"ولد أمخيطير" ضحية جديدة في طابور ازدراء الأديان العربي

تستند العقلية السلطوية العربية على مرجعية شعبية، تشكل حائط صد ضد أي محاولة للتغيير من شأنها أن تعيد ترتيب الوضع الراهن

يعيش الواقع الحقوقي من المحيط إلى الخليج مأزقا يتأزم بمرور الوقت خاصة مع وجود قوانين من شأنها أن تعرقل الآراء الداعية إلى التغيير. فكتابة عمل أدبي، أو إنتاج فيلم سينمائي أو رفع لافتة تعبر فيها عن رأيك، كل هذه الأشياء يمكن أن تزج بك في السجن في أي بلد عربي. ورغم اختلاف الاتهامات صوريّا، فإن الواقع يشير إلى أن ما لا يقودك إلى السجن بتهمة الخروج على المقدسات الدينية، قد يقودك إليه بتهمة الخروج على الأنظمة السياسية.

وتستند العقلية السلطوية العربية في هذا على مرجعية شعبية، تتخذ من شوفينيتها ثلاثية الأبعاد (الطبقية- السياسية- الدينية) حائط صد ضد أي محاولة للتغيير، من شأنها أن تعيد ترتيب الوضع الراهن، الذي يمد بدوره هذه المرجعية بأفضلية تسمح لها دائما بالبقاء على قمة الهرم الاجتماعي/ السياسي/ الديني.

هذا بالضبط ما حدث مع محمد الشيخ ولد أمخيطير، الذي نظرت المحكمة العليا في موريتانيا قبل أسبوع إعادة محاكمته، بعدما صدر بحقه حكمًا بالإعدام بسبب مقال كتبه في أواخر عام 2013، ونشره موقع أقلام حرّة الموريتاني، يحكي الكاتب فيه عن العنصريّة التي تعانيها طبقة «لمعلمين» في موريتانيا، وأحال- وفقًا للمقال- هذه العنصريّة إلى صدر الإسلام.

وعلى إثر ذلك قُدم ولد أمخيطير للمحاكمة في مدينة نواذيبو، ليصدر في 24 من ديسمبر/ كانون أول من العام 2014 حكمًا بالإعدام، بتهمة إهانة الدين الإسلامي والمساس بالرسول. وفي 22 أبريل من هذا العام تم تأكيد حكم الإعدام، وهو الآن بانتظار التحقق من صدق توبته التي أعلنها أمام القاضي في اليوم ذاته.

جاء الحكم بناءً على نص القانون الموريتاني في مادته 306 والتي تقول: "كل مسلم ذكرا كان أو أنثى ارتد عن الإسلام صراحة، أو قال أو فعل ما يقتضي أو يتضمن ذلك، أو أنكر ما عُلم من الدين ضرورة، أو استهزء بالله أو ملائكته أو كتبه أو أنبيائه يحبس ثلاثة أيام، يستتاب أثناءها. فإن لم يتب؛ حكم عليه بالقتل كفرا، وآل ماله إلى بيت مال المسلمين".

وحتى اللحظة الرّاهنة وبحسب أحد أعضاء هيئة الدفاع فإن قضيّة ولد أمخيطير تلاقي تباطؤًا هدفه تعزيز المزايدات الدينيّة على حساب المدوّن الشّاب.

مؤتمر لحركات متشددة في موريتانيا للمطالبة بإعدام محمد ولد أمخيطير 

ونشر المحامي محمد ولد أمين مقالًا عبر حسابه الشخصي بتاريخ 24 أغسطس/ آب الماضي، على فيسبوك تحت عنوان"نازلة ولد أمخيطير"، قال فيه: إن انتماء ولد مخيطير لفئة المعلمين المضطهدة، وكتابته عنهم بهذه الحسرة، يستتبع شبهة المرض النفسي، وهو ما يرفع عنه أية عقوبة. وأنهي المحامي مقاله بأن الشريعة الإسلامية -ووفقا للقانون الموريتاني- تقول باستتابة ولد أمخيطير، ثم تكليف المحكمة العليا بمعاينة التوبة. وفي حال قبولها، تستبدل عقوبة الإعدام الموقّعة عليه بعقوبة لا تتجاوز مدتها سنتين، وقد قضى في السجن ما يفوق هذه الفترة. لا ينسى المحامي أن يشير إلى أنه لا يجوز منع التوبة عمن يقول بها، لذلك بات لزاما على القضاء الموريتاني إطلاق سراحه.

يقول أحمد ولد يحيى- طالب موريتاني يدرس بالقاهرة (يُعرِّف نفسه بالانتماء إلى طبقة الزوايا)؛ إنه لا يجوز لشاب ينتسب إلى طبقة " لمعلمين" أن يتزوج من فتاة من مجتمع البيظان، بينما من الممكن أن نجد شابا من البيظان يتزوج فتاة من لمعلمين.

الإعدام لمعاداة العنصرية

بعد نشر مقاله "الدين والتدين ولمعلمين"، خرجت مظاهرات في عدة مدن موريتانية وأمام القصر الرئاسي بالعاصمة نواكشوط، وطالبت بتطبيق الشريعة على محمد الشيخ ولد أمخيطير بتهمة الإساءة إلى الإسلام وتعمد السخرية من الرسول. الأمر الذى دعى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، إلى التصريح بأن الدولة ستقوم بواجباتها في الحفاظ على المقدسات الإسلامية.

وفقا لتقرير أممي قدم في مارس/ آذار من هذا العام في جنيف، فإن طبقة لحراطين من الأرقاء-أو الأرقاء السابقين بحسب بعض التوصيفات- تبلغ نسبتها من 40% إلى 60% من السكان، لكنها تبقى برغم ذلك مهمشة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، مقارنة بطبقة "البيظان" التي تبلغ نسبتها 25% والتي تقع على قمة الهرم الاجتماعي.

أدان التقرير السياسات المجتمعية تجاه طبقة لحراطين وسياسات التهميش التي ينتهجها المجتمع الموريتاني تجاه الطبقات غير المنتمية إلى الطبقتين المحظوظتين: الزوايا والبيظان.

كانت البداية في ثمانينيات القرن الماضي عندما أعلنت موريتانيا رسميًا في 1981 إلغاء العبودية، وتحرير طبقة العبيد أو "لحراطين"، لتكون بذلك آخر دولة عربية تُقدِم على هذه الخطوة، بعد السعودية التي لم تلغ الرق حتى عام 1970.

ثم جاءت الخطوة الثانية في عام 2007، عندما صدر قانون بتجريم الممارسات الاسترقاقية، وتلاه قانون آخر في ذات السياق صدر عام 2011.

لكن برغم هذه المحاولات؛ فإن حوالي 600 ألف موريتاني- وفقًا للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان- من طبقة لحراطين، يعانون الآن أشكالا مختلفة من العبودية، مازالت تمارس ضدهم بشكل واسع في المجتمع الموريتاني. والآن تضع منظمات حقوقية موريتانية مثل "مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" IRA مسؤولية التصدي للعبودية في المجتمع الموريتاني، والوقوف ضد سياسات التمييز في تولي المناصب الرسمية في الحكومة الموريتانية.

الطبقة التي تقاسمها هذا الاضطهاد هي طبقة لمعلمين، التي يعمل رجالها في الصناعة والحرف والمهن التقليدية، كالنجارة والحدادة والدباغة. ونساؤها يعملن في تزيين السيّدات، وتزيد نسبتها عن 7% من نسيج المجتمع الموريتاني وفق إحصاء تم عام 1991.

ومع شعورها المستمر بالاضطهاد؛ بدأت أول مواجهة من الطبقة للاضطهاد الذي يمارس ضدها، بإطلاق حركة اجتماعية عرفت بـ"مبادرة لمعلمين"، التي انبثقت عن مبادرة "الصنّاع العرب" عام 2009.

ويقول أحمد ولد يحيى- طالب موريتاني يدرس بالقاهرة (يُعرِّف نفسه بالانتماء إلى طبقة الزوايا)؛ إنه لا يجوز لشاب ينتسب إلى طبقة " لمعلمين" أن يتزوج من فتاة من مجتمع البيظان، بينما من الممكن أن نجد شابا من البيظان يتزوج فتاة من لمعلمين. ويضيف: "لكن هذا الأمر قليل الحدوث، ولهذا فإن هذه الطبقات تتقوقع على نفسها وتزداد حدة التوترات فيما بينها بمرور الوقت". وبسؤاله عن رأيه فيما كتب ولد أمخيطير، أبدى ولد يحيى انزعاجه من هؤلاء الملحدين- وفق وصفه- الذين يخرجون على تقاليد المجتمع الموريتاني، ويسبون المقدسات الدينية.

يمكن بلورة الصراع الطبقي في موريتانيا بين طبقتي «الزوايا» و"البيظان» من جهة- اللتان تحتكران العلم والكهانة والوظائف المرموقة؛ وبين طبقتي لحراطين ولمعلمين من جهة أخرى. فبينما تسعى المجموعتان الأخريان للعيش بحياة كريمة وفق معايير الصعود الاجتماعي، تستخدم الطبقتين الأوليين سلطاتهما الدينية والسياسية في إلصاق التهم بطبقة «لمعلمين»، لتمنعاها من محاولة تغيير الوضع الرّاهن.

من مظاهرات لحراطين ضد العنصرية الممارسة ضدهم في موريتانيا

وهو ما دفع محمد ولد بيه رئيس مبادرة لمعلمين، إلى التصريح بأن الصراع الناشئ بين الزوايا ولمعلمين، أصله أن لمعلمين بدأوا في تقليص الفوارق بينهم وبين الزوايا، خاصة فيما يتعلق بمسألة التعليم. الأمر الذي وجدته الطبقة المحظوظة خروجًا على المألوف.

لم يكتب "صلى الله عليه وسلم"

وفقًا لموقع صحراء ميديا، فإن ولد أمخيطير قد أجاب عندما سأله القاضي عن تدوينة عبر فيسبوك كتب فيها "أن تكون ملحدًا بقلب سليم خير من أن تكون مسلما بقلب لئيم"- أجاب بأنه كان يقصد مجتمع البيظان.

وفقًا لموقع الأخبار الموريتانية، فإن النيابة أثناء المحاكمة قد رأت إن هناك مجموعة من الأسباب تكفي لإدانة المتهم، منها اعترافه في جميع مراحل التحقيق بأنه كاتب المقال، ثم يأتي بعد ذلك تكرار الكاتبُ كتابة اسم الرسول 17 مرة دون الصلاة عليه! وعندما سُئل ولد أمخيطير عن ذلك قال إن ذلك ناتج عن خطأ مطبعي.

ووفقًا لموقع صحراء ميديا، فإن ولد أمخيطير قد أجاب عندما سأله القاضي عن تدوينة عبر فيسبوك كتب فيها "أن تكون ملحدًا بقلب سليم خير من أن تكون مسلما بقلب لئيم"- أجاب بأنه كان يقصد مجتمع البيظان.

سأله القاضي أيضًا عن تدوينة كتب فيها ولد أمخيطير "قد يقول قائل: وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون"، فأجاب بأنه لم يكن يعلم بأنها من القرآن الكريم.

أعلن ولد أمخيطير في جلسة المحاكمة الأخيرة "توبته" نصًا وفقًا لوكالة "كيفه" الموريتانية: "أشهد الله تعالى العالي المتعالي على توبتي من كل خطأ اقترفته في حياتي، وأبرأ إليه تعالى مما أقدمت على كتابته في ذلك المقال، وأقر بخطئي وأتضرع إلى الله طلبا لعفوه ومغفرته وأطلب من المحكمة تفهم توبتي والتجاوز والعفو عن ذلك الخطأ الذي أشهد الله على توبتي منه، والتي أعلنتها سابقا وكتبتها أيضا في المراحل الأولى للتقاضي، وتم تغييبها وصم الآذان عنها، وأعلنها اليوم بإرادتي وبكامل وعيي، توبة نصوحا لله ولا لغيره".

دوائر العبودية

مقال ولد أمخيطير يمثل صرخة يعبر فيها عن رؤيته للعلاقة بين الأبنية الدينية والاجتماعية، حيث تتأسس تلك الأبنية على علاقات ظالمة، تكون فيها المسافة الفاصلة بين النبي وأي فرد آخر، هي ذات المسافة الفاصلة بين من يملك ومن لا يملك. وبالتالي فإن السؤال الذي يقول: لماذا اختير هذا الفرد نبيًا؟ يقود بالضرورة إلى السؤال: لماذا اختير هذا الفرد غنيًا؟

الخطاب الوارد في نصوص منسوبة للنبي مثل "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" و "الناس سواسية كأسنان المشط"، تدحضه وقائع كثيرة جدًا في التاريخ الإسلامي، أعطت الأفضلية لذوي القربى والمكانة.

لذلك فإن التماس الحقيقي والأكثر قوة، الذي يمنح كلا النظامين (البنيان الديني والبنيان الطبقي) القدرة على الاستمراريّة، يكمن في فكرة أشار إلى مساوئها إميل سيوران: "هوس الأفضل". أو قل إن شئت الأفضلية الهيراركية: "أنا أفضل منك، وأنت أفضل منه، وهو أفضل منها..إلخ". وهي الفكرة ذاتها منفيّة، التي أشار إليها غراكوس بابوف حين قال: "إننا ينبغي أن نعمل على إيجاد ذلك المجتمع الذي لايرغب فيه أحد الأفراد، أن يكون أفضل أو أحسن من أي فرد آخر". وهي فكرة تجدها ضدها الأكثر قوة في الأنظمة الطبقيّة التي تقول كتبها المقدّسة: "ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات".

ولأجل تأكيد هذه الفكرة، تنبغي الإشارة إلى طبيعة العلاقة التبادلية بين هذين النظامين: فالنظام الديني/ الغيبي بحاجة إلى نظام دنيوي، قائم على التمييز بين الأفراد- ويزرع فيهم هوسًا بالتملك- وهو أحد صور الأفضليّة الأكثر قوة. فهو يدفعهم نحو النضال من أجل المزيد الخيالي في النعيم الأخروي.

من مظاهرات موريتانية للمطالبة بإعدام ولد أمخيطير 

الأمر تقريبا ذاته بالنسبة للنظام الدنيوي، فهو بحاجة إلى نظام ديني يدعم الوضع الراهن ويعرقل محاولات التغيير. فمن جهة، يوجه الدين أنظار الناس إلى الآخرة باعتبارها دار القرار. ومن جهة أخرى، يبرر وجودهم كمضطهدين تم وضعهم في دائرة الابتلاء. ولهذا قال بول لافارج إن مصلحة البورجوازي تقتضي أن ينفق العامل وقته في غير التفكير في أوضاعه المزرية، وقد برزت الغيبية الدينية لتقوم بهذا الدور على الوجه الأمثل.*

بعيدًا عن الغنائية ومحاولة تكرار ما جاء في المقال، فإن الخطاب الوارد في نصوص منسوبة للنبي مثل "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" و "الناس سواسية كأسنان المشط"، تدحضه وقائع كثيرة جدًا في التاريخ الإسلامي، أعطت الأفضلية لذوي القربى والمكانة. فبالإضافة إلى ما ذكره ولد أمخيطير في مقاله، نشير إلى واقعة حدثت يوم فتح مكة، عندما استثنى الرسول من العفو أربعة رجال وامرأتين أمر بقتلهم حتى لو تعلقوا بأستار الكعبة- وقد تعلق أحدهم بالفعل- لكن عبد الله بن أبي السّرح، الناجي الوحيد من التهديد، كان قد تعلق بأستار بيت عثمان.

ويتعدى الأمر هذه الوقائع إلى خطابات صريحة جعلت من حامل الرسالة محورًا لها، صاحب أفضلية تتجاوز التاريخ البشري بدءًا من "كنت نبيًا وآدم بين الماء والطّين" ومرورًا بـ "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه".

قد يرى البعض أنّه كان من الواجب أن يكرس المرء جهده مباشرة لدفع الاضطهاد الطبقي الواقع عليه، بدلا من الانزلاق وراء صراعات جانبية كالتي وقع فيها ولد أمخيطير، أو التي تناقش في هذا الموضع. لكن المسألة هي أنه لن يتمكن أحد من تغيير العالم؛ إلا إذا كانت لديه معرفة حقيقية به تمكنه من تغييره فيما بعد.

وإذا كانت البداية قد جاءت من النظام الغيبي عندما كانت تلك الغيبية أرضًا خصبة لفكرة جعلت من أشجار الفاكهة التي تنبت فوق قبر الميت ملكًا لأهل هذه الميت**، فإن العودة إليه- كما فعل ولد أمخيطير- لدحضه، وبالتالي دحض الأفكار التي تنتج عنه؛ أمرًا لابد منه، إذا أرادنا إعادة النظام العادل إلى الحياة. النظام الذي لن نكون بحاجة فيه إلى الغناء: لا لأسياد ولاآلهة!

______________________

*: بوعلي ياسين، الثالوث المحرّم: دراسات في الدين والجنس والصراع الطبقي، دار الطّليعة: بيروت