مصطفى حجي

مصر والمغرب.. ذكريات الصِبا المُرة

كان يقال قديما إن ثمة عقدة بين مصر ومنتخبات شمال إفريقيا، ولكنني شاهدت حازم إمام يمنح مصر فوزا على تونس في كأس الأمم عام 2002 ، وتابعت بعيني خمسة أهداف تسكن شباك الجزائر في مارس/آذار 2001 بالقاهرة، فالأمور بيننا وبين هاتين الشقيقتين تدور سجالا، ولكن كل شيء يبدو في اتجاه واحد حين نواجه المغرب

السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1996:

كنت قد أكملت عامي العاشر قبل نحو ثلاثة أسابيع، وقد اتقد شغفي بكرة القدم إلى درجة أنني طلبت من أبي الذهاب لمباراة مصر والمغرب في مستهل تصفيات كأس أمم أفريقيا؛ ولكنه رفض بالطبع خوفا عليّ من التدافع وإمكانية التعرض لإصابة في سن صغير. لا أعرف كيف أتصرف فيه في مثل هذه المواقف.

انتهى الأمر بالالتزام بالتقليد العائلي والذهاب إلى منزل جدي لأمي للالتفاف حوله في يوم ميلاده، وهناك تابعنا جميعا المباراة.

مشاعر غير واضحة كانت تنتابني قبل اللقاء، لم أكن أعرف ما هي العقدة التي تحدث عنها خالي، فقط تذكرت لقاءً وديا قبلها بشهور في دورة الإمارات بين مصر والمغرب انتهى بخسارتنا بهدفين، وكانت المرة الأولى التي يعلق في ذهني اسم لاعب غير مصري هو عبد الكريم الحضريوي الذي سدد قذيفة سكنت شباك الحارس عصام عبد العظيم.

ولكن هل هي عقدة حقا؟ فقبل لقاء أكتوبر بأقل من شهر فاز الأهلي بالبطولة العربية على حساب الرجاء البيضاوي بثلاثة أهداف لواحد وكان ختامها بهدف "تاريخي" لوليد صلاح الدين انتزع القهقهة الهادئة من المعلق الراحل محمود بكر، فليست هناك عقدة بين كرة مصر والمغرب.. بل إنني كنت واثقًا في قدرة المنتخب على الحد من خطورة صلاح الدين بصير الذي كان نجم الدورة العربية مع الرجاء.

كان أداء مصر متوترا كالعادة رغم الدعم الجماهيري الهائل في مدرجات ستاد القاهرة ومناخ التفاؤل الذي خلفه تواجد فاروق جعفر ومحمود الخطيب بجهاز المنتخب في منصبين فني وإداري على الترتيب، البعض يتساءل عن سبب الدفع في التشكيل الأساسي بلاعب الإسماعيلي الشاب أحمد حسن، هي محاولات للتفكير في أن للمباراة حسابات واقعية بعيدا عن العقدة.

ينكسر التعادل السلبي بهجمة مرتدة من المغرب وتسديدة يتصدلى لها الحارس المونديالي أحمد شوبير لتجد بصير يتابعها في أعلى الشباك.. المغرب يسكت الآلاف في ستاد القاهرة ويتقدم في النتيجة. وقع عليّ الهدف كصاعقة.. هل سنخسر في ملعبنا؟!

تتوالى الهجمات المصرية ولا تفلح تسديدة محمود أبو الدهب أو رأسية أيمن منصور في هز شباك أسود الأطلسي، ويمضي الوقت ومعه وقوع لاعبي مصر في فخ الاستفزاز ويبدأ الحديث عن انتهاج فرق الشمال الإفريقي كاملة أسلوب إضاعة الوقت متى كانت النتيجة لصالحهم.. ولكن أخيرا تأتي رأسية حسام حسن بهدف التعادل قبل النهاية بدقيقتين.


بعد المباراة علمتُ الكثير، فالأمر بين أندية مصر والمغرب شيء، وبين المنتخبين شيء آخر! وأدركت أن هدف طارق أبو زيد في مرمى بادو الزاكي الذي مللت من مشاهدته في برنامج "قصة مباراة" كان عنوان الفوز الرسمي الأخير الذي تحقق على الأشقاء، وأدركت أنه كان قبل مولدي بستة أشهر تقريبا.

مضت التصفيات ورحل جهاز جعفر والخطيب وعاد محمود الجوهري وخضنا مباراة الإياب في المغرب وأنا على يقين أننا لن نفوز، فما أسهل أن تترسخ المسلمات في وجدان طفل صغير.. وقد كان فخسرنا بهدف وعدنا معه بفضيحة الإصبع التي تفنن مخرج المباراة في إعادتها بكافة السبل.

السابع عشر من فبراير /شباط 1998:

لم يكن هناك متفائل واحد في مصر بالمشاركة في كأس أمم إفريقيا وأتذكر عنوان جريدة الجمهورية "الكارثة تنتظرنا في بوركينا فاسو"، فالفريق تأهل للنهائيات بشق الأنفس وبخدمة مغربية! فلولا فوز أسود الأطلسي على السنغال في الجولة الأخيرة لما شفع لمصر اكتساحها لإثيوبيا بثمانية أهداف في الإسكندرية.

أجريت قرعة النهائيات وجاءت مصر مجددا مع المغرب! ولكن حسم التأهل مبكرا ورد الاعتبار أمام زامبيا التي أقصتنا من البطولة السابقة باكتساحها بأربعة أهداف خلّفا حالة من التفاؤل بإمكانية كسر العقدة المغربية في الجولة الأخيرة.

جاءت المباراة هادئة أكثر من اللازم وكانت تسير نحو التعادل دون أهداف الذي يصعد بالفريقين معا إلى ربع النهائي، ولكن في الثواني الأخيرة فوجئ الجميع بمصطفى حجي ينفذ ركلة مقصية تمنح بلاده الفوز!

صحيح أن ذلك الهدف كان الوحيد الذي سكن شباك نادر السيد طيلة البطولة التي فازت بها مصر عكس كل التوقعات؛ ولكنه ترك لدي مرارة كلما تذكرته، وإن لم يسبب أي ضغينة تجاه ذلك النجم المغربي الذي هتفت باسمه بعد أن سجل في صيف ذات العام هدفا رائعا في مرمى النرويج بمونديال فرنسا.


الثامن والعشرون من يناير/كانون الثاني 2001:

في عطلة نصف العام للصف الأول الثانوي كان الذهاب إلى ستاد القاهرة قد صار عادة بالنسبة لي، ولكن لم أقم بمؤازرة المنتخب هناك من قبل! هو جيل رائع على كل حال ويستحق المساندة.. يكفي أنه ضم الموهبتين الفذتين حازم إمام وعبد الستار صبري!

كنا قد بدأنا تصفيات مونديال كوريا الجنوبية واليابان بتعادل سلبي في السنغال، والشحن بلغ قمته قبل مواجهة المغرب في ملعبنا المهيب، ما دفعني للذهاب لشراء تذكرتين لي ولصديقي قبل المباراة بيومين، كنت متيقنا من أن الأمر سيكون مختلفا عن إخفاق منتخب دون ثلاثة وعشرين عاما أمام نظيره المغربي في تصفيات أوليمبياد سيدني!

دخلنا الملعب لنجده قد امتلأ عن آخره ولا تزال ثلاث ساعات تتبقى على موعد انطلاق المباراة، زمن قضاه الجمهور بالتراقص على أغنية "قمرين" لعمرو دياب.. بل حتى تراقص على أغنية "تترجى فيا" لإيهاب توفيق رغم تحذير البعض من كونها نذير شؤم.

أذيع التشكيل في سماعات الملعب وفوجئ الجميع بالجوهري يدفع بالفتى اليافع أحمد حسام "ميدو" شريكا لحسام حسن في المقدمة! ألم يكن من الأولى أن يدفع بمحمد فاروق؟! سؤال طرحه الأهلاوية الذين انشغلوا أيضا بمناوشات جانبية مع الزمالكاوية حول من يستحق أن يكون أفضل لاعب في مصر: إبراهيم سعيد أم طارق السعيد؟!

إبراهيم سعيد تحديدا بدأ مسلسل الفرص المصرية الضائعة وسدد ركلة حرة تصدى لها الحارس المغربي إدريس بن زكري.. ذلك الحارس الذي كان يراه الجميع نقطة الضعف الوحيدة للأسود بعد أدائه المرتعش في المونديال ويتعجب الجميع أيضا كيف يلعب على حساب عبد القادر البرازي الذي ألفناه وألفنا بعد موسم أمضاه في الإسماعيلي.

ميدو ارتقى فوق الجميع ليقابل برأسه عرضية محمد عمارة ولكن العارضة تمنع هدفا مصريا مؤكدا! حازم وحسام لا يفلحان في التسجيل وتتحول الآمال إلى الشوط الثاني.

بن زكري يتألق عكس المعتاد ويتصدى لمخالفة نفذها عبد الستار صبري ولكن الفرصة الأبرز كانت للبديل طارق السعيد! كانت كرة ضالة انطلقت صوب ملعب المغرب ليتعثر مدافع ويلتقطها جناح الزمالك ويراوغ الحارس ولكن تسديدته بيسراه التي يتميز بها ترتطم في الشباك من الخارج!

كنت جالسا خلف ذات المرمى وللحظة ظننا أننا سجلنا هدفا فاحتفلت بشكل جنوني إلى أن انتبهت على صدى سباب كثيف لأكتشف أن الكرة لم تدخل المرمى! غادرنا الملعب في حالة حزن كبيرة.. إنها عقدة بلا شك! وحين شاهدت إعادة الكرة في التلفزيون وجدت محمد فاروق بعد أن نزل بديلا لميدو قد وجه لوما حادا للسعيد الذي قام وأكمل المباراة سريعا وكأن شيئا لم يكن!


الثلاثون من يونيو/حزيران 2001:

مضى قطار التصفيات وجاءت مباراة العودة في المغرب! كنت وقتها رفقة عائلتي في إحدى المدن الساحلية وقد اصطحبت معي قميص المنتخب لمتابعة المباراة التي طمعنا فيها بعد الفوز على السنغال في الجولة السابقة .

خرج علينا الإعلامي الرياضي الشهير هشام رشاد قبل المباراة بيومين وبيده صحيفة مغربية معنونة بعبارة "سنظل عقدة المصريين"، ولكنني حاولت طرد تلك الهواجس وتذكر عروضنا الطيبة مؤخرا.

فاجأنا الجوهري بأسلوب هجومي وانطلاقات مميزة لعمارة من اليسار أسفرت أخطرها عن تمريرة لعبد الستار الذي كان ينتظر في منطقة الياردات الست تقريبا ولكنه سدد الكرة بغرابة فائقة أعلى العارضة!

جاء العقاب المغربي سريعا بهدف لا ينسى! كرة بين العرضية والطولية باتجاه عبد الجليل حدّا "كماتشو" ولكنه يقوم بـ"ترييحها" برأسه للخلف ليقابلها حجي بتسديدة مرعبة استقرت في شباك نادر السيد مجددا.

ماذا يريد حجي منا؟ ألا تكفيه شعبيته الهائلة عند كل لاعبي "البلاي ستيشن" في مصر؟ للحظة فكرت بهذه السذاجة وأنا أداري دموعي بعد المباراة.


الرابع والعشرون من يناير/كانون الثاني 2006:

أنا طالب جامعي يؤمن بالعلم ويقول إن العقدة المغربية مجرد عذر لفقدان التركيز وعدم إجادة اللعب أمام فريق خططي.

أشتري تذكرة المباراة وأختار الجلوس تقريبا في نفس المكان الذي تابعت فيه قبل خمس سنوات التعادل السلبي في تصفيات المونديال، أخيرا يغيب مصطفى حجي ولكن أخاه يوسف حاضر في التشكيل الشاب الذي كان وصيفا للبطولة في نسختها السابقة.

الجماهير المصرية تملأ المدرجات ولا تفقد الأمل حتى مع إضاعة أحمد فتحي لانفراد كامل في الشوط الأول! تتوالى الفرص وتتجه المباراة نحو التعادل السلبي ولكن كرة رائعة من محمد بركات تجد طريقها إلى عماد متعب هذه المرة.. سيسجل حتما!!! ولكن تسديدة الهداف الضعيفة تستقر بين يدي الحارس.


أغادر الملعب وأنا على يقين من وجود عقدة.. الأمر مخالف لنواميس الطبيعة فيما يبدو، وليس له علاقة بحجي الذي استقبله الجمهور بعدها بعامين خير استقبال في مباراة اعتزال نادر السيد.

كان يقال قديما إن ثمة عقدة بين مصر ومنتخبات شمال إفريقيا، ولكنني شاهدت حازم إمام يمنح مصر فوزا على تونس في كأس الأمم عام 2002 ، وتابعت بعيني خمسة أهداف تسكن شباك الجزائر في مارس 2001 بالقاهرة، فالأمور بيننا وبين هاتين الشقيقتين تدور سجالا، ولكن كل شيء يبدو في اتجاه واحد حين نواجه المغرب.

ولا يهم إن كان المصريون أفضل على أرضية الملعب أم لا، ولا يهم كم الفرص التي يحصلون عليها، ولا يهم أي شيء آخر.. فالنتيجة معروفة مسبقا.. المغرب سيفوز إلا لو كانت المباراة في القاهرة فسيتعادل فقط رأفة بالجماهير.

الآن تجاوزت حاجز الثلاثين عاما وتابعت من المباريات ما يتجاوز عدد شعر رأسي، ولم يعد تفاعلي مع المنتخب أو كرة القدم بشكل عام كما كان من قبل.. فهل تنكسر العقدة في الجابون؟ أريد ابتسامة للفوز على المغرب.. أشعر –بسذاجة المرات السابقة- أن لي وعدًا لم أٌوَفَه بعد.