نصف في المائة.. نصيب النساء في منصة القضاء

ما تمر به أمنية جاد الله يتكرر مع العديد من النساء اللائي يتقدمن لشغل مناصب قضائية، في تفعيل واسع لدور العُرف والمتواتر من الشرع على حساب الدستور والقانون.

"سأظل أكرر العدالة البطيئة أسوأ انواع الظلم" هكذا رددت أمنية جاد الله في 20 أغسطس/ آب 2017 عند سؤالها عمّا وصلت إليه الدعوى التي تقدمت بها أمام المحكمة الإدارية العليا في 30 مارس/آذار 2014، للطعن علي قرار مجلس الدولة بالامتناع عن تسليم الخريجات ملف شغل وظيفة مندوب مساعد بالمجلس.
مشوار الحرمان من العمل بالقضاء لم يقف عند تعليق دعواها لسنوات دون أن تقترب حتى من الفصل، وإنما امتد -كما اشارت في 14 يوليو/تموز 2017- إلى حرمانها من حق التقاضي على درجتين وقصر دعواها على التقاضي لدرجة واحدة فقط، بعد تحويل دعواها إلى الإدارية العليا مباشرة دون المرور بالدرجة الأدنى، وعدم وجود جهة أعلي يمكن الطعن أمامها إذا انتهى الحكم لغير صالحها. وبالتالي لم يعد من حقها إثارة الموضوع والمطالبة بحقها الدستوري مرة أخرى، في إخلال بحقها في التقاضي والدفاع.

ما تمر به أمنية جاد الله يتكرر مع العديد من النساء اللائي يتقدمن لشغل مناصب قضائية، في تفعيل واسع لدور العُرف والمتواتر من الشرع على حساب الدستور والقانون. فرغم أنه لا يوجد نص قانوني ولا دستوري يمنع النساء من تولي المناصب القضائية، تظل النداءات تتكرر لتفعيل نص المادة 11 من الدستور المصري لسنة 2014، التي تنص على كفالة الدولة لتحقيق المساواة بين المرأة والرجل في كافة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تكفل للمرأة حقها في تولى الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الهيئات والجهات القضائية دون تمييز ضدها.

ورغم وصول عدد القاضيات في مصر إلى 68 قاضية بقرارات إدارية من مجلس القضاء الأعلى صدق عليها رئيس الجمهورية؛ تبقى نسبة النساء اللائي وصلن إلى هذا الموقع ضئيلة جدًا ولا تتجاوز نصف بالمائة من مجموع الجالسين على منصات القضاء.

الحملة التي انطلقت مطلع هذا العام للمطالبة بحق النساء في العمل بالمناصب القضائية ليست هي الخطوة الأولى في نضال المعنيات بهذا الحق، فقد سبقتها العديد من المحطات والمعارك القضائية التي أقدمت عليها نساء من خلفيات اجتماعية وسياسية مختلفة، سعيًا لنيل هذا الحق الدستوري. ومنها محطات قضائية هامة تطرقت إليها ورقة تحليلية صدرت عن "نظرة للدراسات النسوية" في مطلع هذا العام، بعنوان "عن غياب الاستحقاق الدستوري للنساء وحقهن في التواجد داخل الهيئات والجهات القضائية المصرية في عام المرأة".

معركة مجلس الدولة

وفقاً لكتاب تاريخ ما أهمله التاريخ: تروي الدكتورة عائشة راتب -صاحبة أول دعوى للمطالبة بتعيين النساء في مناصب قضائية للإذاعي عمر بطيشة، أنها قررت التقدم لمنصب مندوب مساعد في مجلس الدولة وهي مازالت حديثة التخرج في يوليو 1949، لتوفر شروط التقديم لديها، وبعدما قابلت الدكتور عبد الرازق السنهوري رئيس مجلس الدولة -وقتها- في الإسكندرية، ضمن الطلاب العشر الأوائل على دفعتها، توقعت بعد المقابلة أن تعيينها محسوم. لكن سرعان ما صدمت بالرفض بعد أن تم عرض الموضوع على حسين باشا سري رئيس الوزراء وقتها، وعلمت بأنها رُفضت لأن تعيين فتاة في مجلس الدولة "يتعارض مع تقاليد المجتمع المصري".

د. عائشة راتب

في 27 أكتوبر/تشرين الأول 1949، أقامت راتب دعواها رقم 23 لسنة 4 قضائية، تطعن في تعيين الطالب الذي حل محلها في القرار الذي أغفلها، وتطالب بتعديل هذا القرار لأنه ينطوي على إساءة استعمال السلطة. ولكن تم رفض الدعوى في جلسة 20 فبراير/شباط 1952، وصدر الحكم من الدائرة الثانية برئاسة المستشار علي السيد، ونشرت حيثيات الحكم في كتاب "المرأة ومنصة مجلس الدولة" الصادر عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

هذا النمط من الرفض لاعتبارات الوقت والملائمة واجه محاولة للتغيير الجذري من داخل مجلس الدولة نفسه فيأغسطس 2009، لكن عاكس هذا التوجه الاصلاحي تحرك مفاجئ من الجمعية العمومية.

محاولات عائشة راتب، رغم ذلك، لم تتوقف. يذكر الكتاب نفسه تقدمها في 5 أبريل/نيسان 1950 بمذكرة لإدارة قضايا الحكومة (هيئة قضايا الدولة حاليًا) طالبة تعيينها محامية بالإدارة. وجاءها الرد بالرفض في غضون أيام، بخطاب من سكرتير عام إدارة قضايا الحكومة بأن طلبها قد أحيل إلى النيابة الحسبية "طوعا لأمر مدير الإدارة ونزولا على إرادة وزير العدل". وفي جلسة 22 ديسمبر/كانون الأول 1953، بعد ثلاث سنوات، حكم المستشار عبد الرازق أحمد السنهوري برفض الدعوى، وإلزام المدعية بالمصروفات لأن المحكمة قدرت أن "الوقت لم يحن لتتولى المدعية منصبا في إدارة القضايا أو في النيابة العامة، ولم يثبت للمحكمة أن هذا التقدير قد شابه تعسف أو انحراف".

لكن هذا النمط من الرفض لاعتبارات الوقت والملائمة واجه محاولة للتغيير الجذري من داخل مجلس الدولة نفسه في 24 أغسطس2009، عندما وافق المجلس الخاص بمجلس الدولة (وهو المجلس المختص بالنظر في تعيين أعضاء المجلس) بالإجماع على الإعلان عن قبول تعيين مندوبين مساعدين بمجلس الدولة من خريجي وخريجات كلية الحقوق من دفعتي 2008- 2009.

بناء على ذلك، تم الإعلان عن فتح باب تقديم الطلبات، وتقدم عدد كبير من الخريجين والخريجات. ثم اجتمع المجلس الخاص للمرة الثانية في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2009، بعد غلق باب تقديم الطلبات، ووافق بالإجماع على إجراء المقابلات اللازمة للخريجات للتعيين في الوظيفة المعلن عنها. واجتمع مرة أخرى في 18 يناير/كانون الثاني 2010 ووافق بالأغلبية على استكمال السير في إجراءات تعيين من تقررت صلاحيتهن للوظيفة.

لكن عاكس هذا التوجه الاصلاحي تحرك مفاجئ من الجمعية العمومية لمجلس الدولة التي انعقدت في 15 فبراير/ شباط 2010، بحضور 380 مستشارًا، صوّت 42 منهم فقط لصالح تعيين النساء في المجلس؛ في حين رفض 334 وامتنع 4 آخرين، وانسحب رئيس المجلس قبل بدء التصويت. وقررت الجمعية العمومية في ذات الجلسة أنها هي المختصة بكل ما يتعلق بتكوين المجلس وتشكيله وتنظيمه.

وفي تلك الأثناء تقدم وزير العدل في 18 فبراير 2010 إلى المحكمة الدستورية العليا، بطلب تفسير نص البند (1) من المادة 73 من قانون مجلس الدولة التي تنص على أنه "يشترط فيمن يعين عضوًا بمجلس الدولة: أن يكون مصريًا متمتعًا بالأهلية المدنية الكاملة"، والفقرة الثالثة من المادة (83) من القانون نفسه التي تنص على "ويعين باقي الأعضاء والمندوبين المساعدين بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس الخاص للشؤون الإدارية". تحرُّك وزير العدل جاء بناء على طلب من رئيس مجلس الوزراء، بعد احتدام الموقف في مجلس الدولة.

بعدها بأيام، في 22 فبراير 2010، تراجع أغلب أعضاء المجلس الخاص عن موقفهم، وقررت الأغلبية وقف إجراءات التعيين النساء بالمجلس. وفي اليوم نفسه، أصدر رئيس المجلس المستشار محمد الحسيني قرارًا منفردًا برقم 92 لسنة 2010 باستكمال إجراءات التعيين لمن تقررت صلاحيتهن، بعد استيفائهن التحريات اللازمة واجتياز الكشف الطبي تمهيدًا لعرضهن على المجلس الخاص مرة أخرى لاستصدار قرار رئيس الجمهورية بهذا التعيين.

بناء على هذا القرار، انعقدت الجمعية العمومية الطارئة الثانية للمجلس في أول مارس بحضور 319 مستشارًا ليس من بينهم أي عضو من أعضاء المجلس الخاص، وانتهت بامتناع مستشارين اثنين عن التصويت، وموافقة 317 مستشارًا على إرجاء تعيين المرأة قاضية بمجلس الدولة، واعتبار الجمعية في حالة انعقاد دائم لمتابعة تنفيذ قراراتها. وفي 14 مارس، أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها الذي رفضت بموجبه تفسير البند (1) من المادة 73 من قانون مجلس الدولة، وذلك لأنه لم يختلف الرأي حول تفسير مدلوله، "إذ لم ينازع أحد في انطباقه على كل من يحمل الجنسية المصرية"، وبذلك قضت المحكمة ضمنًا أن كلمة مصري في المادة المذكورة تشمل كل من يحمل الجنسية المصرية من الرجال والنساء.

وبعيدًا عن المنصة، تظل المنظومة القضائية كلها تقريبًا، عصية على النساء. يظهر ذلك في رفض تعيين النساء بالنيابة العامة التي تعد مرحلة أساسية قبل تولي المناصب القضائية

أما في ما يخص تفسير الفقرة الثالثة من المادة (83)، فقد قبلت المحكمة تفسيره، وقضت المحكمة في حكمها أن "الاختصاص بالموافقة على تعيين المندوبين المساعدين بمجلس الدولة، معقود للمجلس الخاص للشؤون الإدارية دون الجمعية العمومية للمجلس".

رفضت الجمعية العمومية لمجلس الدولة قرار المحكمة الدستورية، واعتبرته تدخلاً في شؤونها، وتمسك أعضاء الجمعية بأنها "السلطة العليا التي تتولي أمور المجلس الداخلية"، ولكن في هذه المرة قرر المجلس الخاص تهدئة الأوضاع لحين إعادة تشكيله مرة أخرى بسبب خروج بعض رجاله على المعاش. كما قرر تشكيل لجنة ثلاثية برئاسة المستشار عادل فرغلي لبحث عمل النساء بالمجلس، وإعداد تقرير يعرض على المجلس الخاص لمناقشته واتخاذ قراره بناءً على نتائجه.

في يونيو التالي، أعلن المجلس الخاص عن قبوله التوصيات الصادرة عن اللجنة الثلاثية، وإرجاء تعيين النساء لحين اكتمال المرافق من استراحات ودور حضانة. ومن ثَم أوقفت جميع إجراءات التعيين للمندوبين والمندوبات التي ثار بسببها هذا النزاع، وأعلن مجلس الدولة قبوله لدفعة جديدة وحصر الدعوة للتعيين على خريجي 2008-2009، وحذفت كلمة "خريجات" من الإعلان.

الدستورية.. محاولة لم تكتمل

المستشار تهاني الجبالي 

أما في المحكمة الدستورية، فتجربة تمثيل النساء كانت تجربة رائدة حدثت لمرة واحدة فقط. ففي 22 يناير/كانون الثاني 2003 صدر قرار جمهوري برقم 26 لسنة 2003 بتعيين المحامية تهاني الجبالي ضمن هيئة المستشارين بالمحكمة الدستورية العليا، لتصبح أول قاضية مصرية ونائب رئيس المحكمة الدستورية العليا المصرية (سابقًا)، وتركت منصبها عقب إقرار دستور 2012 الذي تشكلت بموجبه هيئة المحكمة من رئيسها وأقدم 10 من أعضائها، على أن يعود الأعضاء الباقون إلى أماكن عملهم التي كانوا يشغلونها قبل تعيينهم في المحكمة. وبالتالي تم استبعاد الجبالي لتعود للعمل بالمحاماة.

أثر الإجراءات الاستثنائية

وبعيدًا عن المنصة، تظل المنظومة القضائية كلها تقريبًا، عصية على النساء. يظهر ذلك في رفض تعيين النساء بالنيابة العامة التي تعد مرحلة أساسية قبل تولي المناصب القضائية ومكوّن أساسي في المنظومة القضائية كلها، كونها تتولي التحقيق وتحريك ومباشرة الدعاوى الجنائية أمام المحاكم.

لكن النساء حاولن المقاومة. ففي عام 1992 تقدمت المحامية فاطمة لاشين لوظيفة مساعد للنيابة العامة عقب تخرجها، وبعد شهر من تقديم الطلب علمت بأنها استُبعدت بسبب كونها سيدة، ومن هنا بدأت سجالها القانوني أمام القضاء المصري حيث أقامت دعوى في مجلس الدولة ضد وزير العدل لأنها قدمت أوراقها عن طريق مسابقة للتعيين في وظيفة مساعد نيابة، إلا أن أوراقها رُفضت على أساس قبول الذكور فقط، وبعد ذلك أقامت دعوى أخرى أمام دائرة فحص طلبات رجال القضاء بمحكمة النقض، واستمرت الدعاوى من 1992 حتى 2005، وحتى الآن لم يصدر حكم أو قرار في ذلك.

ورغم ما يبدو من إصرار على هذا التوجه الرافض لعمل النساء في تلك الهيئة، إلا أنه يصدر من حين لآخر قرارات غير دورية من المجلس الأعلى للقضاء بنقل عضوات من النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة إلى المحاكم الاقتصادية، ومحاكم الأسرة والمدنية والجنائية، تسري بعد تصديق رئيس الجمهورية. ففي 12 أبريل 2007، صدر قرار جمهوري بنقل 30 سيدة من النيابة الإدارية إلى جهات القضاء العادي وتعيينهن كقاضيات، وفي 3 مايو 2008 صدر قرار جمهوري آخر بالمنطوق نفسه لصالح 12 سيدة أخريات.

القضاء للرجال فقط

والمثير للدهشة أنه وفقا لما نشر على موقع مؤسسة المرأة الجديدة، فقد تم تعيين 20 قاضية بمحاكم أمن الدولة طوارئ بقرار من رئيس الجمهورية، ونشر القرار في الجريدة الرسمية عدد سبتمبر/أيلول 2008. ولكن على رغم من وجود تلك الجهود القليلة في عملية الإصلاح؛ أعلنت النيابة العامة في 2010 عن تعيين دفعة جديدة، مع وضع جملة لا للفتيات.

لكن الإجراء غير الدوري باتخاذ رئاسة الجمهورية قرارات بنقل السيدات من النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة إلى جهات القضاء العادي تكرر في 18 يونيو 2015، وتم نقل 26 سيدة لمناصب قضائية ليصبح عدد القاضيات في مصر حتى الآن 68 قاضية.

وتظهر لنا التناقض في حرمان النساء من العمل في هيئة النيابة العامة؛ على الرغم من كونهن تتولين نفس القضايا عند عرضها عليهن في الدوائر المدنية والجنائية وفي المحاكم المتخصصة كالاقتصادية والأسرة والطفل، كأقرانهن من القضاة الرجال. إلا أن المجلس الأعلى للقضاء يفضل عدم دخولهن السلك القضائي عبر الطريق المؤسسي التقليدي من خلال العمل بالنيابة العامة؛ مستحدثًا لذلك إجراء غير دوري وغير مؤسسي يتمثل في القرارات الجمهورية بنقل عضوات من النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة وتعيينهن مباشرة في المحاكم المختلفة، بعد إجراء اختبارات وامتحانات لهن لمعالجة فجوة التدرج الوظيفي.

نصف في المئة

تؤكد لنا تلك التناقضات على أبوية البُنى التنظيمية للجهات والهيئات القضائية بمصر. بالإضافة إلى أن هذا الإجراء المتبع من المجلس الأعلى للقضاء أثبت كونه إجراء شكلي لا يحقق المساواة المرجوة، فوفقًا لما صرحت به الدكتورة مايا مرسي رئيسة المجلس القومي للمرأة في 22 مارس 2016 فإن نسبة عدد القاضيات بمصر هي نصف بالمائة. وهي في الحقيقة نسبة ضئيلة جدًا عند مقارنتها بتاريخ صدور أول وآخر قرارين بتعيين النساء لتولي مناصب قضائية، أي بين عامي 2007 و2015. فخلال ثمانية أعوام فاصلة بين القرارين وصلت نسبة القاضيات المعينات بالكاد إلى نصف بالمائة من مجموع قضاة مصر.

كما أن تعيين القاضيات بتدخل فوقي عبر إجراء غير مؤسسي يتسبب في حرمانهن من الخبرة القانونية التي يكتسبها أعضاء النيابة العامة الرجال خلال سنين عملهم كمحققين، ومن تدرجهم الوظيفي قبل توليهم منصة القضاء؛ نظرًا لأن أغلب القاضيات خبراتهن وتجاربهن القانونية تتكون من عملهن في النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، وهي هيئات مهامها و اختصاصاتها مختلفة كليًا عن مهام واختصاص هيئة النيابة العامة.

تمسكت هيئة مجلس الدولة بموقفها الرافض لتعيين النساء لاعتبارات الملاءمة وعدم جاهزية المرفق، ولكن هذه المرة مع تجاهل تام لصراحة نص المادة 11 بالدستور المصري

الحراك الآن

التباطؤ والتجاهل يخيمان على موقفي مجلس الدولة والنيابة العامة، لكن الدفع يتصاعد من جانب الخريجات المتضررات من قرارات رفض تعيينهن. فخلال العقد الماضي دار حراك مجتمعي قوي من خلال منظمات المجتمع المدني ابتداء من حملة معا من أجل المرأة قاضية التي أطلقتها 15 منظمة في 15 مارس 2010 بعد الحكم الذي أصدرته الدستورية بتفسير نص البند (1) من المادة 73 والفقرة الثالثة من المادة (83) من قانون مجلس الدولة.

وصولاً لحملة هي والمنصة التي أطلقتها نظرة للدراسات النسوية ومؤسسة قضايا المرأة المصرية في 28 أغسطس 2016، بهدف تسليط الضوء على قضية غياب النساء عن بعض المناصب القضائية، في إخلال بمبدأ تكافؤ الفرص وانتهاكًا لاستحقاقات النساء الدستورية، وبهدف وضع هذه القضية على قائمة الأولويات السياسية الحالية.

أما الخريجات أنفسهن فلا زلن يخضن السجالات القضائية للرد على الأعراف بالقانون. ففي يناير 2014 تقدمت 20 خريجة بتظلم إلى مكتب رئيس مجلس الدولة، وقمنّ في نفس اليوم بتحرير محضر بقسم الدقي بإثبات حالة رفض المجلس تسليمهن ملف طلب التعيين، وطالبن المجلس بإلغاء قرار امتناعه عن تسليم الملفات لهن. ولكن رغم محاولتهن؛ صدر قرار في 8 سبتمبر 2015 بتعيين مندوبين مساعدين من خريجي دفعة 2013، واقتصارها على الذكور فقط بموجب القرار الجمهوري رقم 356 لسنة 2015.

ويبدأ عام 2017 بإطلاق بيان استغاثة من الخريجات المتضررات من دفعات 2013 و2014 و2015 من قرار مجلس الدولة برفض تعيينهن، تبعه صدور تقرير هيئة مفوضي مجلس الدولة بشأن دعوى مقدمة من إحدى الخريجات، تمسكت فيه الهيئة بموقفها الرافض لتعيين النساء لاعتبارات الملاءمة وعدم جاهزية المرفق، ولكن هذه المرة مع تجاهل تام لصراحة نص المادة 11 بالدستور المصري والتعقيب عليها بأن المُشرِّع "لم يُلزم بتحقيق مبدأ المساواة في تولي الوظائف العامة إلزامًا لا فكاك منه".

لكن بيان الخريجات الرافض لهذا القرار، وإصرارهن على استمرار السجال القانوني والقضائي؛ يذكرنا بوجود مجموعة قليلة من الفتيات يرفضن الاستسلام والتخلي عن حلمهن وحلم من سبقنهن، ويصررن على خوض معركة حول معنى العدالة والعدل كما عرَّفه ابن منظور، صاحب لسان العرب "بأنه ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور .. فالعدل هو الحكم بالحق".