الحرب مستمرة.. نازحو لبنان في عراء التمييز والغلاء
لم يكد هادي فارس(*) يطوي قماش خيمته حتى وجد نفسه يفرده ثانيةً. في غضون عام ونصف العام فقط، اختبر ابن ضاحية بيروت الجنوبية مرارة النزوح مرتين؛ آخرها كانت إلى منطقة الحدث المتاخمة لمنطقة الضاحية. هناك، وتحت سماء لا تهدأ، نصب هادي خيمته ذاتها التي نصبها في عدوان 2024 فيما تقطعت أوصال عائلته التي تفرقت بين المناطق، بحثًا عن أمان لم يعد يجمعهم تحت سقف واحد.
عاود الاحتلال الإسرائيلي هجومه في حرب شاملة منذ الثاني من مارس/آذار العام الجاري، تستهدف كافة القطاعات ومختلف المناطق من لبنان. وبلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي حتى اللحظة 678 شهيدًا، بمعدل 3 شهداء كل ساعة، و1586 جريحًا، بمعدل 7 جرحى في كل ساعة، بينما أفادت وحدة الكوارث بأن إجمالي عدد النازحين المسجلين ذاتيًا بلغ 822 ألفًا و600.
نزوح تحت القصف
في المرة الأولى؛ تصاعدت ضربات الاحتلال على لبنان في سبتمبر/أيلول 2024 بعدما أعلن "حزب الله" فتح جبهة إسناد غزة، ما اضطر هادي حينها وغيره آلاف إلى النزوح من الجنوب، حتى إعلان وقف إطلاق النار والذي لم يكف يد آلة الحرب الإسرائيلية عن الجنوب تمامًا.
يعمل هادي من داخل خيمته على جمع التبرعات، وشراء المساعدات العينية وتقديمها للنازحين؛ "النزوح بيخلق أزمة كبيرة، ومهما حاولنا نساعد بنضل حاسين بالفجوة والنقص بسبب الاحتياجات المتصاعدة التي لا تستطيع المبادرات الفردية والجماعية تلبيتها" يقول لـ المنصة، مؤكدًا على أن التاريخ يعيد نفسه، إذ يتكرر الوضع ذاته الذي عايشه خلال العدوان الماضي.
ترفض المناطق الآمنة استقبال المهجرين كونهم مستهدفين كما تُحملهم مسؤولية التصعيد والقصف الإسرائيلي المتواصل
يعيش المهجرون حربًا مستمرة خاصة في مناطق الجنوب والبقاع اللبناني، حيث استمر العدوان والقصف الإسرائيلي بشكل شبه يومي حتى بعد وقف إطلاق النار 2024. وتجددت المأساة بشكل عنيف في صباح العاشر من مارس/آذار الجاري حين أصدر جيش الاحتلال أوامره بإخلاء سكان كافة المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، ثم أعاد نشر خريطة أخرى تمتد حتى نهر الزهراني، وشملت تهديدات الإخلاء المتكررة منطقة الضاحية الجنوبية بأكملها، وبعض قرى إقليم التفاح، والبقاع الغربي الواقعة شمال نهر الليطاني.
وحتى الثاني عشر من الشهر الحالي، استهدف الاحتلال خيام النازحين في المدينة الرياضية على الشاطئ الرملي لبيروت، ومنطقتي الباشورة وزقاق البلاط الواقعة في رأس بيروت وهي مناطق مكتظة بالنازحين، مما يقلّص المساحات التي يمكن اعتبارها آمنة يومًا بعد يوم، ويشكّل عامل ضغط إضافي على النازحين.
غير أن هذه التحذيرات وما تلاها من استهدافات لم تخرج السكان من بيوتهم، خاصة في منطقة الشياح وحي السلّم وحي بركات في الضاحية الجنوبية، بينما نزح البعض الآخر داخل الضاحية نفسها لينضم إليهم العديد من أهالي الجنوب، وفق ما يقول هادي.
ويرجع السبب إلى رفض المناطق الآمنة استقبال المهجرين كونهم مستهدفين، ويضيف هادي "كمان مشان ارتفاع أسعار الإيجارات، وكتير ناس بيحملوهم مسؤولية التصعيد والقصف الإسرائيلي المتواصل".
نزوح فوق نزوح
قبل تصعيد العدوان الحالي، كان لا يزال 124 ألف نازح داخلي غير قادرين على العودة إلى منازلهم، بحسب تقارير النزوح الداخلي الدورية الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، وذلك بسبب تدميرها أو اجتياحها من قبل قوات الاحتلال. كما لم توفر الدولة الإيواء سوى لأقل من 20% من النازحين خلال العدوان الماضي، مما ينذر بأعباء إضافية يتحملها المهجَرون حاليًا، إذ تعجز غالبية مؤسسات الدولة حتى اللحظة عن الاستجابة للحالة الطارئة، في ظل تقليص المساعدات الدولية، وعدم قدرتها على الاستجابة الفعّالة.
كان المشهد في الأيام الأولى على النزوح مضطربًا ومتوترًا، كما يصفه هادي؛ لبنانيون فارون إلى الشوارع لا ملجأ لهم، والبعض مضطر إلى البقاء والنوم في العراء وعلى الطرقات، بسبب تأخر استجابة مؤسسات الدولة من جهة، وعدم القدرة على تغطية تكاليف الإيجارات من جهة أخرى؛ "بعض المدارس اللي من المفترض تُخصص كمراكز لإيواء للمهجرين اضطر الأهالي لفتحها بالقوة".
كثير من المنازل والأبنية في بعض أحياء الضاحية تعاني من هشاشة في بنيتها، ما يجعلها شديدة التأثر بالقصف القريب
يضطر هادي كل نهار إلى العودة للضاحية من أجل توزيع المساعدات، "صارت شبه خالية" يقول بأسى. لكن مناطق أخرى لا يزال فيها بعض السكان مثل منطقة الشياح والشويفات وحيّ السلم. "مضطرين يعيشوا في مناطق غير آمنة، بيخلوا البيوت خلال القصف وبيرجعوا تاني بعد ما يوقف".
ما يزيد الأمر صعوبة أن كثيرًا من المنازل والأبنية في بعض أحياء الضاحية تعاني هشاشةً في بنيتها، ما يجعلها شديدة التأثر بالقصف القريب. "ضربة واحدة أحيانًا عم تدمر خمسة أبنية أو تلحق أضرارًا جسيمة فيصيروا غير صالحين للسكن" يقول هادي.
ضغوط جانبية
على الجانب الآخر؛ أصدرت العديد من البلديات في بعض المناطق اللبنانية مثل بكفيا، الفنار، زوق مصبح، العقيبة، والبرامية، تحذيرات مشددة لتقييد إيواء المهجرين، تشمل حظر التأجير أو الإيواء دون موافقة مسبقة وإبلاغ فوري ببيانات كاملة تشمل الأسماء، الهواتف، العناوين، الحالة الاجتماعية وبلدة النزوح، فيما اعتبرته إجراءات احترازية.
وبناء عليه شكلت لجان طوارئ بالتنسيق أمنيًا مع الجيش اللبناني، مهددة بالعقوبات القانونية في حال المخالفة. وبدأت بلدية مجدل عنجر بتنفيذ هذه التهديدات عمليًا، إذ حررت محضر ضبط بحق أحد الأشخاص بقيمة 100 مليون ليرة لبنانية (ألف ومائة دولار أمريكي)، وذلك على خلفية استضافته أحد النازحين دون إبلاغ البلدية مسبقًا.
لا يقتصر الأمر على الإجراءات الحكومية، إذ يواجه النازحون مضايقات على خلفية هويتهم الطائفية، تمتنع بعض المحلات من التعامل معهم في البيع والشراء اعتمادًا على لبساهم، وأسمائهم ولهجتهم.
محمد سلام(*)، أحد النازحين من قرية سحمر في البقاع الغربي طُرد من منطقة الطريق الجديدة في وسط بيروت بسبب تخوف الأهالي من استضافة نازحين شيعة؛ "كنت خايف أكشف عن هويتي، وحاولت أتكلم مع الجيران وأفهمهم إنا مدنيين لكن ما فيش فايدة"، يقول لـ المنصة.
يضاف إلى ذلك تفاقم الأزمة الاقتصادية وغلاء المعيشة نتيجة العدوان، مما يزيد من الأعباء التي يتكبّدها النازحون. إذ ارتفعت أسعار الفرش من 5 إلى 20 دولارًا أميركيًّا، كما وصلت أسعار إيجارات المنازل إلى 2000 دولار للمنزل العادي، مع طلب بعض المالكين الدفع مقدمًا لمدد تصل إلى 6 شهور، مما يجعل القدرة على الاستئجار شبه مستحيلة، حسب هادي.
هذه الحرب بقدر ما هي ميدانية فهي نفسية أيضًا عبر التهديدات وتبرير الاستهدافات والضغط على المجتمع
يضيف "القصف الإسرائيلي اللي استهدف أوتيل الكومفورت في منطقة الحازمية، اتسبب بطرد ست مع أطفالها بعد ما دفعت إيجار 500 دولار للغرفة"، يعتقد الأهالي أن النازحين أهداف مرصودة من قبل قوات الاحتلال.
في هذا السياق، نقلت هيئة البث الإسرائيلية نية الاحتلال "مهاجمة أهداف مدنية في لبنان للضغط على الحكومة لكبح حزب الله"، مما يوضّح نيته توسيع دائرة الاستهدافات وزيادة الضغط على المجتمع والبيئة الحاضنة للمقاومة، ليزيد من العراقيل أمام النازحين.
يرى هادي هذا العدوان حربًا على مجتمع المقاومة تحديدًا، ويعبّر عن نهج التطهير العرقي الذي ينتهجه الكيان الإسرائيلي، وهو ما توضحه خرائط الإخلاء بحيث تشمل محافظات بأكملها، بالإضافة إلى تهديد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، بأن الضاحية ستصبح مثل خانيونس. هذه الحرب بقدر ما هي ميدانية فهي نفسية أيضًا، عبر التهديدات وتبرير الاستهدافات والضغط على المجتمع وانتهاج خطاب يحاول قلب الرأي العام، التي تكتمل بالإعلام المدعوم أميركيًا مستغلًا وجع الناس وقهرهم وظروفهم الآنية للتصويب ضد المقاومة.
يرى هادي أن الحرب لم تقف منذ سنة وخمسة أشهر، "لا كنا بنقدر نرجع ضيعتنا ولا نتحرك بأمان، إحنا بس اتعودنا"، مؤكدًا أنه كما غيره من أهالي الجنوب يأملون في أن تنتهي الحرب هذه المرة بنصر يضمن لهم العودة إلى بيوتهم آمنين بلا تهديد إسرائيلي جديد.
(*) أسماء مستعارة بناء على طلب المصادر

