منتخب مصر عام 1985. المصدر: صفحة "تاريخ الكرة في مصر" على فيسبوك

ربيع كرة الفراعنة

في عقد الثمانينيات بدأت كرة القدم المصرية تغزو إفريقيا بشكل حقيقي، فرغم الأسماء اللامعة التي توهجت في السبعينيات بزعامة المثلث المؤلف من فاروق جعفر وحسن شحاتة وطه بصري، لم ينجح الفراعنة في تحقيق لقب كبير لا على مستوى المنتخب أو حتى الأندية.

قبلها كانت مصر معتادة على المشاركة في الدورات الأوليمبية، أما الإنجازات القارية فكانت مقتصرة على الفوز بأول لقبين لكأس الأمم عامي 1957 و1959، وتتويج الإسماعيلي الشهير بدوري الأبطال عام 1969 على حساب حامل اللقب في العامين السابقين تي بي مازمبي بمسماه القديم إنجلبير، وقتما كانت بلاده تدعى زائير بدلا من الكونغو الديمقراطية.

فريق الدراويش ذلك لم ينجح في وراثة عرش انجلبير، وحين قاد نجمه علي أبو جريشة وزميله سيد عبد الرازق "بازوكا" مع مثلث الزمالك الهجوم المصري في كأس الأمم عام 1974 بالقاهرة كانت الصدمة كبيرة بالخسارة في نصف النهائي أمام زائير؛ التي جمعت في ذلك العام بين التتويج القاري والمشاركة المونديالية في ألمانيا.

صدمة أخرى عرفتها الكرة المصرية في شتاء 1977، فالهزيمة المدوية أمام تونس في ملعب المنزه بأربعة أهداف لواحد حطمت آمال التأهل إلى مونديال الأرجنتين في العام التالي، وكأن دخول موهبة عبقرية كمحمود الخطيب على الفريق المدجج بالنجوم لم يكن كافيا لصناعة مجد قاري.

الجيل الذهبي للزمالك ويظهر بين صفوفه حسن شحاتة وفاروق جعفر وغيرهما. المصدر: تاريخ الكرة في مصر

ولما جاءت الثمانينيات أخيرا لم يكن المسرح الإفريقي مُعدًا لعرض منفرد من المصريين، ولكن تراكم الخبرات مع المواهب الجديدة لعب دوره، فيما يبدو.

في تلك الفترة تشكل في نادي المقاولون العرب فريق انتزع لقب الدوري عام 1983 وسط احتدام الصراع بين القطبين الكبيرين، بل إنه سبقهما إلى التتويج القاري بالفوز ببطولة أبطال الكؤوس عام 1982 ثم حافظ على لقبه في العام التالي تزامنا مع فوز الأهلي بدوري الأبطال للمرة الأولى، والذي أتبعه بثلاثية في أبطال الكؤوس أبقت اللقب مصريا لخمس سنوات متتالية.

فاروق جعفر بدوره أبى أن يترك الزمالك دون إنجاز كبير فقاده للفوز بلقب دوري الأبطال عام 1984 ليكمل من خَلَفه المهمة برفع الكأس عام 1986 ليبقيها الأهلي في مصر بتتويجه باللقب ذاته في العام التالي.

لقب مفقود

وسط تلك الأجواء وقبل أن تبلغ ذروتها كان محمد عبده صالح الوحش يختار قائمة لتمثيل الفراعنة في كأس الأمم خلال شهر مارس 1984 بكوت ديفوار، والمهمة لم تكن سهلة على الإطلاق، فالقرعة أوقعت الفراعنة مع أصحاب الأرض، والكاميرون التي دونت مشاركتها المونديالية الأولى في إسبانيا دون هزيمة، وتوجو التي بلغ فريقها أجازا لومي نهائي أبطال الكؤوس قبل شهور.

خيارات الوحش كانت تعكس توزع موازين القوى في مصر وقتها، فالمقاولون العرب يشارك بأربعة من نجومه على رأسهم المدافع علي شحاتة، أما الأهلي فهو يقدم ربيع ياسين مجدي عبد الغني بلدوزر الوسط وطاهر أبو زيد العائد من تألق كبير خلال مونديال الشباب بأستراليا، في حين كان الغزال إبراهيم يوسف أبرز الوجوه الزمالكاوية في التشكيل.

افتتحت مصر البطولة بلقاء الكاميرون، وجاء الفوز من ركلة حرة مباشرة نفذها أبو زيد قبل اثنتي عشرة دقيقة من النهاية، ثم سجل مارادونا النيل ثنائية الفوز على كوت ديفوار بين جماهيرها في الجولة الثانية (2-1) ليضمن صدارة المجموعة للفراعنة قبل التعادل السلبي مع توجو.

يحار المصريون حتى الآن كيف ضاع التقدم على نيجيريا بهدفين في نصف النهائي، تارة يقولون التحكيم، وأخرى يلومون التراخي، ولكن النتيجة كانت واحدة، تعادلا ذهب إلى ركلات الترجيح التي ابتسمت للنسور ليخسر بعدها المصريون مباراة المركز الثالث أمام الجزائر التي ثأرت وقتها لإقصائها من تصفيات أوليمبياد لوس أنجليس.


بطولة 1984 ظلت تمثل لقبا مفقودا لفريق يرى كثيرون أنه كان الأولى بالتتويج، خاصة بعد أن فاز على الكاميرون البطلة في الدور الأول، وقدم عروضًا ممتعة في وقت كانت البطولة تتشكل من ثماني فرق فقط هي صفوة القارة.

بعد انتهاء تجربة صالح الوحش، كان منطقيا أن تعود مصر بقوام مشابه للفوز بكأس الأمم بعدها بعامين على أرضها، وأن تقدم عروضا قوية رغم خروجها المبكر في نسخة 1988 بالمغرب، ثم جاء إنجاز التأهل إلى مونديال إيطاليا 1990 كخير إسدال للستار على حقبة ذهبية رفع فيها المصريون علمهم في كل بقعة بالقارة.

في ذلك العقد أيضا اختير محمود الخطيب كأفضل لاعب إفريقي عام 1983 وكاد إبراهيم يوسف أن يحقق نفس الإنجاز في العام التالي لولا أفضلية نسبية لتيوفيل أبيجا المتوج مع الكاميرون باللقب القاري في كوت ديفوار، والذي ترك بصمة لدى المصريين جعلت قميصه يزين جدران مكتب مجدي عبد الغني حتى بعد اعتزاله بسنوات طوال.



ملامح

رأى البعض أن التوهج المصري في الثمانينيات تزامن مع خروج النجوم الأفارقة للاحتراف في أوروبا؛ ولكن الزمالك مثلا حين انتزع لقب دوري الأبطال كان يواجه رشيدي يقيني على رأس فريق شوتنج ستارز النيجيري، كما أن "الدكتور" أبيجا ذاته لم يترك كانون ياوندي إلا بعد أن حقق معه نفس البطولة مرتين، فلم تكن أندية قلب القارة خاوية من نجوم المنتخبات.

تميزت تلك الحقبة أيضا بحسن اختيار اللاعبين الأجانب، فالزمالك لا يكتفي برأسيات جمال عبد الحميد ويضم إيمانويل كوارشي وهو بطل كأس الأمم مرتين مع غانا، والمقاولون يحرس عرينه الكاميروني جوزيف أنطوان بيل الذي شد الرحال بعدها إلى أوليمبيك مارسيليا بعد أن تزامل في صفوف ذئاب الجبل مع الغاني كريم عبد الرزاق أفضل لاعب إفريقي عام 1977.

وحتى المصري البورسعيدي حين ذهب لاصطياد الأجانب خارج إفريقيا ضم الثنائي الإيراني عبد الرضا برزكري وإبراهيم قاسم بور، ذلك الأخير الذي شارك مع بلاده في مونديال الأرجنتين 1978.

كذلك توزع النجوم على أندية الدوري فإن كان الإسماعيلي كعادته يقدم أكثر من نجم كعماد سليمان وخالد القماش ومحمد حازم، كان لكل فريق آخر اسم لامع على الأقل، فهشام عبد الرسول يبرز في المنيا، وشوقي غريب سفير دائم لغزل المحلة في المنتخب المصري، وسيد يوسف يقود دفاع الترسانة، ومسعد نور يؤكد موقعه كأسطورة للمصري لم تتكرر.

المقاولون العرب موسم 1983. المصدر: تاريخ الكرة في مصر

هذا التنوع لم يشهده الجيل الذهبي الذي حقق ثلاثية كأس الأمم مع المعلم حسن شحاتة، في فترة يصفها البعض بأنها "أزهى عصور الكرة المصرية" فقد كان الأهلي وحده يتسيد الساحة المحلية مع مناوشات من الزمالك والإسماعيلي، وحين تدفقت أندية الشركات والهيئات بفرقها المصنّعة على الدوري، لم تنجح في فعل ما أقدم عليه المقاولون، رغم القدرة المالية الهائلة التي لم تتوفر أبدا لفرق الثمانينيات.

ربيع الكرة المصرية لم يكن فقط داخل المستطيل الأخضر أو المدرجات أو في قمصان الفرق البسيطة، فكان أيضا في تعليق محمد لطيف وماكينة معلومات ميمي الشربيني وعناوين صحف ورقية يترقبها الجمهور مع وصولها فجرا إلى الباعة.

كانت الثمانينات عقدًا فريدًا بعيدا عن التعقيدات الخططية التي لا يتصور مواليد التسعينيات الكرة بدونها، كان غضب المشجع لا يسببه سوى غياب نجمه المحبوب لا طريقة اللعب واستراتيجية المدرب، كانت حقبة أبسط وأجمل. لم تكن ألوان صورتها زاهية على شاشة التلفزيون بسبب تأخر تقنيات البث، لكنها كانت ربيعا متكاملا في واقعها.

اقرأ أيضًا: القتل البطئ لكرة القدم