لقطة من فيلم "القرين" المأخوذ عن رواية لدوستويفسكي من إخراج ريتشارد أيودي

دوستويفسكي يمكنه أن يكون مضحكًا

عادة ما توصف المحاولات السينمائية لتقديم الكلاسيكيات الأدبية على الشاشة بأنها مُختزلَة ويتمّ تنفيذها بطريقة نمطية مع غياب الدقّة

في عام 2013، حين ظهر الفيلم الأخير للمخرج الإنجليزي ريتشارد أيودي Richard Ayoade والذي حمل إسم "القرين" (The Double)، ضمن لنفسه شيئًا من الحضور اللافت وربما متابعة كولتية (cult) نوعًا.

الفيلم الذي يدور في أجواء من الفانتازيا السوداوية والمتشعِّبة من بطولة الممثل الأمريكي الشاب جيسي إيزنبرج (Jesse Eisenberg) في دور سيمون جيمس، الكاتب المشوَّش والمتردِّد الذي يُقابل "أناه" المرآوية المنعكسة "جيمس سيمون" وسرعان ما يجد حياته اُغتصبت منه حرفيًا. "أيودي" نال إشادة قويّة بعد باكورته الكوميدية "الغواصة" (Submarine) في 2010 عن حكايات المراهقة المُتعِبة، و"إيزنبرج" هو المثال الأقرب الذي يمكن أن يجد عليه المُشاهد نجمًا أمريكيًا يعمل في السينما المستقلّة.

ولكن في روسيا هناك أسباب أخرى تجعل هذا الفيلم مثيرًا للاهتمام: ليس بصرياته الغرائبية ولا المزاج الديستوبي الذي يغلِّف أجواءه، ولكن حقيقة أن "القرين" مقتبس –وإن كان اقتباسًا فضفاضًا- عن رواية تحمل نفس الاسم لأديب روسيا الأشهر فيودور دوستويفسكي.


في روسيا، البلد الذي يتفاخر بامتلاكه لأكبر عدد من القراء النشطين في العالم (ما من دليل موثوق على صدق هذا الزعم)، وحيث التراث الثقافي الثري يمثّل جزءًا مهمًا في تكوين الهوية الوطنية، فإن اقتباسًا لأي من كلاسيكيات الأدب الروسي ستتم متابعته عن كثب وينال قدرًا محترمًا من الفحص والتدقيق.

قبل أربعة أعوام، كان واحد من أكثر الأفلام إشعالًا للنقاش في وسائل الإعلام الروسية هو فيلم "آنا كارنينا" (Anna Karenina) للمخرج الإنجليزي جو رايت (Joe Wright) والذي فاز بجائزة الأوسكار في فئة تصميم الأزياء. وبينما انهال بعض النقاد الروس بالثناء، أو الازدراء، على حيوية الأسلوب البصري للفيلم بزخرفته وصورته "الفاخرة" والميزانسين المخادع (حيث تم تصوير الفيلم في مسرح كبير)، فإن آخرين اختاروا التركيز على العلاقة النافرة بين نبرة الفيلم المَرِحة في مقابل نبرة الجِدّة والصرامة التي تطبع رواية "تولستوي" المقتبَس عنها الفيلم.

قصة الفيلم رومانسية جدًا وصنّاعه يؤكدون قبل عرضه على أنه فيلم عن الحُبّ ومليء بالحبّ، ولكن في الحقيقة إن "آنا كارنينا" تولستوي ليست قصة حبّ أصلًا بل تحذير من أسطورة الحبّ. بعض من المخلصين لتولستوي وصل بهم الاستياء من الفيلم لدرجة إعلانهم أن الفيلم مظهر من مظاهر عدم احترام الغرب للأدب الروسي، والذي يصبح في حالة فيلم رايت "مجرد إعداد مسرحي لعرض باليه ما بعد حداثي" على حد تعبير واحد من أشد الرافضين، ديمتري بيكوف (Dmitry Bykov) الشاعر والمثقف ذو الشعبية الكبيرة في روسيا.

جو رايت من جانبه حاول التوضيح والاستدراك حيث صرّح في أحد الأحاديث الصحفية عقب عرض الفيلم بقوله: "عندي بطاقة فوق مكتبي تعود إلى الكتاب الأيرلندي صمويل بيكيت تقول (حاول ثانية، افشل ثانية، افشل بشكلٍ أفضل)، لذا أعتقد أن لصنّاع الأفلام والفنانين حقّ الفشل، فبدونه لن يكون هناك إبداع. يجب عليك امتلاك الجرأة على المحاولة.

عليك أن تقتنع أن مؤخرتك قد تلامس الأرض ولكن يكفيك شرف المحاولة. تلك المحاولة هي الإثارة التي تجعلنا ننهض لنجرِّب مرة أخرى في الصباح".

ولكن بالعودة إلى الوراء قليلًا نجد أن ردّ الفعل الفاتر كان مشابهًا في حالات أخرى، فلم يقتصر الرفض النقدي على جرأة رايت وكاتب السيناريو توم ستوبارد: في عام 2007 تمّ تقديم سلسلة تليفزيونية عالمية بعنوان "الحرب والسلام" (War and Peace) في اقتباس أمين نسبيًا لأسلوب تولستوي، وفي عام 1999 ظهرت معالجة إنجليزية لرواية "يوجين أونجين" (Eugene Onegin) لشاعر روسيا الأكبر ألكسندر بوشكين بوجود الممثل الإنجليزي رالف فينس (Ralph Fiennes) كشخصية رئيسية، وقوبل العملان بنفس الفتور.

الاستقبال الأكثر سلبية كان من نصيب المسلسل الذي أنتجته محطة "سكاي أرتس" في عام 2012 عن قصص ميخائيل بولجاكوف بعنوان "مذكرات طبيب صغير" (A Young Doctor’s Notebook) وقام ببطولته دانييل رادكليف نجم سلسلة أفلام هاري بوتر.

لا أحد في الواقع يعتقد في الدببة التي تشرب الفودكا في روسيا الشيوعية، أو في الشتاء الذي لا ينتهي في روسيا

الحب والموت

عادة ما توصف المحاولات السينمائية لتقديم الكلاسيكيات الأدبية على الشاشة بأنها مُختزلَة ويتمّ تنفيذها بطريقة نمطية مع غياب الدقّة. المشكلة الأخيرة الخاصة بفيلم "آنّا كارنينا" تُعرف في روسيا باسم "كليوكفا" (klyukva) والتي تعني ترجمتها الحرفية "توت بري"- وهو مصطلح قادم من المعارضة البلاغية الروسية الساخرة التي تقدّم تعبير " التوتة المعطوب" للتدليل على أي صورة نمطية أو مبتذلة أو أي من مظاهر الجهل بروسيا كما تظهر في الأفلام الغربية من أرمجدون لمايكل باي وحتى دكتور جيفاجو لديفيد لين.

الانشغال بالصورة الوطنية ليس شيئا غريبًا في حدّ ذاته ولكن التركيز الروسي عليه يجعل الشعور به مضخَّمًا بعض الشيء.

الفرنسيون ربما يعبسون لانتشار الكرواسون والباجيتس في الأفلام الأجنبية التي تصوِّرهم، أو برج إيفل الذي يظهر في كل مكان، والذي وفقًا لهوليوود، يمكن النظر إليه من أية نافذة في باريس، ولكنهم لم يصكّوا تعبيرًا خاصًا بهم بعد، وحدهم الروس من ذهب إلى هذا الحدّ بالفعل.

لا أحد في الواقع يعتقد في الدببة التي تشرب الفودكا في روسيا الشيوعية، أو في الشتاء الذي لا ينتهي في روسيا (رغم أن ذلك الجزء بالتحديد أقرب للواقع)، ولكن السينما المعاصرة تستخدم الكليشيهات والصور النمطية من ذلك النوع الخارج من رحم سخرية ما بعد الحداثة، للتدليل على توفُّر المعرفة لدى حاملها بما يكفي لإطلاق النِكات اللحظية على بلدان وشعوب بأكملها، وهناك نزوع واضح في عديد من الأفلام (والميديا كذلك) إلي الاستقطاب والاختصار المُخلّ لصناعة "الإفّيه" المثير للضحك.

يبدو ذلك واضحًا –على سبيل المثال- في "الحب والموت" (Love and Death) (1975) لوودي آلن وسخريته من الروايات الكلاسيكية الروسية، مُعارِضًا علاقاتها المتشابكة وحواراتها المُطّرِدة: "أن تحب يعني أن تعاني، ليس أن تحب أن تعاني، أن تعاني يعني أن تعاني" إلى جانب كمية معتبرة من "الكليوكفا" المتضمَّنة في الفيلم، مع الوعي الذاتي لصُنَّاعه لابتذالها.

من فيلم Love and Death لوودي آلين

آلن هو آخر شخص في العالم يمكن الاشتباه في عدم احترامه للثقافة الروسية فقد كانت مصدرًا رئيسيًا للإلهام في جميع أعماله تقريبًا: على سبيل المثال لا الحصر، فيلمي "جرائم ومخالفات" (Crimes and (Misdemeanours و "نقطة المباراة" (Match Point) كلاهما ولدين شرعيين لرواية الجريمة والعقاب.

معارضة سينمائية مثل "الحب والموت" علامة على المودّة، مثلها في ذلك مثل توهّج وهزلية "آنا كارنينا" لجو رايت، والذي بالرجوع إلى كاتب سيناريو الفيلم توم ستوبارد يمكن التعرّف في ثلاثيته المسرحية "ساحل اليوتوبيا" (The Coast of Utopia) على دراية عميقة بالأدب الروسي والفلسفة أكثر مما قد يتباهي به معظم الروس (كتب سيناريو أفلام مشهورة منها "إمبراطورية الشمس" الذي أخرجه ستيفن سبيلبيرج وأيضًا كتب سيناريو فيلم "شكسبير العاشق").

رادكليف في المقابل ادّعي بأنه قارئ متفانٍ لبولجاكوف، وكان ذلك قبل وقت طويل من بدأ العمل التخطيطي على قصصه لتقديمها تلفزيونيًا في مسلسل من بطولة رادكليف.

مغني البوب لا يصبح نجمًا في الغرب إلا بعد أن يتصدّر غلاف مجلة ما ويأتي ذكره في عرض تلفزيوني ما، وبالمثل فإن المؤلف أو الأديب لا يصبح "كلاسيكيًا" حتى تتوالي المعالجات الفنية "المختلفة" لمؤلفاته

مما سبق يبدو أن كلّ المعالجات "الشاذّة" تأتي حين يتعلّق الأمر بعمل أدبي يعتبر من "الشريعة" الأدبية، وهي صيغة مغرية لكثيرين بالهجوم على العمل الفنّي المقتبس عن العمل الأدبي الكلاسيكي.

نعرف جميعًا بأن مغني البوب لا يصبح نجمًا في الغرب إلا بعد أن يتصدّر غلاف مجلة ما ويأتي ذكره في عرض تلفزيوني ما، وبالمثل فإن المؤلف أو الأديب لا يصبح "كلاسيكيًا" حتى تتوالي المعالجات الفنية "المختلفة" لمؤلفاته. وكلما كانت تلك الأفلام معاصرة وآنيّة – بعيدًا عن التركيز على التصميم الفنّي والديكورات للأفلام الزمانية (Period films)- كلما كان ذلك أفضل.

دوستويفسكي اللا محدود

بحسب الأديب الألماني ستيفان تسفايج في كتابه "بناة العالم" فإن مهووسي دوستويفسكي يواجهون عقبة كبيرة "لأنه للوهلة الأولى يخيّل للمرء أنه أمام عمل مغلق على ذاته، ثم يكتشف شيئًا لا حدود له، كونًا له أفلاكه الدوّارة الخاصة به، موسيقاه الأخرى التي تتردّد في أجوائه.

يصاب العقل باليأس من استقصاء هذا العالم في يوم من الأيام من دون أن تبقى منه بقية، فسحره بالغ الغرابة لدى المعرفة الأولى". وبالنظر إلى ضخامة روايات دوستويفسكي من حيث الحجم، وما تحتشد به من شخصيات وقضايا ومونولوجات طويلة، فقد تناوب على هذا المعين الأدبي كثيرون من مختلف الجنسيات ويكفي القول بأن إحصائيات قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت (IMDB) تشير إلى أن هناك 223 فيلمًا ومسلسلًا تليفزيوني تم اقتباسهم من أعمال فيودور دوستويفسكي وحده.

 من فيلم "الأعماق السفلى"  من فيلم "الأعماق السفلى"

القراءات المتعارضة والمختلفة للروايات الروسية ليست شيئًا جديدًا على السينما. في معالجته لمسرحية "الأعماق السفلى" (The Lower Depths) للكاتب مكسيم جوركي، أصبغ المخرج جان رينوار غنائية السينما الفرنسية في فترة ما بين الحربين العالميتين على أجواء المسرحية في فيلمه الذي ظهر عام 1936 تحت نفس الاسم، من بطولة النجم الأول حينئذ جان جابان في دور رومانتيكي.

في فيلم فرنسي آخر قدّم روبير بريسون "الليالي البيضاء" لدوستويفسكي في باريس السبعينيات المتأرجحة في فيلمه "أربع ليالٍ لحالم" (Four Nights of a Dreamer (1971)، حيث يقف محيط البطل الشاب في وجه إبداعه، بينما تحوّل الحبيبة "مارت" ليل باريس الصاخب إلى رثاء لمدينة باردة. في اقتباس الإيطالي لوتشينو فيسكونتي للرواية في العام 1957، تصبح المدينة حملًا ثقيلًا على بطليه وتقطع بينهم السُبُل.

وبطريقة مختلفة، أتى الأمريكي جيمس جراي في فيلمه "عاشقان" Two Lovers 2008 بعوالم دوستويفسكي إلى قلب الجيتو اليهودي الروسي في نيويورك المعاصرة لنجد بطلاً مُشوَّشًا وهشًّا يتعثّر في طريقه بعاشقات منكوبات بليالٍ خالية من الدفء، إذ تتنازع قلب البطل ليوناردو حبيبتان وسط أحوال عائلية قلقة. وأخيرًا هناك الاقتباس الحديث للمخرج الكازاخستاني ناريمان توريباييف الذي حمل اسم "مغامرة".

بينما حوّل المخرج الفنلندي آكي كوريسماكي "الجريمة والعقاب" إلى دراسة واقعية للمأزق الاجتماعي في باكورته الإخراجية التي حملت نفس الاسم في 1983، وكذلك فعل الكازاخستاني داريزان عميرباييف في فيلمه "طالب" (2012).

ولا ننسى بالطبع شكري سرحان ومحمود ياسين ومحمود عبد العزيز الذين لعبوا دور "رسكولينكوف" –بطل رواية دوستويفسكي "الجريمة والعقاب" - في ثلاثة محاولات سينمائية لتمصير الرواية بتوقيع المخرجين إبراهيم عمارة وحسام الدين مصطفى وأشرف فهمي بترتيب ظهور تلك الأفلام.

في عام 1994، استلهم المخرج الفرنسي لوي مال مسرحية أنطون تشيخوف "الخال فانيا" وتحوّل بها إلى مسارح نيويورك لينجز فيلمه "فانيا على شارع 42" بطريقة مشابهة لما حدث مع الاقتباس التشيكي "الأخوة كرامازوف" (2008) الذي أعاد حكاية الرواية الضخمة في أقل من 90 دقيقة وفي مكان واحد.

مع الاستثناء الوحيد الملحوظ للفيلم الروسي "منزل واطيء" (Down House) (2001) الذي قدّم نظرة مظلمة وكوميدية إلى رواية "الأبله" لدوستويفسكي، مغلَّفة بعبثية فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ فإن مثل تلك المقاربات "غير تقليدية" تأتي من مبدعين من خارج روسيا بالتأكيد وقد تخفّفوا من الثقل والضغط الثقافيين والوطنيين اللذين ربما يرزح تحتهما أغلب السينمائيين الروس حين يعنّ لهم الاقتراب من عالم دوستويفسكي. وبالطبع يُثبت تنوُّع التجارب السينمائية في اقتباس الأعمال الأدبية الروسية أن هناك قرابة عالمية بين حكايات "فانيات" و"سونيات" القرن التاسع عشر وفرصًا متعدِّدة للإتيان بتلك الحكايات وأبطالها إلى أيامنا الحالية.

وعودًا إلى بداية المقال، فإن "القرين" مثال نموذجي لبيان ذلك: فباستخدامه لدوستويفسكي كنقطة انطلاق لحكايته، يجد مُخرجه معانٍ وسياقات جديدة للقصّة. ففي العالم "الافتراضي" الذي نحياه حاليًا، نجد أن مسائل الهوية في الخطاب الفنّي تصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.

لذا فإن إحساس الإحباط والخوف الذي يستولي –في الفيلم- على "سيمون جيمس" لرؤية نفسه تافهًا، يعني -أولاً وقبل كلّ شيء- سعيًا كامنًا للتفرُّد في هذا العالم، وهذا هو ما يبحث عنه "أيودي" نفسه كمخرج بالموازاة مع شخصيته الرئيسية من خلال اللعب مع رواية دوستويفسكي والخروج بفيلم مبتكر.

ولكن أن تكون فريدًا ومبتكرًا لا يأتي من دون تأثيرات ومرجعيات، ودوستويفسكي ليس سوى واحدًا من تلك المرجعيات، إلى جانب "النافذة الخلفية" لهيتشكوك، و"برازيل" تيري جيليام، و"مستأجر" رومان بولانسكي، وإعلانات التلفزيون البريطاني في الثمانينيات.

وإذا كان هناك استنتاجًا يمكن استخلاصه من تلك الحقيقة (جلوس دوستويفسكي جنبًا إلى جنب مع الإعلانات في قائمة التأثيرات) فليس أن أحدًا لا يأخذ الكاتب العظيم على محمل الجدّ، ولكن بالأحرى ذلك يعني أن دوستويفسكي من الممكن أن يكون مَرِحًا ومُضحكًا و"كيوت" كذلك.