تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2025
أسطورة خطافة الرجالة

"خطافة الرجالة" أسطورة تبرئ الخائن

منشور الأحد 15 آذار/مارس 2026

تزوجت منى سيد التي تعيش في محافظة الجيزة من رجل متزوج، "هو اللي سعى للفت نظري بكل الطرق، لحد ما مِلت ليه واتجوزنا. وبعد سنة مراته عرفت، ومن هنا بدأت المشاكل"، تقول لـ المنصة.

كان رد فعل الزوجة الأولى عنيفًا؛ "جت مكان شغلي وشتمتني وفضحتني، ونشرت صوري على جروبات الستات ومعاها أبشع الألفاظ والأوصاف"، على رأسها "خطافة الرجالة"؛ تتساءل مدرسة الرياضيات ذات الـ 44 عامًا، "ليه كل اللوم بيبقى على الزوجة التانية"؟

على الضفة الأخرى، اتخذ زوج مُدرِّسة اللغة العربية سماح علي، زوجةً ثانيةً تصفها بأنها "خطافة رجالة، عرفت تخطف جوزي وتهد بيتي"، قبل أن تستدرك "وهو كمان راجل خاين لأنه استجاب لألاعيبها".

في لحظة الاكتشاف، لا تبحث المرأة فقط عن الخائن، بل عن قصة تسردها لتخفيف الصدمة، قصة تمنح الألم اسمًا يمكن احتماله. ربما لهذا ظهر  وصف "خطافة الرجالة"؛ تعبير شائع مريح، لكنه يفتح بابًا أوسع للسؤال: هل الرجل يُخطف فعلًا، أم يذهب بإرادته؟

ترى الزوجة الأولى سماح، التي تبلغ 35 سنة، أنه "نادرًا ما يوجد رجل ناضج أمام امرأة"، تؤكد لـ المنصة أنها طُلِّقَت قبل خمسة أعوام بعدما فوجئت بأن زوجها على علاقة بصديقتها. وحين واجهته وضيَّقت الخناق عليه رمى اللوم على صديقتها قائلًا إنها حاولت إغواءه أكثر من مرة وكان يصدها، لكنه ضعف وتورط معها في علاقة جنسية، وكل مرة كان يحاول صدها كانت تجذبه مرة أخرى خاصة أنها صديقة زوجته وتعلم جيدًا نقاط ضعفها وضعفه.

ارتباك مجتمعي

يكشف استبيان أجرته المنصة على عينة قوامها 183 امرأة عن انقسام حاد. ففي الوقت الذي أيدت فيه 58.2% من المشاركات وجود ما يُسمى بـ"خطافة الرجالة" وألقين باللوم عليها في غواية الزوج وإسقاطه في شباكها، رفضت 40% منهن هذا التعبير وما يحمله من حمولة أخلاقية تُبَرِّئ الرجل.

المفارقة اللافتة ظهرت عند تحديد الجاني؛ فرغم اتفاق غالبية المشاركات مع سردية الخَطَّافَة، فإن المسؤولية انحازت للمنطق لا للمصطلح، وحمّلت 61.4% من النساء الرجل المسؤولية الكاملة عن خيانته، بينما تراجعت نسبة لوم المرأة الثانية أو الطرف الثالث إلى 34.2%.

الرجل هو المسؤول الأول عن جريمة الخيانة

هذا التناقض الرقمي يشير إلى حالة من الارتباك المجتمعي، حيث نستخدم تعبير "الخطف" لإدانة المرأة الأخرى أخلاقيًا، رغم تحميل المسؤولية للرجل كونه صاحب القرار والمسؤول عن كسر العهد.

هذا ما تصدق عليه مها عبد الحليم، 38 عامًا، التي تعمل مدربة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، "وقت ما عرفت بعلاقته مع ست تانية، الدنيا لفت بيا، واتصلت بالست شتمتها وهددتها، بس بعد ما هديت أدركت إنه هو المسؤول الأول عن الخيانة".

تضيف لـ المنصة "اكتشفت إن عنده موبايل تاني مخبيه عني. قاللي إنه بتاع الشغل لكن اكتشفت إنه بيستخدمه في التواصل مع ست تانية".

طلبت مها الطلاق حين اكتشفت خيانتة زوجها، وبينما خرجت من تجربتها بقناعة بأن الرجل هو المسؤول الأول عن جريمة الخيانة، فإن يسرا سليم تلقي بالمسؤولية على المرأة لتبرئة زوجها "زوجي شخص محترم والكل بيحلف بأخلاقه، لكن فجأة بقى بيتكلم في انصاص الليالي مع زميلته في الشغل".

"لما سألته قال إنها على خلاف مع زوجها وإنه بينصحها كأخ"، تقول ربة البيت الأربعينية لـ المنصة، هنا دفعها الشك لتفتيش موبايله. "واجهته واعتذر. عرف غلطه وقال أنها هي اللي أثرت عليه وإنه لسة بيحبني".

قررت يسرا أن تمنح زوجها فرصة أخرى بعدما أبدى حسن نية بطلب نقله من فرع الشركة ليبتعد عن "شِباك" زميلته، التي اتهمها بأنها "خطفته".

على الجانب الآخر يلقي عمر عابد الذي يعمل محاميًا بالمسؤولية على زوجته؛ "مراتي كانت مقصرة في الاهتمام بيا خصوصًا مع وجود 4 عيال. كلّمتها كتير ومفيش فايدة"، يقول لـ المنصة.

لا يتفق عمر البالغ من العمر 42 عامًا مع وصف "خطافة الرجالة"، إذ إن ما افتقده في زوجته وجده في زميلته دون حاجة لأي اختطاف "قِدرت تسد الفراغ وبدأت مشاعري تتحرك ناحيتها. صارحتها واتجوزنا"، أما زوجته الأولى، فبعد رفضها للزيجة الجديدة رضخت مع مرور الوقت. 

سردية مريحة 

تلجأ الزوجة الأولى لطلب الطلاق عند اكتشافها للزوجة الثانية

تميل النساء إلى استخدام سردية الخطَّافة في محاولة للخروج من مأزق الوعي بفداحة خيانة الشريك، وانكسار دائرة الأمان في العلاقة، وهو ما يشرحه دكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية؛ "الرجل ليس قاصرًا ولا مسلوب الإرادة، ولا يلجأ إلى علاقة بامرأة أخرى إلا بقرار عن وعي وإدراك تام منه".

يعتقد هندي أن النساء يستخدمن هذا اللفظ تعبيرًا عن شعورهن بالعجز؛ "السبب هو شعور الست بالنقص، بتكون ثقتها في نفسها قليلة ومش حاسة إنها كفاية. يعني لما تشوف ست بدأ الراجل يميل ليها بتعمل إسقاط لمشاعرها السلبية على الست دي، وعلى غيرها ممن ارتضين دور المرأة الثانية في حياة أي رجل، حتى وإن لم يكن زوجها، وتبدأ تكوّن لديها قناعة بأن زوجها مخطوف"، يضيف لـ المنصة.

يعتبر دكتور محمود علام استشاري الإرشاد النفسي والأسري سردية "خطافة الرحالة" مُريحة للزوجة الأولى؛ "الراجل مَخانش.. الراجل اتخطف"، وبالتالي هذا مَخرج يُجنّب المرأة مواجهة الأسئلة الصعبة زي ليه اختار واحدة غيري؟ ليه فضّلها عليا؟".

"خطافة الرجالة" ليست مجرد تعبير، إنما هي حيلة دفاعية للتعايش وتخفيف الصدمة، كما يؤكد الاستشاري النفسي لـ المنصة فـ"العقل أحيانًا يجرب السيناريوهات العاطفية في خياله قبل مواجهتها على أرض الواقع، فيتخيل الألم والخسارة والانجراف والانكسار، وده بيديه شعور مؤقت بالتحكّم والأمان الداخلي. حتى النساء غير المتزوجات أو من لم يتعرضن للخيانة يجدن الجملة سهلة ومريحة، لأنها تسمح لهن بالتعامل مع احتمالات الحب والفقد بطريقة رمزية، وكأنهن لا شعوريًا يدرّبن قلوبهن على مواجهة الصدمات دون أن يتأذين فعليًا".

تقف دكتورة هالة منصور أستاذة علم الاجتماع موقفًا يبدو موضوعيًا؛ "نعم هناك نساء ينصبن شباكهن حول الرجل، ولكن الرجل يقع في تلك الشبكة بكامل إرادته"، مرجعة انتشار هذا الوصف إلى الصورة النمطية التي تربط المرأة بالغواية، كما تقول لـ المنصة.

حصلت سماح على الطلاق "طلبته بهدوء تام"، فمرور الوقت جعلها تدرك أن "خطافة الرجالة" أسطورة خلقها المجتمع ليحمي الرجل من تحمل مسؤولية أفعاله.

أما الزوجة الثانية، منى، فتواجه أثر زواجها من متزوج على صورتها في أوساطها الاجتماعية. لكنها تواجه كذلك أثر ما حدث على صورة زوجها أمامها "اكتشفت أنه راجل ضعيف الشخصية" فكان خيارها الطلاق.