه لا يجدها في مكان آخر. فالبيوت التي لازالت تحتفظ ببعض البهاء الغابر للعمارة الإسلامية، بمشربياتها الخشبية وأبوابها المزخرفة، تختلط حكاياتها بما حفظته عيناه من قصص شخصية تتصل بحياة أبنائه وحياته.

لا يغيب عن شريف أن منطقة الدرب الأحمر هي متحف مفتوح للتاريخ والأثار الإسلامية، يطوف بشوارعها ليجمع الحكايات من أفواه أبناء الحي العريق، بعض تلك الحكايات يعرفها ويحفظها عن ظهر قلب بالفعل، لكنه يجد متعة في سماعها من أفواههم التي تضيف إلى حكايات الكُتُب أبعادًا جديدة، تجعلها أكثر تشويقًا عندما يعيد سردها على مسامع أولاده وأهل الحي أنفسهم والزائرين الأجانب الذين يدعوهم بالأصدقاء.

يشير إلى أرض الشارع ويحكي أن هذا المكان الذي انحدرت إليه دماء المماليك الذين ذبحهم محمد علي في القلعة التي تشرف على الحي فوق هضبة عالية. يقول شريف: "لهذا سمّي الدرب الأحمر". ثم يرفع عينيه إلى حيث تشرع واحدة من المشربيات الخشبية القليلة الباقية على حالها، ثم تتغير ملامح وجهه قائلاً: "صاحب المكان لا يدرك قيمة منزله، لم يحافظ على لون الطلاء الأصلي للمنزل، فلم يعد متناسقًا".

يضيف شريف بلهجة لم تخلُ من سخرية: "لكنه على الأقل اختار أن يترك المشربية على حالها دون طلاء، ودون أن يزيلها كما فعل كثير من سكان المنطقة".

مسجد السلطان حسن 

لايجد رب الأسرة سببًا يمنعه عن الزيارات اليومية للمنطقة رغم تواضع الرزق منذ غابت السياحة، عقب انسحاب الشرطة في أعقاب ثورة يناير، وما تبع هذا من إنفلات أمني غيّر وجه المنطقة، وأضاع أرزاق العاملين فيها.

مع تهاوي مؤشرات السياحة في مصر لأعوام أعقبت الثورة، تهاوت فرص شريف في العمل، كعدد كبير من زملائه في البازار الذي كان يعمل به. فقد شريف وظيفته الثابتة، بالتزامن مع قلة أعداد السائحين الذين كانوا يزورون الدرب الأحمر طالبين مرشدًا يساعدهم على التنقل ويعرّفهم بتاريخ المكان. وأصبح شريف مطالبًا بإيجاد رزقه في مكان آخر. كما صار عليه أن يتوقف عن اصطحاب ابنه الأكبر "أحمد" طالب الإعدادية إلى الدرب الاحمر الذي تعلق به قلب الفتى أيضًا: "أحمد يعشق حكايات التاريخ، لكن اليوم أنا لا أملك له من هذا التاريخ إلا حكايات. لا أستطيع أن آتي به هنا أو آخذه لزيارة القلعة أو حتى الأهرامات"، يضيف شريف: "إذا استطعت توفير ثمن التذكرة، لن أستطيع توفير طلبات أطفال صغار قد يطلبون مياه أو عصائر أو حاجة حلوة، أريد أن يفرّجها الله كي أستطيع أن أعطي ابني حق زيارة الأماكن التي أحكي لها عنه، دون خوف من كسرة نفسي أمامه".

لكن الأكثر إيلامًا له؛ كان الإهمال والقذارة التي طرأت على المكان بعدما غادره السائحون، "وكأن وزارة الأثار ومؤسسات الدولة لم تعد تهتم بتنظيفه ورعايته، طالما لن تقع عليه أعين غير مصرية". يقول شريف: "آخر مجموعة أجانب رافقتها كانت في نهاية 2012، انطباعهم كان سيئًا بسبب القمامة المنتشرة في الشوارع".

تنقّل شريف بين وظائف عدّة تبتعد به عن مكانه ومسجده، لكنه لا يملك مقاومة العودة: "نصبوا علينا في عدّة وظائف، اشتغلت فرد أمن وعامل بشركة أغذية، لكنهم يعاملوننا بقسوة ويرمون لنا الفتات كأجر. لذا أعود إلى هنا لأني لا أجد راحتي في أي مكان آخر".