طفولة مارادونا.. سنوات اللهو والمجد

(1)

صرخ كورنيخو : "لن تذهب إلى أيّ مكان".

في ساحة تدريب الناشئين بنادي أرجنتينوس، كان فرانسسيكو كورنيخو المدير الفني يقف غاضبًا مُحاطًا بأعضاءٍ من إدارة النادي. وعلى بعد أمتار قليلة يقف فتى نحيل متوترًا.

تذكر كورنيخو في هذه اللحظات كلَ شيء. البداية كانت قبل سبعة أعوام. كان دييجو يلهو بالكرة مع رفقائه في أحد الأزقة. أعجب المدرب بمهارته لكنّه لم يصدق أنه ما زال في الثامنة من عمره. طرق أبواب المنزل وطلب من والدة الطفل دليلاً على تاريخ مولده.

احتضن كورنيخو دييجو. درّبه واعتني به لكنّ الفراق قد حان.

"كانت مثل السرقة. سرقة بالإكراه" يقول كورنيخو ويضيف: "شعرت أنني مثل فنان انتقى حجرًا من الماس الخام، وقام بتلميعه وحوّلَه إلى قطعة نفيسة للغاية ثم جاء شخص آخر وحصل عليه بسهولة. شخص لا يعلم في الأغلب قيمته".

تفاجأ أعضاء مجلس الإدارة من ردة فعل المدرب. امتعض بعضهم وسرى توتر في الأجواء. قال لهم كورنيخو: "إنه صغير جدًا. وجسده لا يقوى على ذلك. إنكم تهددون مستقبله".

لم تكن هذه الكلمات سوى محاولة لتأجيل موعد الفراق. "كنت أعلم أنه سيرحل عاجلاً أم آجلاً" يضيف المدرب الذي توفى عام 2008 "لكنني لم أتوقع أن يتم الأمر بهذه السرعة. كنت فقط أحاول أن أؤجل هذه اللحظة. لحظة وداع دييجو".

وبينما يحاول المدرب إقناع الإدارة بتأجيل تصعيد مارادونا للفريق الأول كانت عين الفتى تلمع. يراوده حلم اللعب مع الكبار.


(2)

قبل هذا اليوم، كان خوان كارلوس مونتيس المدير الفني للفريق الأول لأرجنتينوس يتابع دييجو في مباراة مع الناشئين. كان عمره وقتها 15 عامًا ويتبقى له نظريًا 5 أعوام في مراحل الناشئين. بعد المباراة اتخذ مونتيس قراره.

الصحافة بلغها نبأ دييجو. هيكتور مازوني عضو مجلس الإدارة تحدث معهم عن هذا الكنز الذي تحتضنه مراحل الناشئين بالنادي. أخبرهم عن مدربه كورنيخو، وعن رغبة مونتيس في تصعيده للفريق الأول.

نجح كورنيخو في إقناع الإدارة. تصعيده للفريق الأول الآن ينطوي على مخاطرة كبيرة لكنّه لن يستمر مع مدربه. قرروا أن يلعب مارادونا مع الفئات العمرية الأكبر. وأن يشارك في بعض المباريات مع البدلاء والمستبعدين من الفريق الأول.

في هذه الأثناء، كشف مارادونا عن وجهٍ لم يره أحد من قبل. في مباراة ودية مع بدلاء الفريق الأول أمام فيليز سارسفيلد اعترض بشدة على قرارات الحكم. توجه إليه وقال متهكمًا: "أنت الحكم؟ أتَعجّب لماذا لا يسمحون لك بإدارة مباريات دولية". هذه الجملة كانت كفيلة بطرده من الملعب وإيقافه خمس مباريات.

رغم ذلك، لم يبتعد الحلم كثيرًا. الفريق الأول بدأ يعاني وكان في حاجة لمُحفزٍ ينتشله من دوامة النتائج السلبية. في 20 أكتوبر/تشرين الأول 1976 استدعى مونتيس الفتى الأعسر للفريق الأول. كان عمره حينها 15 عامًا و11 شهرًا و20 يومًا فقط.


(3)

لن يرافقه والده إلى الملعب هذا اليوم. أشغاله كثيرة جدًا. استيقظ دييجو وتوجه في التاسعة صباحًا إلى محطة القطار وحيدًا. كانت الصحف تُكثر الحديث عنه. تترقب الظهور الأول لمعجزة أرجنتينوس.

انتهت رحلة القطار. انتظر دييجو بعدها طويلاً حتى جاءت الحافلة التي ستقله إلى الملعب. استكمل رحلته. رحلة طويلة تستغرق ساعتين يوميًا لكنها ستكون الأخيرة لأن النادي قرر بعد هذا اليوم استئجار شقة صغيرة لدييجو بجوار الملعب.

أخيرًا وصل الملعب لكنّ الوقت ما زال مبكرًا. اعتاد في مثل هذه المواقف أن ينام قليلاً حتى يحضر الجميع. "ارتدِ هذا القميص واستعد جيدًا. ستلعب اليوم مباراتك الأولى". قالها أحد المدربين لمارادونا فور استيقاظه. منحه القميص رقم 15 وكانت واحدة من المباريات القليلة التي لم يرتدِ فيها دييجو قميصه المفضل رقم 10.

باع النادي 7.577 تذكرة لهذه المباراة ضد تاليريس لكنّ الحضور كان أضعاف هذا العدد بكثير. كان المشهد وقتها مشابهًا لما حدث في نهائي مونديال 1966. ومشابهًا أيضًا للحفلات الأولى لفريق سكس بيستولز الغنائي الشهير. الحضور يفوق العدد المسموح به بأضعاف كثيرة.

"حتى الماراكانا* لا يستطيع استيعاب العدد الذي حضر هذه المباراة. اعتدنا في هذه الفترة أن نسمع جملة "كنتُ حاضرًا" من الجميع" يقول ريكاردو باليرانو رفيق مارادونا في أرجنتينوس.

قبل المباراة أشارت الصحف إلى رقم قياسي حققه مارادونا ورفاقه في مراحل الناشئين. حافظ فريقهم على سجله خاليًا من الهزائم 140 مباراة متتالية. وكان الفضل الأول في ذلك يعود لدييجو.

تناقل الجمهور شفاهةً هذا الرقم. وتناقلوا أيضًا إشادات مدربي مارادونا ورفقائه بمهارته. بسرعة جنونية باتت الأرجنتين كلها تعرف اسمه وتنتظر بشغف ظهوره الأول.

كان أرجنتينيوس وقتها ناد صغير. لم يُخرج للكرة الأرجنتينية نجومًا بارزين. لكن بعد أن وطأت قدما دييجو أرض الملعب تغيّر كل شيء.


(4)

"أيها الطفل. العب كما اعتدت" قالها المدير الفني دون أن يلتفت إلى أحد. وأكمل "إذا استطعت أن تمرر الكرة بين أقدامهم فافعل ذلك". يتذكّر مارادونا تلك العبارات.

ويضيف: "حين قال أيها الطفل. نظرت حولي فلم أرَ لاعبين صغار. أدركت أن الحديث موجه إليّ. بدأت الإحماء ولم أستمر أكثر من 30 ثانية قبل أن يدفع بي إلى الملعب".

خلافًا لبيليه الذي جلس على مقاعد بدلاء سانتوس شهرين قبل أن يشارك مع الفريق الأول. لم يحتج دييجو سوى 45 دقيقة ليبدأ بعدها مسيرته. كان الفريق متأخرًا بهدف.

"أقول، بكل أريحية، إن الأمر لم يكن يعني لي الخروج من الملعب للسماح لطفل عمره 15 عامًا بالمشاركة" يقولُ روبين جياكوبيتي الذي خرج من الملعب ليشارك دييجو بدلاً منه.

ويضيف: "في الحقيقة، أنا من طلب الجلوس على مقاعد البدلاء في الشوط الثاني حتى أشاهد دييجو في الملعب. كنا نعلم جميعًا قدراته الفنية. الآن أشعر بالفخر بسبب هذه اللحظة. فخور أن اسمي ارتبط بالظهور الأول لمارادونا".

أولُ لمسة لمارادونا كانت مراوغة بتمرير الكرة بين قدمي المنافس (كوبري) والضحية كان المدافع خوان دومينيجو كابريرا. تلقى مارادونا جزاءه في الحال. ضربة بالمرفق أسفل ذقنه.

"كابريرا حصل على إنذار في الشوط الأول. مارادونا كان يعلم ذلك وكان ينوي أن يجعله يحصل على الإنذار الثاني ليغادر الملعب". يقول زميله في الفريق سباستيان أولفير. لم تكن المباراة منقولة على الشاشات. تناقل المشجعون الحديث عن هذه المراوغة لكنّ البعض شكك في صحة هذه الرواية. اتفقوا على أن مارادونا راوغ كابريرا بعد نزوله الملعب ومرر الكرة بين قدميه لكنهم اختلفوا؛ هل كانت المراوغة أول لمسة لمارادونا أم سبق له لمس الكرة قبلها؟

"أتذكر هذه المراوغة. كانت مهينة للغاية" يقول إمبرتو مونيتي ظهير أرجنتينوس في تلك المباراة. ويستطرد: "لكنني لا أستطيع أن أجزم هل كانت أول لمسة لدييجو أم لا؟".

"أعلم أنني أصبحت جزءًا من التاريخ. فأنا أول لاعب راوغه دييجو" يقول كابريرا، ويضيف: "كانت مراوغة سريعة جدًا. كانت الكرة قريبة من خط التماس. استدار مارادونا في غمضة عين. حينها أدركت أنه مرر الكرة بين قدميّ. المدرجات كلها تفاعلت. "أووووه" رجّت الملعب بأكلمه".

لم تتغير النتيجة وانتهت المباراة بهزيمة أرجنتينوس (1-0). بعدها كتب الصحفي الشهير هيكتور أونيسيمي في صحيفة "ال جرافيكو": "حتى إشراك الفتي المُذهل الموهوب مارادونا صاحب الـ16 عامًا لم يساعد الفريق على تعديل النتيجة".

بعد المباراة، كان دييجو سعيدًا للغاية. "طوال مسيرتي لم أشعر بالفرحة مثل هذه الليلة" .

داخل غرف تغيير الملابس. كانت الأجواء صاخبة. أسرته. أصدقاؤه. المشجعون. زملاؤه بالفريق والمنافسون أيضًا. صحفيون ومصورون. الجميع التف حول مارادونا. يحاولون التحدث إليه والتقاط الصور معه والحصول على توقيعه.

"ليس صحيحًا. لم أكمل بعد 16 عامًا. سأحتفل بعيد ميلادي بعد 10 أيام" قالها مارادونا لأحد الصحفيين مصححًا معلومته.


(5)

احتاج مارادونا خمس مباريات فقط قبل أن يسجل هدفه الأول مع الفريق في 14 نوفمبر/تشرين الثاني أمام سان لورينزو. شارك دييجو في الشوط الثاني من المباراة وكان فريقه متقدمًا بنتيجة (3-2). في الدقيقة 87 زار شباك الحارس روبين لوكانيولي. وقبل نهاية المباراة أضاف هدفه الثاني.

ورغم هدفي مارادونا في شباكه إلا أن لوكانيولي أدرك أنها لحظة تاريخية. قرر أن يحتفظ بالكرة وبالقفاز الذي كان يرتديه في هذه المباراة.

"احتفظنا بهما في إحدى غرف المنزل لسنوات طويلة" يقول فابيان نجل لوكانيولي. ويضيف: "ذات يوم، رأى أخي الصغير الكرة، وكان عمره وقتها عامان، أمسكها وبدأ يلعب بها في الحديقة لكنّ الكلب الذي كان يحرس المنزل انقض عليها ومزقها".

بات المدافعون يخشون دييجو. لا أحد يريد أن يواجهه. يحاولون إيقافه بكل الطرق الممكنة. يتدخلون بعنف على ساقيه. يركلونه. مرافقهم تصدم وجهه لكنّ مارادونا، رغم ضآلة جسده، كان قويًا وصلبًا لا يسقط بسهولة.

أول إصابة خطيرة تعرض لها في مسيرته كانت إثر تدخل عنيف على ركبته. فقد وعيه بعد التدخل. وغاب عن الملاعب أربعة أسابيع قبل التعافي.

بعدها أصبح لاعبو أرجنتينوس أشد شراسة في مثل هذه المواقف. بدا وكأنهم مجموعة من الحراس الشخصيين وظيفتهم حماية مارادونا داخل الملعب. ومع كل تدخل عنيف ضده كانوا يركضون صوب اللاعب الذي قام بإيذائه ويبدأ العراك.

"لا أحد يريد مواجهة مارادونا" يقول بيليرانو زميله بالفريق. ويضيف: "رأيته يلعب في مباراة بالقسم الثامن. أبهرني لدرجة أنني توجهت للمدير الفني وطالبته بمتابعته. بعدها بأشهر كان يتدرب معنا في الفريق".

ويواصل: "وقتها كان يلعب مع البدلاء. وكلمنا واجهنا سبب لنا متاعب كثيرة. كنت أود أن أذهب للمدرب وأقول له: أرجوك دعه يلعب معنا. يصعب على أيّ لاعب محترف أن يتعرض لمثل هذه المراوغات والإهانات ويقف ساكنًا. هناك أمور لا يلاحظها بدقة سوى زملائه بالفريق. تحركاته. أهدافه. قدرته على مراوغة كل المدافعين وتجاوزهم ثم العودة لمراوغتهم مجددًا. كل هذا كنا نراه يوميًا في التدريبات". بيليرانو أصبح واحدًا من مساعدي مارادونا حين درّب مانديو وراسينج عامي 1994 و1995.

(6)

تعلقت الجماهير على اختلافها بدييجو. وساهم في تضاعف شعبيته أنه لا ينتمي لأيّ من الفرق الخمسة الكبرى في الدوري. كما أنه لم يكن حتى هذه اللحظة قد كشف عن وجهه المشاغب. أحبوه فتى بريئًا يملك موهبة خارقة.

"هذه أكثر فترة أحب فيها الجمهور مارادونا. كنا شهودًا على ذلك". يقول مينوتي فوندلي ويتابع: "كان يخوض المباريات كأنه يلهو بالكرة في الأزقة والشوارع. يلعب دون أن يشعر بتلك المسؤولية التي يتحملها اللاعبون المحترفون. في التدريب وفي المباريات كان يُقدم نفس الأداء. يفعل أشياءً لا تُصدق" .

ملاحظة فوندلي كانت صحيحة. فمارادونا الذي تهتف الجماهير باسمه في المدرجات كان فور عودته للمنزل ينتعل حذاءه القديم المهترئ ويشارك جيرانه الجدد اللعب. يجلس على الرصيف وأوراق اللعب (الكوتشينه) بين يديه.

أطفال الحي تعلقوا به كثيرًا. كان مارادونا عطوفًا. يزور الأطفال المرضى في المستشفيات ويحضر لهم الهدايا. كان بابه مفتوحًا دائمًا لهم.

"كان مخلصًا. لم يوقّع أول عقد له مع النادي إلا عام 1977" يقول ألبرتو بيريز السكرتير العام للنادي الذي جهّز أوراق العقد لدييجو. ويضيف: "حتى هذا التاريخ كان بإمكانه الرحيل لكنه لم يفعل ذلك. وحين رحل عن النادي كان بشكل قانوني. خرج من الباب الأمامي".

ما زال جيرانه في "لا باتيرنال" الحي الذي أقام به دييجو في بيونس أيرس يحتفون به. ملعب النادي المتهالك أعيد بناؤه عام 2003 وأطلق عليه استاد دييجو أرماندو مارادونا.

أمّا المنزل الذي كان يسكن فيه مارادونا فقام ألبرتو بيريز بشرائه وحوله إلى متحف. وقرر أن يفتح أبوابه كل سبت أمام الزائرين دون مقابل مادي. المتحف يحوي بعض الأثاث الذي اشتراه دييجو قبل نحو 40 عامًا. صور العائلة ما زالت معلّقة على الجدران. "المنزل كما كان عليه في نهاية السبعينات" قالت إحدى شقيقات دييجو لحظة افتتاحه في أواخر العام الماضي.

(7)

في تلك الأثناء. شهدت البلاد انقلابًا عسكريًا في 24 مارس/آذار 1976. أطاح الانقلاب بالرئيسة إيزابيل مارتينيز دي بيرون وجاء خورخي فيديلا بدلا منها. وسريعًا تم إعلان الأحكام العرفية.

خلال الفترة بين 1976 و1983، التي عرفت بفترة الحرب القذرة، مُنعت جميع الأنشطة الطلابية والسياسية. وتم اعتقال بعض الطلاب وتعذيبهم بل وقتلهم أيضًا.

في هذه الأجواء. كانت الرياضة الواجهة التي يحاول من خلالها الحكام العسكريون الترويج لنظامهم. ومع قدوم كأس العالم 1978 التي استضافتها الأرجنتين. كانت هناك رسالة يحاول قادة الجيش إيصالها للعالم "كل شيء على ما يرام. نحن دولة سعيدة وعلى قلب رجل واحد".

رغم ذلك، لم يفلت الرياضيون من مخالب النظام. ماريو كيمبيس اللاعب الأبرز في تاريخ الأرجنتين قبل ظهور دييجو لم يُسمح له أن يُسمّي ابنته الثانية ناتاشا. "قالوا لي إن هذا اسم روسيّ. وهذا غير مسموح به. لذلك قررت تسميتها ماجالي" يقول كيمبيس. ويضيف: "أطلقت اسم ناتاشا على ابنتي الثالثة. بعد أن رحل هذا النظام".

اختفى الآلاف خلال هذه السنوات. أدق التقديرات تشير إلى اختفاء 30 ألفًا (الأمر ما زال محل خلاف حتى هذا اليوم) كان من بينهم الحارس أنطونيو بيوفوسو. وهو لاعب الكرة المحترف الوحيد الذي قُتل على يد رجال النظام خلال تلك الفترة. اختطفه الأمن عام 1977 عن طريق الخطأ. كانوا يبحثون عن زميل له واقتادوه معهم ثم قُتل. "قالوا له: سوف تأتي معنا لأن شعرك طويل" يقول أحد شهود العيان على الواقعة.

كلاوديو تامبرويني حارس المرمى الشهير وعضو الحزب الشيوعي احتجزته السلطات 120 يومًا. أنخيل كوبا تم نفيه إلى إسبانيا. لاعب فريق أوليمبو اجتمعت فيه كل الأسباب التي تدعو السلطات للقلق. كان يدرس الفلسفة. وعضو متشدد في حركة بيرونيزم (العدالة). "كنّا نقوم بطبع المنشورات. وحيازة المنشورات كانت وقتها سببً كافيًا لإخفائك عن الوجود" يقول كوبا.

ويضيف: "في يوم أوقفني الجنود في إحدى نقاط التفتيش. كان بالسيارة منشورات كثيرة. الجنود نظروا إلىّ وعرفوا من أكون. سمحوا لي بالمرور دون تفتيش السيارة. كنت محظوظًا للغاية يومها". كوبا وغيره من اللاعبين الذين تم نفيهم لم يتمكنوا من المشاركة في مونديال 1978.

اقرأ أيضًا: القتل البطيء لكرة القدم

(8)

كان مارادونا وقتها صغيرًا. يلعب الكرة ولا يأبه بالسياسة وتقلباتها لكنه كان يأمل أن يكون حاضرًا مع المنتخب في مونديال 1978. كان وقتها أفضل لاعب شاب في البلاد. ومصدر رعب لجميع الفرق المنافسة.

لم يتكئ دييجو على موهبته الفطرية فحسب بل حاول تطويرها جاهدًا. بعد التدريبات الجماعية كان ينتظر في الملعب ويتمرن منفردًا لساعات. كان في هذه الفترة يُحب تصويب الكرة في عارضة المرمى والقائمين الخشبيين. كان من تدريباته المفضلة التسديد أربع مرات متتالية في العارضة. وكان هناك تدريب آخر يُحبه؛ يركل الكرة بأقصى قوة للأعلى ثم يحاول إيقافها بمشط القدم (المنطقة أعلى الأصابع) ويكرر الأمر سبع مرات متتالية.

"بعد مباراة مع منتخب الشباب (تحت 20 عامًا) قال أحدهم في الطائرة: يوم الأحد المقبل لن يلمس دييجو الكرة. لن يتفوق على خوان" يتذكر خوان سيمون مدافع نيولز. ويضيف: "سمع دييجو هذه الجملة وليته ما سمعها. ورغم أنني لم أكن القائل إلا أن مارادونا اعتبرها إهانة. وقرر أن يكون الرد في يوم المباراة. هذا اليوم هو الأسوأ في حياتي. لقد تلاعب بيّ بشكل لا يُصدق".

بعد 11 مباراة فقط مع أرجنتينوس سجل خلالها هدفين، تم استدعاء دييجو للمنتخب الأرجنتيني الأول. كانت مباراة ودية أمام المجر في فبراير/ شباط 1977. للمرة الأولى وطأت قدماه "البونبونيرا" الملعب الذي سيكون شاهدًا على أسطورته لاحقًا. بدأ المباراة على مقاعد البدلاء قبل أن يقرر المدير الفني سيزار لويس مينوتي إشراكه بدلاً من يوبلدو لوكي الذي سجل هدفين. انتهت المباراة لصالح الأرجنتين بنتيجة (5-1).

في هذه الأثناء اغتيل عمر اكتيس رئيس اللجنة المنظمة للمونديال. كارلوس لاكوست أحد القادة العسكريين للبلاد تولى المنصب بدلاً منه. أصبح الحلم حقيقة بالنسبة للجنرالات. المونديال سينظم في البلاد بميزانية مفتوحة لا يراقبها أحد.

(9)

مينوتي، المدير الفني للمنتخب كانت أمامه فرصة تاريخية. سيشرف على تدريب اللاعبين لمدة 6 أشهر كاملة قبل المونديال. كانوا يتدربون كل يوم مع إقامة بعض الوديات. لم يكن مسموحًا للاعبين أن يعودوا لأنديتهم أو حتى منازلهم. كانوا يفترشون أرضية الملعب وينامون عليها بعد انتهاء التدريبات.

خاض مارادونا مباراتين فقط مع أرجنتينوس في النصف الأول من عام 1978. سجل هاتريك في إحداهما لكن هل كان هذا كافيًا لترجيح كفته مع المنتخب؟

في 19 إبريل/ نيسان واجهت الأرجنتين إيرلندا. شارك دييجو في الدقائق الأخيرة. كان الجمهور غاضبًا يهتف باسم مارادونا منذ الدقائق الأولى لكنّ المدرب كان له رأي آخر. "على الجمهور أن يعلم أن مارادونا لن يشارك إلا حين أقرر أنا ذلك. لا حين يهتفون باسمه". قال مينوتي غاضبًا.

وأضاف: "حين يكون عمرك 17 عامًا فقط وتصنف على أنك الأفضل في بلادك فيجب أن تنتبه؛ فقد ينعكس الأمر بالسلب عليك. دييجو أمامه مستقبل كبير لكن قدرته على الاستمرار تتوقف على النصائح التي سيتلقاها وكيف سيتعامل معها".

في 19 مايو/آيار، اجتمع مينوتي بلاعبي المنتخب. استدعى 25 لاعبًا في بدء المرحلة الإعدادية وعليه الآن أن يستبعد ثلاثة لاعبين. "برافو. بوتينيز، ومارادونا" قالها المدرب بصوت مرتفع. أُغلِق الباب في وجه دييجو.

في نهاية هذا اليوم، جلس الصحفي الشهير كارلوس أريس مع الجهاز الفني واللاعبين المختارين لتناول العشاء. وحين همّ بالمغادرة سمع صوت بكاء. يقول أريس"كان الملعب مظلمًا والطقس يميل للبرودة قليلاً. ذهبت إلى مصدر الصوت. كان مارادونا يجلس أسفل شجرة كبيرة يبكي وينتحب. حاولت أن أخفّف عنه. قلت له: "هل تعلم كم مرة ستشارك في كأس العالم؟ لكنّه كان يفكر في شيء آخر. أجابني بأسى: "كيف سأبلغ والدي بهذا القرار".

اقرأ أيضًا: ربيع كرة الفراعنة


** نُشر هذا التقرير في مجلة "Four Four Two" عدد مارس الماضي. وتُرجِم بتصرّف.

*الماراكانا.. ملعب شهير بالبرازيل. يتسع حاليًا لـ78.000 متفرج.