"علي معزة وإبراهيم".. دباديب معزولة تجوب المدينة

هذا المجتمع قد صُمِّم لاستيعابك عبر قهر فرادتك، أو قهرك، كي يضمن عدم استيعابك.

دبدوب يجوب المدينة، يحتل الشاشة، وخلفه أغنية نخبوية لمحمد محسن"الكوتشي اللي باش من اللف في شوارعك" كأن الدبدوب هو من يغنيها ويحاول بثها في شوارع المدينة فيصير المشهد عجائبيا، قبل أن ينتقل شريط الصوت بعدها بسلاسة، إلى نفس كلمات الأغنية، لكنها محمولة على إيقاعات "المهرجانات" وحنجرة مطرب شعبي، يحولها من الشجن إلى الرقص. أي من زواية الفرادة والعزلة، إلى الوعي الجمعي.


ربما يكون هذا المشهد هو رهان فيلم علي معزة وإبراهيم للمخرج شريف البنداري عن قصة إبراهيم بطوط، وسيناريو أحمد عامر.

فيلم لا يخفي رسالته، ويقبض على الأسباب الحقيقية للهزيمة وأسباب الأمل. يحدد القاتل والضحية بدقة شديدة. هو من الأفلام القليلة من فئة الأفلام المستقلة، إذا جاز التعبير، التي تعمد من البداية إلى المصالحة مع جمهور السينما الواسع، بحكاية بسيطة ممتعة وواضحة، دون أن يتنازل عن فرادته أو حسه الفني المميز. إنها نفس رسالة رحلة علي معزة وإبراهيم، دعم الفرادة والاختلاف وحث المنبوذين اجتماعيا على المقاومة، ضمن مصالحة مع الجوهر المميز للوعي الجمعي لا خبثه. فهو يستخدم الكوميديا بديلا عن تراجيديا در التعاطف، والسخرية الباردة بديلا عن شجن مفتعل، في مشاهد تحتمل ابتزاز المشاهد عاطفيا.

ما الفرادة؟ ربما أن ترى في المعزة روحا- لعنة علي وجوهرته- وأن تكون منفرا ومضحكا ومنبوذا، بل وآثما بالتورط معها في الحب. ليس فقط شيئا عجيبا، بل ضد "مازورة المجتمع" بأكمله، خاصة إذا كان هذا المجتمع قد صُمِّم لاستيعابك عبر قهر فرادتك، أو قهرك، كي يضمن عدم استيعابك.

المعزة تحمل روح حبيبة "علي" السابقة، هكذا يراها، و التي سقطت في أحد فواصل كوبري قصر النيل نفس الكوبري الشاهد على صمود ملحمي للفرادة ضد جيوش القهر، في "28 يناير"، جيوش القهر نفسها التي يمثلها الضابط (آسر ياسين) الذي يضع "علي" في خانة المتهم منذ اللحظة الأولى، يتحول الضابط إلى مختل في مرآة الفيلم، باصراره على تفتيش الدبدوب، هدية علي إلى معزته "ندى"، بادعاء أنه يفتش عن مخدرات، بينما هو لا يقصد إلا إيذائه، بتمزيقه إربا للبحث داخل النوايا والضمير والروح، لتأكيد سلامته وعدم شذوذه عن القطيع. هذا الضابط لا يمثل الداخلية واستبدادها، هذا الضابط هو نحن، مجتمع بأسره، محاكم النوايا والضمير، ممزقي المختلفين إربا. هذا الضابط قد يرتدي حلة المحافظين وحلة الثوريين، حلة النظام وأعدائه، وقد يكون المواطن العادي.. إنه الجميع.

ما اللعنة؟ أن تكون هبتك الخاصة بتمييز أصوات خارج الصخب العام، صوتك الفردي ربما، أو الإلهي -وقد لا تكون إلا صوت الجنون نفسه- أن تكون تلك النعمة هي نفسها سبب النقمة. لعنة إبراهيم وهبته، الذي تطارده الأصوات في لحظات الانسجام مع الحياة، انسجامه مع أغنية، مع صديق، ممارسة جنس مع فتاة حلوة. الأصوات تعيقه عن استكمال أي لحظة، حجاب حقيقي يمنعه من الاندماج، ليس إلا مختلا في نظر الآخرين، يقاوم عبر أمل ضعيف، في تسجيل تلك الأصوات، فلا يسجل إلا الصمت، ولا يستمع إلا إليه، فالأصوات عندما تطارده، تتفوق على الضجيج العام بضجيج أعلى، فلا تحيل إلا إلى صمت مزلزل، يهتز له العالم وتوشك أن تحطم صورته الزائفة عن نفسه.

ابراهيم يتتبع الأصوات التي تطارده محاولاً تسجيلها - فيلم "علي معزة وابراهيم"

ما المعزة سوى الغريزة التي قد تكون بابا لنجاة الجميع. وما الأصوات إلا دليل على أن الصخب العام لا يخبرنا عن شيء، وأن الصمت قد يكون أفضل الأصوات، فعبره يمكن الاستعداد لسماع حقائق أخرى.

ملصق دعائي لفيلم "علي معزة وابراهيم"

المعزة التي لا يصدق كونها روحا إلا علي، هي ما تنجيه وصديقه عدة مرات من الموت، وتساعدهما على الثقة بذواتهما، ولا تختفي كرمز للجنون، إلا بتصديق الجميع لها. إنها حاملة الرسائل، وهي الصوت الذي يحاول إبراهيم تسجيله، والتي لن ينجح الآخرين في الاستماع إليها إلا عبر صمم عام/ صمت عام، كمقدمة لما يجب أن يقال. صمم يعمد إلى تمهيد الأرض ومحو العفن، كي نصفو ونفيق إلى أصواتنا الفردية وقدرتها على جلب النجاة.
لكن الفيلم لا يتعالى على هذا الوعي الجمعي، على العكس، إنه يرغب في الاتصال به، لكن مع جوهره لا عفنه، وعبر إثبات ذاته أولا والاعتراف بها، يمكن له أن يقبل هو الاتصال بهذا الوعي.

فالعود، الآلة الموسيقية المميزة التي تبدو كآلة تربط الجميع وتثير المحبة ذاتها داخل الوعي الجمعي، تظل هي الآلة المحرمة التي يخشى إبراهيم العزف عليها، رغم قدرته وموهبته في العزف على أي آلة موسيقية من المرة الأولى، فهي مرتبطة في وعيه، بـ"النحس الذي يميز تلك البلد"، لكن ما أن يواجه مخاوفه بالعزف عليه، حتى يستطيع السيطرة على الأصوات الملعونة، ويستعيدها من نقمة إلى نعمة مرة أخرى.

حتى إيمان المجتمع بالخرافة، كالسحر، والذي يدان طيلة الفيلم من الوعي الفردي، يصير جزءا من الحكاية ومن سيرها وعتبة حلوة لحكاية جميلة، فلا يعود هناك معنى لتكذيبه أو تصديقه. بعد أن صار سببا لرحلة عجائبية تشبه ليالي ألف ليلة عن" ثلاث زلطات"، إذا قام البطلين برميها في البحر والصحراء ونهر النيل، سينتهي "النحس" و" الجنون".


في رحلة انعتاق من المدينة الخربة، بحثا عن الإمكانات في البحر، باتساع خياله وأفقه، والصحراء الغاصة بالبكارة والدهشة والحرية، يستعيد البطلان التعرف على ذاتيهما، ويجددان الثقة فيها، يخوضان الرحلة بالعزلة والقدرة على التحقق دون مدد من أحد، بحثا عن الإمكانات الطازجة خارج دوائر النبذ ومعايير المجتمع. هكذا يعودان في النهاية إلى النهر عند كوبري قصر النيل، شاهد الملحمة. وعند العودة، يستطيعا معا فرض الصمم/ الصمت على الوعي الجمعي، من أجل الاستماع إلى رسالة ندى المعزة، الروح الفردية، بطريقة واضحة ومفهومة للجميع.

في النهاية لا يتبقى غير التحية الواجبة لفريق العمل الذي أنتج هذا الشريط الرائع، العارم بالأمل، المخرج شريف بنداري، والسيناريست إبراهيم عامر، إبراهيم بطوط، المونتير عماد ماهر، فريق تصحيح الصورة والألوان، الموسيقى التصويرية لأحمد الصاوي، والأداء الرائع لأحمد مجدي وعلي صبحي غير المتكلف والمتخلص من النبرة المسرحية بل والعظمة، لصالح مدرسة تمثيل تنتصر للبساطة ولروح السينما الجديدة، التي تحاول جاهدة البحث عن صيغة للتصالح مع جمهورها، دون أن تفقد فرادتها.