من التعب إلى الموت المفاجئ.. لاعبون بلا فحوصات ولا حماية
انضم أحمد متولي(*) (17 عامًا) من محافظة الدقهلية لقطاع الناشئين بكرة القدم لنادي بني عبيد الرياضي وهو في التاسعة من عمره، واستمر لسنوات يداعبه الحلمُ في أن يصبح نجمًا في ملاعب كرة القدم المصرية، وكان هذا الحلم قاب قوسين من التحقق قبل أن يتبدد أمله ويجد نفسه ضحيةً للبنية الصحية المنهارة وغياب الدعم الطبي عن الأندية الرياضية بالأخص الفقيرة منها.
لدى انضمامه لنادي بني عبيد، الذي يلعب فريقه الأول في دوري الدرجة الثالثة، اكتفى المختصون باختبار أحمد فنيًا دون إجراء أي فحوص طبية. وبعد تدريبات متواصلة ومشاركته في بطولات عديدة، أصبح لاعبًا يعول عليه وانتقل لأحد الأندية الشهيرة بالقاهرة بدون فحوص أيضًا.
ومع التدريبات الشاقة التي ظل يمارسها لأكثر من خمس سنوات بدأ يشعر بالتعب الشديد، ورغم علامات الضعف الجسدي التي بدت واضحة عليه شجعه المدرب على الاستمرار، بزعم أن ما يتعرض له مجرد إنهاك جسدي.
إلى أن أُصيب أحمد بإغماء أثناء التمارين بالنادي العام الماضي، فقرر أن يُجري فحوصات على نفقته أظهرت أنه مصاب بأنيميا حادة ويحتاج لراحة غذائية، ونصحه الطبيب بالراحة واتباع نظام غذائي محدد، إلا أن أحمد استمر في اللعب معتقدًا أنها مجرد مشكلة بسيطة.
لا يعرف نادي بني عبيد قطاعًا طبيًا بالشكل المتعارف عليه في الأندية الكبرى، هذا ما يؤكد عليه الدكتور أحمد فؤاد مدير النشاط الرياضي بالنادي لـ المنصة وهو خريج تربية رياضية ومن المفترض أن تقتصر مسؤوليته على التأهيل، ومهامه تتضمن تشخيص حالات الإصابات والطوارئ وعمل الإسعافات اللازمة للمصاب لحين وصوله المستشفى، كما يتولى مهمة إعادة التأهيل في حالات الإصابات الخفيفة، أي يمارس دور أخصائي العلاج الطبيعي والطبيب في آنٍ، "ففي ظل الإمكانات المتواضعة، العاملين بيحاولوا بذل قصارى جهدهم لإنقاذ اللعيبة في حالات الخطر".
الحرفنة أهم من السلامة
ما جاء على لسان المسؤول عن نادي بني عبيد يفتح الباب للتساؤل حول طبيعة ومستوى القطاع الطبي في الأندية، خصوصًا الإقليمية وضعيفة الإمكانات، حول الكشوف الطبية والرعاية الصحية للرياضيين في مصر. إذ عادةً ما تعتمد الأندية في اختيارها للاعبيها على مهاراتهم فقط، دون الالتفات إلى لياقتهم البدنية وجاهزيتهم الصحية، متجاهلة الكشوف الطبية على اللاعبين المنضمين إليها خلال إجراءات التعاقد، ومنهم من يعاني أمراضًا تهدد حياتهم.
هذا الإهمال تسبب في وفاة لاعبين وأثر على كفاءتهم، وقد يهدد المزيد في المستقبل؛ تكررت حوادث الإغماء للاعبين فضلًا عن حادثتي العام الماضي اللتين تشيران إلى غياب الاهتمام بالقطاع الطبي في الأندية الرياضية؛ فأحمد رفعت لاعب مودرن فيوتشر تُوفي بسبب توقف عضلة القلب، وشذى محمد بطلة السباحة بنادي طنطا انتهت حياتها رغم محاولات إنقاذها بعد توقف قلبها 3 مرات.
يوضح الدكتور أحمد فؤاد الطريقة التي يتم بها تسجيل اللاعبين في الفريق، حيث يقتصر على "الاختبار الفني"، وعادةً ما يكون الفحص الطبي ظاهريًا؛ أي تقدير حالته الصحية وفق مجهوده ونشاطه داخل الملعب، وذلك لأن تكلفة الفحوصات الطبية تكون مرتفعة ولا يتحملها النادي.
يشير فؤاد إلى معاناتهم أيضًا أثناء المباريات والتدريبات من عدم توفر عربات إسعاف مجهزة داخل النادي، لافتًا إلى أنه تكلفة إحضارها مرتفعة للغاية وتصل لـ1200 جنيه في اليوم، وهو ما يدفهم "لتأجير عربيات عادية عشان تنقل اللعيبة في حالة الإصابة وقت المباريات بتكون أرخص من الإسعاف".
أمراض القلب والأنيميا تهدد الرياضيين
ظلت السبّاحة سلوى محسن، 15 عامًا، تمارس رياضتها المفضلة أكثر من 8 سنوات. مع المجهود المتواصل والتدريبات التي تستمر أكثر من ثلاث ساعات يوميًا بدأت تشعر بالتعب بعد كل تدريب، مع خفقان مستمر في قلبها، وعندما استشارت مدربها أكد لها أن المجهود الزائد سيحسن حالتها، متجاهلًا خيار الكشف الطبي.
استمرت حالة سلوى في التدهور، حتى نصحها أحد أفراد عائلتها، وهو طبيب، بإجراء فحوصات طبية. لتكتشف قصورًا في عضلة القلب، ويحذرها الأطباء من أن السباحة قد تُعرض حياتها للخطر، ومع ذلك قررت الاستمرار حبًا في الرياضة.
تخلص دراسة منشورة في New England Journal of Medicine، تابعت أكثر من 11 ألف لاعب كرة قدم شاب في بريطانيا لمدة 20 عامًا، إلى أن مخاطر الوفاة القلبية المفاجئة بين اللاعبين أعلى مما كان يُعتقد سابقًا. ورغم اعتماد فحوصات دورية تشمل تخطيط القلب وتصويره، ظلّت بعض الحالات القاتلة تحدث دون رصد مسبق. وتشير النتائج إلى ضرورة تشديد آليات الحماية الطبية وتطوير بروتوكولات الفحص للكشف المبكر عن الاعتلالات القلبية الخفية لدى الرياضيين.
من واقع خبرته، يؤكد الدكتور حمدي نبوي، أستاذ المخ والأعصاب ورئيس القطاع الطبي بنادي الترسانة، على ما خلصت إليه الدراسة، مستشهدًا بحالة إحدى السبّاحات إذ لاحظ عليها أعراضًا مرضيةً أثناء ممارستها السباحة؛ "شفتها طالعة من البيسين ماسكة قلبها، فقررت إيقافها وإلزامها بإجراء سونار على القلب، للتأكد من صحة قلبها".
يوضح نبوي لـ المنصة أن المشكلات الطبية للرياضيين تعود في الغالب إلى إهمال الأندية التي تتجاهل الأعراض المبكرة للأمراض، كما حدث مع أحمد رفعت، مؤكدًا أن الأسعار المرتفعة للفحوصات الطبية تتراوح بين 8 إلى 9 آلاف جنيه للاعب الواحد، ما يجعل الأندية تهمل إجراءها، علاوة على افتقاد الأندية لقطاع تشخيصي للوقاية.
ويتهم نبوي بعض المدربين بالاستهانة بصحة الرياضيين، وبعضهم تكون لديهم أمراض تمنعهم من اللعب في فرقهم؛ "عن نفسي منعت التعاقد مع أربعة لاعبين، واحد منهم كان عنده لديه كهرباء زيادة في القلب، والمديرين الفنيين حاولوا يرجعوه للفريق بعد ما شارك في أكثر من 30 مباراة، بس ما كنش هينفع لأنه هيموت".
فيما يشير الدكتور مكرم رضوان، رئيس نادي بني عبيد وأستاذ جراحة العظام بجامعة الزقازيق، إلى أن الأنيميا الحادة مرض شائع في قطاع الناشئين، محذرًا من الاستهانة به، حيث يسبب "الجهد الكبير في التدريبات ضعفًا في عضلة القلب وأمراض كلى لأنه بيحصل فقدان سوائل دون تعويض" .
ويشير رضوان في حديثه لـ المنصة لإهمال التغذية السليمة في الأندية، فـ"عدد اللاعبين كبير والتكلفة عالية، والرواتب ضعيفة ومافيش الوعي الصحي، وبيعتمدوا على أكلات مش صحية زي الأندومي غير المشروبات الغازية اللي كلها سكر".
ويعاني 40% من المصريين من الأنيميا/فقر الدم وفقًا لبيانات المسح السكاني لمبادرة 100 مليون صحة عام 2025.
وينتقد كابتن محمود شادي، مدرب السباحة الدولي في حمام السباحة الأولمبي بنادي طنطا الرياضي، تراخي المدربين في أداء واجبهم التثقيفي تجاه الأطفال أو البالغين فيما يتعلق ببرامج التغذية؛ "معظم اللاعيبة ضربات قلبهم سريعة بسب ضعف التغذية، وممكن تحصل كوراث صحية".
يلفت شادي في تصريح لـ المنصة إلى أن عضلة القلب تتأثر بطريقة التغذية التي لا يولي لها أحدٌ اهتمامًا ومع الوقت تضعف، والأملاح والسوائل في الجسم تصبح غير كافية وبالتالي تحدث حالات إغماء وكوراث صحية أخرى.
فرق طبية على الورق
يعترف مكرم رضوان بأنه "قبل عام 2025 لم تكن أغلب الأندية تهتم بالفحوصات الطبية"، وهو ما اختلف في الوقت الحالي؛ "من 2025 اتحاد الكرة ألزم الأندية بتقديم فحوص طبية لكل لاعيب قبل اعتماده".
تشمل هذه الفحوصات تحليل صورة دم ورسم قلب وضغط، ويُرسل اللاعب إلى أقرب مستشفى لعنوان إقامته، ويجري الفحوصات دون إشراف الوزارة.
لكن هذه الإجراءات تظل حبرًا على ورق في ظل غياب الرقابة على القطاع الصحي داخل الأندية، خاصة الفقيرة. ويؤكد الدكتور محمد علام رئيس الجمعية المصرية للطب الرياضي ودكتور العلاج الحركي وتأهيل الإصابات لقطاع كرة القدم بنادي الزمالك سابقًا، على أنه لا يوجد تقييمٌ للاعبين ولا تتوفر سجلات طبية عن حالة كل لاعب.
"فيه فحوصات طبية في الأندية الكبرى لكن بتحصل على استحياء. وهذه الفحوصات بتكتفي ببعض القياسات الطبية دون فحص شامل، و90% من دور الجهاز الطبي القعدة على الدكة مستني اللعيب يحصل له إصابة عشان يقدمه له إسعافات أولية"، يقول علام لـ المنصة.
بالمقابل يدافع دكتور أيمن فريد، رئيس القطاع الطبي السابق في نادي مودرن فيوتشر، عن المستوى الصحي بالأندية، ويصفه بالمقبول، ويستدرك "لا يوجد نادٍ على مستوى الجمهورية يمكن وصفه بالممتاز طبيًا".
يشير فريد إلى أن إجراء فحوصات طبية دقيقة وشاملة على اللاعبين مكلف ماديًا ولذلك يصعب تطبيقه على كل اللاعبين.
ويتحدد مستوى القطاع الطبي حسب ما يتوفر للفريق الطبي من إمكانات، ومدى توفر كافة احتياجاته العلاجية والنفسية والغذائية.
ومن المفترض أن يتكون الفريق الطبي في النادي من طبيب عظام ومسؤول علاج طبيعي وفني أو مدرب التربية الرياضية، حسب مكرم رضوان، مقدرًا أن 5% من الأندية فقط هي من تعين طبيب تغذية "أغلب الأندية لا بتعين ولا بتهتم بتغذيه الرياضيين".
تجاوزات وإمكانيات
لا تقف الأزمة عند قلة أعداد الفريق الطبي، فيشير علام لضعف مستوى الأطباء المسؤولين، مستدلًا بواقع العمل داخل أحد الأندية التي عمل بها؛ "فرئيس القطاع الطبي للناشئين راتبه 9 آلاف جنيه فقط، ونظرًا لتدني هذا الراتب علاوة على عدم دفع النادي مستحقاته المالية نظير عمليات جراحية قام بإجرائها للاعبين، أصبح لا يتردد على النادي وترك مسؤولياته الطبية ومن تولاها من بعده إداريون يشخصون الأمراض ويكتبون العلاج، أي يوجد رئيس للقطاع على الورق فقط، لكنه في الحقيقة لا يتردد على النادي والإداريون يوقعون نيابة عنه كشف الحضور والانصراف".
ينوه علام لأن بعض الأطقم الطبية في فرق الشباب بالأندية تضم طلابًا من كلية التربية الرياضية وخريجي زراعة ومعاهد فنية صحية؛ "بيشتغلوا جوه الفريق وبيشخصوا اللعيبة ويقيموهم وبيطلعوا روشتات كمان".
رفع كفاءة الطب الرياضي في الأقاليم
يرى رضوان أن الحل يكون برفع كفاءة القطاع الطبي في أندية الأقاليم ذات الميزانيات المحدودة من خلال توفير وحدات للعلاج الطبيعي والحركي داخل المستشفيات العامة، بالإضافة إلى إنشاء مراكز البطل الأولمبي في كافة مناطق الجمهورية والعمل على نظام التعليم الرياضي المستمر من خلال عمل سجل طبي كامل للاعب به تاريخه المرضي، والاهتمام بتأهيله نفسيًا وطبيًا قبل نزوله للمباريات وإعطاء دورات متخصصة للقائمين على القطاع الطبي.
يحاول نادي بني عبيد "الغزل برجل حمار"، كما يقول مسؤولوه، وهو ما لا يكفي لتقديم الدعم الطبي والكشف ورعاية اللاعبين في كافة الرياضات والفرق، ينسحب ذلك بالضرورة على أحوال الرعاية الصحية في أندية الأقاليم، ما بين نقص الفحوص الطبية، وضعف التغذية، وتهميش الأطباء، وتغوّل الإداريين، وانهيار البنية الصحية؛ ليتحول الملعب إلى مساحة عمل بلا حماية. وتبقى قصة أحمد الذي فقد حلمه في اللعب لنادٍ كبير وسلوى التي تغامر بحياتها في حمام السباحة شواهد على نظام يعوّل على موهبة اللاعبين لكنه لا يوفر الحد الأدنى من الأمان.