ريكاردو زامبانيا: ضد السادة.. في السياسة وفي الكرة

قال له والده: "يا بني، لا تعد إلى مصنع الصلب، هناك لن يربت أحد على ظهرك ، ولن يقول لك برافو إذا قمت بصناعة قطعة جيدة".

في الجزء الجنوبي من إقليم أومبريا بوسط إيطاليا، تقع مدينة تيرني، بين السكك الحديدية، التي تصل العاصمة روما بمدينة أنكونا. خلال القرن التاسع عشر كانت تيرني وقودًا للثورة الصناعية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتعرضت المدينة، التي اشتهرت بمصانع الصلب، للقصف الشديد من قبل الحلفاء، في الحرب العالمية الثانية. وما زالت تيرني أحد المراكز الصناعية في إيطاليا حتى الآن. وتعاقبت عليها أجيال كثيرة، وعائلات مشهورة، امتهنت العمل في تلك المصانع. وعلى مر القرن العشرين، كان أقصى أفق لدى سكان المدينة، هو مدخنة المصنع، ولكن بمرور الوقت، وتطور الصناعة، تقلص عدد العمال الذين حلت الآلات محلهم.

أحد سكان تلك المدينة كان ريكاردو زامبانيا، ومن المؤكد أنك سمعت هذا الاسم، إذا تابعت الدوري الإيطالي في العقد الأول من القرن الحالي. ولد زامبانيا في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1974، وهو ابن لنقيب العمال في مصنع الصلب الكبير في تيرني، ولذا كان من بين الأجيال الوليدة، التي سطع نور الحياة عليها لتجد نفسها في بلد فقير، تتعلق فيه مصائر حياتهم من خلال عملهم عند الأسياد.

قضى ريكاردو أيام مراهقته بهذا الشكل، يعمل في مصنع الصلب صباحًا، ثم يلتقط (ساندوتش) ليأكله، ويسافر لمقر أحد فرق كرة القدم للهواة. حصل ريكاردو على فرصة اللعب مع فرق محترفة بعد ذلك بسنوات، مثل فرق تريستينا وكاتانيا وسيينا، واستمرت مسيرته في الصعود. ورغم أن والدته عارضت فكرة أن يصبح لاعب كرة، للمقابل الزهيد الذي كان يحصل عليه وقتها، استمر في العمل في المصنع، وركل الكرة بعد الظهر، كما استمر في العمل في مهنة التنجيد، إلى أن سنحت له الفرصة ليخلع عنه ثوب العامل، حين استطاع اللعب للفريق الاول في تيرنانا، وقتها قال له والده: "يا بني، لا تعد إلى مصنع الصلب، هناك لن يربت أحد على ظهرك ، ولن يقول لك برافو إذا قمت بصناعة قطعة جيدة".

عامل صباحًا وهداف ليلًا

" عندما قالوا لي إنك ستصبح لاعبًا لتيرنانا، شعرت بقشعريرة، وذهبت مع ابن عمي إلى منطقة الكورفا إيست، التي كنت أذهب لها وأنا أطفل لأشجع الفريق، كنت أعرف كل شبر في المدرج، وبعد صمت لبضعة لحظات، سمعت ابن عمي إلى جواري، يبكي".

-- زامبانيا

أصبح ريكاردو بعد ذلك فخرًا لعامة المدينة، بعد تسجيله لـ21 هدفًا في موسم واحد مع فريق مدينته، ثم تمثيله للمدينة في الدرجة الأولى بقميص نادي ميسينا الصقلي في موسم 2003/2004، حيث صنع شهرته الفائقة، وسجل أهدافًا ساحرة في مرمى الأندية الكبرى مثل روما وميلان، ورغم أن شهرته جاءت متأخرة، في عامه الثلاثين، لكنه واصل مسيرته مع فرق مختلفة وترك إرثًا عظيمًا من الأهداف المبدعة، رغم جسمه الضخم، كان (العملاق) متخصصًا فوق العادة في الألعاب الهوائية.

في 2016 أصدار الصحفي إيفانو ماري كتابًا بعنوان "ريكاردو زامبانيا، كرة القدم كلعبة هوائية"، وهو عنوان يدل على أبرز خواص اللاعب الفنية، وهى صناعته للفرحة من خلال تسجيل الأهداف عن طريق الألعاب الهوائية والضربات المقصية. ومن الناحية الرمزية، فإنه كان مخالفًا لجميع أشكال اللاعبين، فهو أشبه بجندي، يفعل دائمًا ما يجب عليه القيام به، وكأنه فرد من أفراد الكوماندوز، لكن لديه كذلك اللباقة الاجتماعية التي لا تتوفر عند الكثير من أقرانه.

عرّف زامبانيا الجماهير به عندما حانت فرصته للعب مع ميسينا في الدرجة الأولى، وكانت قراراته في الملعب تتسم بالجرأة والخيال، وهو ما قاده لتسجيل هدف سحري على طريقة بونياك (أو تسديدة الملعقة كما يعرفها الإيطاليين) أمام روما في ليلة فوز فريقه الصقلي على روما بأربعة أهداف لثلاثة، نتيجة جعلت اسم ميسينا وزامبانيا يتردد على ألسنة الجميع، لهزيمة الجيالوروسي الذي كان منافسًا على لقب الدوري الإيطالي، والذي كان يتكون خط هجومه من توتي وكاسانو وأحمد حسام (ميدو)، وسجل ريكاردو في هذا الموسم 12 هدفًا، ربما ليس عددًا كبيرًا، لكنه لم يسجلهم إلا عبر حركات مفاجئة وقادرة على أن تخلب لب المشاهد بجمالها، أدهشت هذه الأهداف الجميع، وأدهشته هو نفسه.

العملاق

انتقل من ميسينا إلى أتالانتا في 2006، فواصل العملاق المرن السير على خطى اللاعبين الخالدين، فأول موسم له مع أتالانتا بيرجامو شهد تسجيل 11 هدفًا، ويُذكر أنه في نفس العام حصل على جائزة أفضل هدف، ولكنه رفض تسلمها معتبرًا أن أي جائزة يجب أن تمر من خلال الجمهور، لا من خلال المنخرطين بالسياسة، لأن أغلب من تم تعيينهم برابطة الاتحاد الإيطالي، في تلك الفترة، كان لهم نفوذ سياسي كبير. أتى الهدف عبر تسديدة هوائية ضد فيورنتينا، قال رونالدو البرازيلي عن هذا الهدف: "أنا أتمتع بمرونة كبيرة أيضًا، لكنني لا يمكنني تسجيل مثل هذا الهدف".

وترك اللاعب أثره على جماهيرية كرة القدم بلعبه لكثير من فرق المقاطعات، حتى أصبحت حركته التي يستلم فيها الكرة بقدم ويرفعها في الهواء ليسددها بالقدم الاخرى تُعرف باسمه "الزامبانا".

تطبع ريكاردو دائمًا بطباع أهل قريته، فهو بمثابة عامل صلب ومُنجِد سابق قادته الهواية للشهرة، وهذا ما جعل روحه حرة، لا يظهر في الصحف ولا يظهر في صفحات الـ"جوسيب" (النميمة) الخاصة بترصد حياة المشاهير، كان فقط يحب الكرة، ورغم مروره بكثير من المراحل المختلفة في حياته، ألا أن المرحلة الأكثر عاطفة كانت عندما حقق حلمه في 2003 بارتداء قميص مدينته "تيرني".

جعل نفسه ساعتها واحدًا من جماهير الكورفا نورد "المدرج الشمالي"، مما جعل الأولتراس يقعون في حبه للأبد، ويعلقون لافتات له في مدرجاتهم حتى الآن. لكن ريكاردو لم يمتاز بهذا السلوك فقط في تيرني، ففي أي مكان ذهب له كان يعقد الصداقات والوعود مع الجماهير، في علاقة حب متبادلة، لم يتمتع بها مع أي مدرب أو رئيس نادي أو حكم كرة قدم طوال مسيرته، وكأنه قرر أن يعيش حياته المهنية كلها وهو في صف الجماهير.

ورغم أن أفضل سنواته كانت مع أتالانتا حيث سجل 20 هدفًا في 54 مباراة، لكنه لم يكن قادرًا على أن ينسجم كثيرًا مع حياة بيرجامو، والمعروف بأنها منطقة تعج بالطبقة البرجوازية والمرفهة في المجتمع. ومع ذلك، نجح زامبانيا في أن يجتذب العديد من شباب جماهير أتالانتا إلى صفوفه، حيث أصبح رمزًا لهم، وكانوا حاضرين في مباراة اعتزاله.

ولادة ثانية

بعض أهدافه غير الاعتيادية

قرر ريكاردو زامبانيا فجأة أن يعتزل الكرة بعد أن قضى ثلاثة أشهر فقط مع فريق كاراريزي، معلنًا رغبته في العودة ليكون فاعلًا في عالم كرة القدم للهواة، حيث تم إنشاء مشروع أطلق عليه "كرة القدم الشعبية"، والتي تروج لها الرابطة الشيوعية الرياضية للهواة في تيرني وشعارها "قبل أن نبدأ الطريق". هناك يدرب زامبانيا فريقًا صغيرًا، حيث تجتمع كل فرق الهواة، يأكل أفرادها لحم الخنزير، ويلعبون كرة القدم، ويشتَمون رائحة كرة القدم الحقيقية.

كانت آراؤه الصادمة والمخالفة للمجتمع الإيطالي العام بعد اعتزاله، تمهيدًا لأن يصبح شخصية عامة مؤثرة في تيرني، فهو بمثابة إيريك كانتونا المحلي لتلك الجماهير، يحارب معهم حروبًا صغيرة ضد سادة كرة القدم، هو الذي قال: "أنا كنت لاعبًا اقتنص الأهداف، لكي أخلد دائمًا اسم والدي-زامبانيا- الذي توفي مثل العديد من العمال، داخل مصنع الصلب".

أجمل أهدافه في الدرجة الاولى

بعد اعتزاله، افتتح رمز مدينة تيرنانا وميسينا محلًا للتبغ وتفرغ لتدريب فرق الهواة، ثم كشف عن ميله القديم للحركة الشيوعية، فكان أحد زعماء الاحتجاجات وقادتها في الشوارع ، لتتغنى جماهير تيرنانا باسمه في أغنية مشابهة لأغنية الزعيم الشيوعي تشي جيفارا (hasta siempre zampagna)، والتزم بالنضال ضد سياسات الشركات الخاصة في تيرني واستمرارها في تسريحها للعمال، وتبرع للمستشفى المحليات لشراء أجهزة الرنين المغناطيسي، معلنًا أن "لاعبي الكرة يجب أن يكونوا أول من يساعدوا الشعوب على أن تعيش".

إضافة لاشتراكه بشكلٍ مستمر في الميدان الحقوقي لتحسين أحوال العمال، حيث يسير معهم في كل إقليم أومبريا وهو يهتف "مصنع الصلب، فلتعطنا شيئًا لنأكله"، فإنه يشارك كذلك في ندوات الحزب الشيوعي في تيرني، معلنًا أنه سيبقى رمزًا للتمرد، فهو أول لاعب كرة يخرج من من مدينة تيرني في مقاطعة أومبريا، أول عامل للصلب يحقق النجاح والشهرة من بوابة كرة القدم.

وتظل مدرجات تيرنانا ترفع اللافتة الشهيرة التي أصبحت شعارًا للنادي، والتي تقول: "ضد السادة، في العالم ، وفي الكرة".