قصة الفندق رقم 10

كان فندق الكونتيننتال من أهم مراكز حكم مصر في عهد أسرة محمد علي، بسبب قربه من قصر عابدين، قلعة الحكم في ذلك الزمان، ومجلس النواب ودار القضاء العالي، فكان رواد بهوه الرئيسي الزعيم سعد زغلول، ورئيس الوزراء أحمد زيور باشا، كما احتضنت غرفه الفسيحة الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورانس الشهير بـ "لورانس العرب" لما وصل مصر في ديسمبر 1914.

في الجهة المقابلة لما تبقى من حديقة الأزبكية، يرقد بناء ضخم اختفت معالمه، وطُمسَت ملامحه، وتغيرت واجهته، حتى اسمه زال من الوجود، إلا من دفاتر التاريخ. ضاع في غياهب النسيان لأكثر من 30 عامًا، أصبح مأوى لكل ما هو زاحف أو يمشي على أربع.

المبنى المُرقم في سجلات محافظة القاهرة بالرقم 10 "فندق الكونتيننتال" هو واحد من أكبر فنادقها، ضجت جدرانه يومًا بالأحداث، سكن غرفه التي تزيد عن الـ 100 مشاهير العالم، من ملوك فرنسا وروسيا حتى لورانس العرب وأجاثا كريستي، وشهدت قاعاته الإعلان عن أول استقلال لمصر في عهدها الحديث؛ لكن الإهمال وحش لا يرحم.

في هذا التحقيق، نثبت مماطلة شركة إيجوث، مالكة الفندق حاليًا، في تنفيذ الأحكام القضائية لسنوات، وعدم ترميمها لفندق الكونتيننتال، ومخالفتها لقرار رئاسة الوزراء بشأن تقديمها مشروع متكامل تعيد الفندق الأثري به للحياة، وإقدامها على الهدم دون إخلاءه من شاغليه.

قرار وزاري ضد حكم قضائي

لافتة ضخمة تُعلق على واجهة الفندق الرئيسية بميدان الأوبرا، تشير إلى أن الفندق يندرج تحت مشروع التطوير والترميم، هذا كل ما تبقى، أما عن المبنى فقد راح بريقه وانتُهكت كرامته، حتى جدرانه الخارجية أضحت آثار المطر بها كدموع محبوب هجرته معشوقته. لكن ليس هناك تطوير، إذ وافق مجلس الوزراء في 31 يناير/كانون الثاني 2016 على هدم الفندق، وأن يتولى محافظ القاهرة استخراج التراخيص اللازمة، باعتباره آيل للسقوط.

سلسلة طويلة من قرارات وأحكام مر بها الفندق العريق؛ إذ ترجع قضيته إلى عام 1985، وذلك بإعلان الشركة العامة للفنادق (المالكة في ذلك الوقت) إغلاق الفندق متعللةً بتآكل جدرانه وأسقفه، وأنه يمثل خطورة على قاطنيه، وأُغلقت أروقة الفندق تمامًا؛ ما عدا المحلات والورش المُقامة بالدور الأرضي.

قرار الإغلاق دفع المُستأجرين من أصحاب المحلات بالفندق لإقامة دعاوى قضائية مُسجلة بأرقام "12247 – 12642 – 11606 – 11650" بمحكمة جنوب القاهرة، ضد قرار الشركة المالكة ومحافظ القاهرة، بخصوص إغلاق الفندق ونية الشركة في هدمه. ظلت القضية في أروقة المحاكم حتى حصل المستأجرون على حكم قضائي يُلزم الشركة المالكة الجديدة "إيجوث" بترميم الفندق وإزالة غرف السطح، في مارس/آذار 2000.

وكانت ملكية فندق الكونتيننتال تحولت إلى شركة "إيجوث" إحدى شركات الشركة القابضة للفنادق والسياحة، وتم إشهار الملكية وتسجيلها برقم "2741"، في العام 1996، ومن ثم بدأت في اتخاذها كمقر لها، ثم أُخلي تمامًا بعد سنوات قلائل، متعللةً بأنه آيل للسقوط. بمقتضى الحكم الصادر، توجب على إيجوث استخراج رخصة ترميم، وهذا حدث في عام 2001. في هذه الأثناء، رفعت إيجوث دعوى قضائية في محاكم الاستئناف برقم 129 ضد الحكم الصادر بترميم الفندق.

وفي جلسة 12 سبتمبر/أيلول 2006، رُفض استئناف إيجوث، وأيد الحكم بضرورة الترميم وهدم غرف السطح. كما شهد هذا العام أيضًا صدور قانون رقم 144 الذي يهدف للحفاظ على المباني ذات الطراز المعماري المميز، والتي لا تدخل في نطاق الآثار نظرًا لظروف عدة، والذي سجل الفندق بمقتضاه كـ "بناء مميز".

هدم الفندق

تاهت قضية الفندق إلى حد ما بسبب ثورة يناير وما تلاها من وقائع، حتى العام 2016، تاريخ صدور قرار رئيس مجلس الوزراء بالهدم. بمجرد معرفة القضية، رفع المُستأجرون من أصحاب المحلات (381 محل) دعوى قضائية ضد قرار رئيس مجلس الوزراء بأرقام ""25986 – 83694" لسنة 70 ق، والاستشكال في التنفيذ رقم 73670 لسنة 71 ق، والتي ما زالت تُنظر أمام القضاء الإداري. ثم الاستشكال في التنفيذ برقم 7367؛ كل هذه الدعاوى لن تثني إيجوث من البدء في الهدم، مما اضطر أصحاب المحلات تحرير محضر رقم 50 لسنة 2017 إداري عابدين.

حسين منصور، واحد من اثنين كلفهم أغلب أصحاب المحلات بتولي القضايا ضد الشركة والتفاوض معها، الرجل مسهب في الحديث، شعر رأسه خليط بين الأسود والأبيض، نظارته الطبية الصغيرة تضفي عليه شيئًا من الوقار، وهو مستأجر للمحل رقم 41 منذ عام 1998. يقول، في حديثه مع المنصة، إن شركة إيجوث غرضها الأساسي هدم المبنى وبيع الأرض دون النظر إلى تبعات ذلك، متابعًا أن إيجوث خسرت جميع القضايا التي رفعتها لهدم المبنى وطرد أصحاب المحلات.

ويوضح أنه رغم تأكيد المحكمة على قيام إيجوث بتنكيس وترميم المبنى وإزالة غرف السطح؛ إلا أن إيجوث لم تفعل. ويتهم حي عابدين ومسؤولي محافظة القاهرة بالتقاعس عن العمل، وكتابة تقارير "مكذوبة" تُفيد بقيام الشركة بالترميم والإزالة، وهذا مخالف لأحكام القضاء. وحصلت المنصة على مذكرة النيابة الإدارية التي أكد فيها مسؤولو حي عابدين، قيام الشركة بالترميم وإزالة غرف السطح؛ رغم مخالفة ذلك للواقع.

ويتابع منصور قائلًا: "إيجوث اتفقت مع نائب المحافظ وحي عابدين على هدم المبنى، وعملوا تعويضات لا قيمة لها، كل دا في غياب لأصحاب المحلات، فلم يحضر أحدنا ولم يدعونا للاجتماع". ويشير إلى أنه لو كان هدف الشركة الصالح العام، كما تدعي، لكان الأولى بها ترميم المبنى، متابعًا أن المبنى ظل لفترة طويلة "مهمل ودون ترميم".

ويقول إن اتفاق الحكومة وإيجوث "مخالف للقانون" ولأحكام القضاء، مستندًا إلى لجنة خبراء وزراء العدل ولجنة هندسية من جامعة الأزهر أثبتوا أن المبنى حالته جيدة وفي حالة "اتزان كامل" وهذا أخذت به مذكرة النيابة الإدارية رقم 238 الخاصة بالفندق الصادرة في أبريل/نيسان خلال العام الجاري.

كما أن إيجوث سَلَّطت بعض المتعاونين معها على هدم أساسات وجدران الفندق، حتى ينهار ويسقط وحده، رغم عدم إخلاء الفندق من أصحاب المحال، بحسب منصور، مدللًا على ذلك بتحريره محاضر بأرقام "43 – 49 – 50" إداري عابدين لبعض هؤلاء المتعاونين مع الشركة، بقيامهم بهدم أساسات وجدران الفندق، بالإضافة لتقدمهم بشكوى برقم 201 في المحافظة في يناير الماضي ضد الشركة.

مبادئ غائبة

المشروع هو الأول بمنطقة الشرق الأوسط الذي يتم لبناية أثرية من حيث الهدم وإعادة البناء.

نائب محافظ القاهرة

لم تكن هذه هي نهاية المخالفات، لكن قرار رئيس مجلس الوزراء القاضي بهدم الفندق، أسس لمبادئ ثلاثة هي: "التفاوض مع أصحاب المحلات الذين يرغبون في الاستمرار في محلاتهم بتحرير عقود إيجارية جديدة بديلة وقيمة إيجارية بديلة، أو تعويض أصحاب المحلات الذين يرغبون في ترك محلاتهم، والحفاظ على الواجهة المُطلة على شارع عدلي مع استمرار تسجيل المبنى ضمن سلسلة الطراز المعماري المميز وإعادة البناء على أن يُحتَّفظ بالشكل المعماري الحالي لباقي واجهات المبنى الأصلي، بناءً على موافقة رئيس اللجنة الدائمة لحصر المباني ذات الطراز المعماري المميز".

كما ألزم إيجوث بتقديم مشروع ابتدائي بالرسومات الهندسية المطلوبة للعرض على اللجنة الدائمة للمباني ذات الطراز المعماري، لكن الشركة بدأت في هدم المبنى دون التزام بهذه التوصيات، لذا حرر الحي محضر رقم 50 في يناير الماضي بإيقاف أعمال الهدم.

على أن تلك المبادئ لم تُراَعى من قبل الشركة، ولم تأخذ بها، حيث لا تزال خطة الهدم قائمة ولم يحدث إخلاء للمبنى. فالشركة سائرة في خطتها للهدم التي تقضي بهدم الدورين الثالث والرابع من الفندق مع تأجيل هدم الأجزاء الموجودة بالممرات لحين التفاوض مع أصحاب المحلات.

وهذا أيضًا مخالف لمذكرة النيابة الإدارية المُرقمة بـ 283 لسنة 2017، والتي انتهت إلى أن شركة إيجوث لم تلتزم بتنفيذ توصيات قرار مجلس الوزراء بوضع تعويض لأصحاب المحلات الذين يرغبون في ترك محلاتهم مع التفاوض مع أصحاب المحلات الذين يرغبون في الاستمرار بمحلاتهم، وأنه لا هدم إلا بعد إخلاء المبنى من الأرواح والممتلكات ومع تقديم مشروع هندسي مقترح يحفظ حقوق أصحاب المحلات. فضلًا عن ضرورة إيقاف أعمال الهدم بالفندق، لحين تنفيذ الضوابط والتوصيات.

اللواء محمد أيمن، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، ينفي صدقية مذكرة النيابة الإدارية، مشيرًا إلى أن المشروع هو الأول بمنطقة الشرق الأوسط الذي يتم لبناية أثرية من حيث الهدم وإعادة البناء.

ويقول إنهم اشترطوا الحفاظ على واجهة الفندق الموجودة بشارع عدلي، وإعادة بناء الواجهة الكائنة بشارع الجمهورية على نفس الطراز، مع الحفاظ على بعض الأماكن داخل الفندق، مشيرًا إلى إيجوث قدمت لهم مشروعًا كاملًا لتطوير إنتركونتيننتال، وهو مثال لتطوير منطقة وسط القاهرة.

واكتفى جمال محيي، رئيس حي عابدين في حديثه عبر الهاتف للمنصة، بقوله: "إن مذكرة النيابة الإدارية قديمة" - على حد وصفه- وأن الهدم لم يتوقف حتى الآن، متعللًا بعدم وجود تصريح إعلامي.

في حين رفض رئيس مجلس إدارة شركة إيجوث سمير حسن، في تعليق عبر البريد الإلكتروني للمنصة، ذكر عدد مرات ترميم الفندق، مشيرًا إلى أن أخر هذه المرات كان عام 2006، وذلك بعد إدراج المبنى ضمن الطراز المعماري المميز.

المشروع الغامض

موقع الفندق ممتاز ويتسع لأكثر من 1000 غرفة، ولكن إيجوث لا تحرز تقدمًا في إنشاءات المبنى أو الحصول على تراخيص البناء والهدم.

علي غنيم، عضو اتحاد الغرف السياحية السابق

لم يكن هذا ما يقلق أصحاب المحلات فقط؛ إذ يتخّوف كثيرون منهم من إحياء مشروع حكومي أعدته حكومة رئيس وزراء مصر الأسبق أحمد نظيف، تقضي بهدم الفندق وبيع أرضه لمستثمرين. خاصة وأن مسؤولو إيجوث تورطوا في سابقة فساد خلال أبريل/نيسان الماضي حول تطوير بعض فنادقها.

وكانت وزارة التخطيط، وافقت قبل أشهر على إنشاء شركة بالتعاون مع مصرف الاستثمار القومي باعتباره شريك، بطلب من وزارة الاستثمار مع طرح المشروع للمستثمرين أو المطورين العقاريين كجزء من التمويل.

وفي مايو/آيار عام 2017، أعلنت وزارة التخطيط دخول عدد من المستثمرين في عملية التطوير، وإسناد عملية الهدم والتطوير للإدارة الهندسية للقوات المسلحة، ولكن تظل شركة إيجوث شريكًا أساسيًا في المشروع.

ويعاود رئيس شركة إيجوث سمير حسن عبر البريد الإلكتروني، قائلًا إن شركته لن تبيع أرض الفندق، وأن الضامن لهذا هو قرار مجلس الوزراء الذي لا تستطيع الشركة مخالفته. وأضاف أنه يجرى حاليًا استكمال أعمال التصميمات الداخلية المُعدة من قبِل مكتب المهندس مدحت أبو زيد، وتُقدر التكاليف الاستثمارية بنحو 1.6 مليار جنيه، لافتًا إلى أنه حين يتم الانتهاء من أعمال التصميمات والحصول على تراخيص البناء سيتم تحديد الشركة المُنفذة ويستغرق ذلك نحو 3 أعوام، وأن غرف الفندق الجديد ستكون نحو 214 غرفة بالإضافة إلى 10 أجنحة.

محمود عبد الشافي، واحد من كبار المطورين العقاريين، ومؤسس مبادرة "بيتك بإيدك"، يؤكد في حديثه عبر الهاتف بأن هناك نقصًا حادًا في المعلومات التي تطرحها إيجوث، لافتًا إلى أن بيع أرض الفندق "خسارة ضخمة" لو أقدمت إيجوث على ذلك؛ كما أن الاستثمار في الفندق سيكون على المدى البعيد.

ويتابع أن متر الأرض في هذه المنطقة حاليًا يُقدر بـ 50 ألف جنيه، بما يعني أن قيمة إجمالي المساحة تصل إلى 5 مليارات جنيه. مضيفًا أنه بعد بناء الفندق، سيتضاعف سعر هذه الأرض مرتين، وذلك لأن موقع الأرض جذاب، لوقوعه في منطقة حيوية جدًا بوسط القاهرة.

كما يرى على غنيم، عضو اتحاد الغرف السياحية والفنادق السابق، في حديثه المسجل عبر الهاتف، أن "موقع الفندق ممتاز ويتسع لأكثر من 1000 غرفة، ولكن إيجوث لا تحرز تقدمًا في إنشاءات المبنى أو الحصول على تراخيص البناء والهدم".

وأضاف أن إيجوث لا تدير الفنادق التي تملكها أصلًا، لأنها لا تملك الكوادر الفنية، لذا تلجأ في إدارتها للشركات الأجنبية العالمية وعلى رأسها "شيراتون"، "ماريوت"، "الفور سيزون"، "الهيلتون" مشيرًا إلى أن سمعة هذه الشركات عالميًا تساعد في التسويق، ويجب فرض مزيد من الرقابة وتفعيل القانون سواء من قبِل الرقابة الإدارية أو الجهاز المركزي للمحاسبات، حتى لا تكون الاستثمارات عرضة للنهب.

أزمة التعويضات

يقول حسين منصور، المسؤول عن ملف التفاوض مع إيجوث "إن عرض الشركة بالتعويض أجوف"، ولا يمكن قبوله إلا إذا كان الشخص مجنونًا. مضيفًا أن كل عقود إيجارات هذه المحال مبنية على أساس قانون الإيجارات القديم الذي لا يتعدى بضعة آلاف في أحسن الأحوال.

ويوضح أن تعويض إيجوث يقضي بالحصول على مبلغ بنسبة 10 أضعاف القيمة الإيجارية الحالية، ولمدة 36 شهرًا، وهي مدة تشييد المبنى الجديد، على أن يتسلم صاحب الوحدة المحل مرة أخرى بعقد إيجاري محدد المدة، لمدة 10 أعوام، بـ 10 أضعاف القيمة الإيجارية السابقة.

ويتابع قائلًا: "الشركة كدا هتخرب بيتي.. أنا هستلم المحل طوب أحمر، سيحتاج تشطيب وديكورات بمبالغ ضخمة، كما أنه ولمدة 3 أعوام أنا بلا مأوى ولا شغل.. يعني الشركة هتدفعني إيجار أعلى 10 أضعاف وفلوس التشطيب والديكورات، وكمان عقد الإيجار محدد المدة وبعدها ترميني في الشارع".

من جانبه، يعلق اللواء محمد أيمن، نائب محافظ القاهرة في حديثه عبر الهاتف، بأن مشكلة أصحاب المحلات مع إيجوث، أن معظم أصحاب المحلات الحاليين ليسوا هم من قامت إيجوث بالتعاقد معهم، إذ أن أغلب المحلات بَيعَت من"إيد لـ إيد" أو "إيجار من الباطن"، وهكذا تعقّد الموقف القانوني.

ويضيف أن عرض إيجوث بدفع 10 أمثال القيمة الإيجارية المنصوص عليها في عقد الإيجار لن تكون كافيًا، مشيرًا إلى أن أغلب المحال "إيجار قديم" أي أن قيمته المالية قليلة بمعايير السوق في الآونة الأخيرة، وهذا ما حمل أغلب أصحاب المحلات على الرفض.

بينما يعلق رئيس شركة إيجوث أن التعويضات المُقترحة لم يوافق عليها مجلس الوزراء حتى الآن.

عمال المحلات.. "الحاضر الغائب"

"إيجوث هتعوض أصحاب المحلات.. طب احنا هنروح فين" هكذا بدأ عمال محلات الكونتيننتال حديثهم. ويقول محمود ع، يعمل بأحد محلات الكونتيننتال منذ 14 عامًا، إن شركة إيجوث ستُعوض أصحاب المحال، لكن لم ينظر أحد إلى أكثر من 2000 شخص يعملون بهذه المحلات، مضيفًا "مش كدا بس، فيه صنايعية مكَن ومكوجية وغيره، بقالنا سنين بنشتغل هنا.. هنروح فين؟"

على ناصية أخرى من المبنى، يقف علاء م، رجل في أواخر العقد الرابع، أشار بيده ناحية شارع عدلي، وقال إنه قضى 40 عامًا بين مجيئة وذهابًا، منذ أن كان الترام يعبر شارع ميدان العتبة الرئيسي. مضيفًا أن الشركة بدأت منذ مدة عملية هدم الفندق "في جوف الليل"، إذ أزالت بعض الجدران والأسقف، وخلعت الأبواب والشبابيك والأباليك، حتى الباركيه الخشب الذي كان يزين مدخل الفندق تم اقتلاعه.

بداخل ممر الكونتيننتال الفسيح، يقف رجل في عقده السادس، بوجه عابس رغم منظره الأبوي، رفض ذكر اسمه، يمتلك محلين للإكسسوارات النسائية، ملوحًا بيده :"إحنا مش هنمشي من هنا.. أنا أبويا اشترى المحل سنة 1970، إحنا آثار زي الفندق".

غَاّلب انحناءة ظهره، ورفع يده اليمنى مشيرًا بها إلى بناءهم "قواطع أسمنتية وحواجز لحماية جدران الفندق". متابعًا أن الشركة لم تدعوهم ولا مرة واحدة لجلسة حوار حول مصيرهم أو مصير الفندق.

كما يؤكد أحمد و، أحد العمال بمحل لبيع الأقمشة، خروج اللوحة الفنية الكبيرة التي زَينت مدخل الفندق لسنوات طويلة قبل 4 أشهر، مشيرًا إلى أنه رأى ذلك في أحد الليالي.

الكونتيننتال المفقود

سُجل الفندق ضمن المباني ذات الطراز المعماري المتميز بالفئة "ج" التي يُسمح فيها بالهدم كاملًا، وأن حالة المبنى متدهورة ولا تسمح بالترميم، وأن عبارة الحفاظ على الواجهة الخارجية الواردة في شروط قرار مجلس الوزراء تعني استعادة الواجهة الأصلية.

محمد أبو سعدة، رئيس جهاز التنسيق الحضاري

على الرغم من اتساع رقعة الفندق المعمارية "10 آلاف م 2" وتفرده البنائي، إلا أن تاريخ إنشائه تحوم حوله الشكوك، حيث تتضارب التواريخ حول إنشاء الكونتيننتال، إذ ذكر علي مبارك في موسوعته "الخطط التوفيقية" أن اللوكاندة الخديوية أو نيو هوتيل كما يُطلق عليه، شيدها الخديوي إسماعيل بعد أن اشتراها من جمعية إنجليزية وصممه المهندس اليوغسلافي "جورج ننجوفتش".

في حين يذكر بعض المؤرخين أن الفندق تم هدمه ثم إعادة بناءه بنفس حجم ونسب المبنى القديم من قبِل المعماري الإيطالي "جاستون روسي" وهو الذي شيد عددًا من المباني بالقاهرة الخديوية، واشتراه جورج ننجوفتش، وأُعيد تسميته "جراند أوتيل". بينما ذكر البعض الآخر، أن الفندق في الأصل كان قصرًا بناه الخديوي إسماعيل أثناء احتفالات افتتاح قناة السويس، وتم مد خط سكك حديد من محطة القاهرة وحتى بابه الرئيسي.

الشكل القديم للفندق - من موقع Grand Hotel Egypt

ويؤكد الدكتور عبد الرحمن زكي في موسوعته "مدينة القاهرة في ألف عام" أن موقع الفندق الحالي كان يشغله فندق آخر يسمى "نيو هوتيل" تم هدمه، ثم أسس الفندق الحالي رجل يوغسلافي سنة 1899.

الفندق بات من أهم مراكز حكم مصر في عهد أسرة محمد علي، بسبب قربه من قصر عابدين، قلعة الحكم في ذلك الزمان، ومجلس النواب ودار القضاء العالي، فكان رواد بهوه الرئيسي الزعيم سعد زغلول، ورئيس الوزراء أحمد زيور باشا، كما احتضنت غرفه الفسيحة الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورانس الشهير بـ "لورانس العرب" لما وصل مصر في ديسمبر/كانون الثاني 1914.

كما شهدت أحد أجنحته وفاة اللورد "كارنارفون" عام 1923، وهو ممول أبحاث هاورد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون، وكان كارنارفون عائدًا لتوه من الأقصر، وداهمه مرض غامض قيَل إنه بسبب لدغة إحدى الحشرات هناك. وشهدت قاعاته أول إعلان باستقلال مصر، فمنه صدر تصريح 22 فبراير، الذي يمقتضاه تحولت مصر من دولة تحت الحماية الإنجليزية إلى المملكة المصرية. وكان يستمتع فاروق ملك مصر الراحل، بأحد أطباق الحلوى الذي ابتكره طاهي الفندق له خصيصًا، ووعد الملك ألا يقدمه لغيره.

وتتوزع مساحة الفندق بين مبناه الأثري والعمارة على النحو التالي "مساحةالفندق 6090 م2- مساحة الممر التجاري 2972.75 م2 – العمارة التجارية 1671.00 م2". وتم تصميم الفندق على شكل حرف E، ويتكون من 4 طوابق متكررة وميزانين والسطح ودور أرضي وبدروم، فضلًا عن 381 محلًا بالدور الأرضي والممر، ويطل الفندق على شوارع "عدلي – الجمهورية- 26 يوليو- ميدان الأوبرا".

يشمل الدور الأرضي المدخل الرئيسي للفندق وصالة استقبال وقاعة حفلات والمطعم الرئيسي ومنطقة المطبخ والتجهيز والمخازن، بالإضافة إلى دورات مياه عمومية رجالي وحريمي؛ كما يوجد بالدور الأرضي خارج الفندق 46 محلًا تجاريًا و11 فترينة ومحَلين داخل الفندق، أما البدروم فيوجد به جراج من ناحية شارع عدلي والأدوار من الأول حتى الرابع متكرر تحتوى على 190 غرفة و6 أجنحة.

كما غلفت الشكوك سنّة بناءه، تبرأ المسؤولون منه، إذ ينفي المهندس محمد أبو سعدة، رئيس جهاز التنسيق الحضاري، في حديثه للمنصة، أن يكون المبنى الحالي هو "الكونتيننتال الأصلي". مضيفًا أنه عند إنشاءه أُطلق عليه "جراند كونتيننتال" وأن الفندق الأصلي الذي بني حوالي عام 1870 كانت تُزين مدخله نافورة كبيرة، ويطل بواجهته على حديقة الأزبكية، قبل أن يحتل المترو جزءًا ضخمًا منها، علاوة على وجود بناية خشبية كالتي زيَّنت فندق الماريوت بالزمالك، بالإضافة للحديقة الصغيرة.

لكن كل هذا تَهدّم، مشيرًا بيده إلى صورة على شاشة حاسوبه الشخصي ترجع للعام 1962، وفيها يتضح تَغير شكل الفندق بالكامل، حيث تهدمت الحديقة وظهرت بعض الفنادق أمامها، وبُني طابق خامس له، بالإضافة لتغير خارطة المكان، حيث تم نقل الأوبرا إلى مكان أخر بعد حريقها في أوائل حقبة السبعينات.

ويوضح أبو سعدة أن الجهاز يسعى لاستعادة الواجهة الأصلية للفندق المبنية عام 1870، بما يعني" هدم الفندق الحالي كاملًا" لأنه لا يمثل الفندق الأصلي، وأن وزارة الآثار سجلت مفردات الفندق حتى لا تضيع تفاصيله.

وقد سُجل الفندق ضمن المباني ذات الطراز المعماري المتميز بالفئة "ج" التي يُسمح فيها بالهدم كاملًا، وأن حالة المبنى متدهورة ولا تسمح بالترميم، وأن عبارة الحفاظ على الواجهة الخارجية الواردة في شروط قرار مجلس الوزراء تعني استعادة الواجهة الأصلية – على حد وصفه.

ويؤكد أن شركة "ايجوث" المالكة للفندق، قامت بعرض أمر الفندق على استشاري لإبداء الرأي الفني، وخُصص حوار مجتمعي لمناقشة أمر الفندق، لافتًا إلى إعادة استخدام المحلات التجارية الموجودة الآن، وتم الحفاظ على قاعتين من الفندق والمدخل لأنهم يحملون طابعًا مميزًا.

الآثار تتبرأ من الفندق

قانون الآثار المصرية الصادر عام 2010 يُلزم بضم أي أثر مر عليه 100 عام، إلا أن الحال لم يكن كذلك مع الكونتيننتال. فيقول رئيس قطاع المتاحف والآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، الدكتور السعيد حلمي، في حديثه للمنصة "لا شك أن الفندق تعرض لبعض التعديل والتغيير خلال سنوات عمره التي تخطت الـ 100، ولا أعتقد أن الجزء المتبُقي يخص الآثار أو يخضع لقانونها".

ويكشف أن حالة المبنى كانت عائقًا أمام تسجيله، وأن التقرير الهندسي أثبت ذلك، فضلًا عن كونه ملكية خاصة، وفي حالة نزع ملكيته، سيتطلب الأمر دفع مبلغ للتسوية حتى تتخلى عنه "إيجوث". مضيفًا أنه لصعوبة أوضاعه الإنشائية صدرت له بعض قرارات التنكيس، وأُدرج ضمن قائمة التراث المميز، إلا أن "إيجوث" لم تفُلح في إصلاحه، لافتًا إلى تأثير زلازل 1992 على حالته، بالإضافة لتنفيذ المحلات التي تحيطه بعض الديكورات والأعمال الإنشائية.

وكلفت الآثار الوحدة الإنتاجية ذات الطبيعة الخاصة بعمل دراسات ومسح ذري مع "ايجوث" لقطع الفندق وجدرانه، لكن ولأنه غير تابع لوزارة الآثار وغير مسُجل كأثر، فلا تملك الوزارة أي رقابة لمنع الهدم، يتابع رئيس قطاع الآثار الإسلامية. ويشير إلى حضوره جلسة عقدها مجلس النواب لمناقشة أمر الهدم، وبعض الندوات التي نظمتها محافظة القاهرة بخصوص الفندق "لكن كل اللي عملته أني لفت نظر المسؤولين لقيمة الفندق التاريخية والمعمارية، وأن جزء من إنشاءاته لا تزال بحال جيدة". وتابع أنه من حق ايجوث أن تستفيد ولكن من خلال الحفاظ على قيمة الأثر.