كرمكول

موسم هجرة "رجل الثلج" إلى الجنوب

منشور الخميس 22 مارس 2018

يعود الشاب الغائب، الذي كان قد غادر قبل أعوام إلى الشمال ليحصل من بريطانيا على رسالة الدكتوراة. يعود مثلما يروي.. عودة لمحطة الوصول، لمنشأه الأصلي، لقريته التي تقع عند انحناء النيل في طريقه إلى الشمال، عند النخيل والصحراء. يعود هاربًا من الثلج.. من الصقيع، إلى حرارة ودفء أهله وقريته.

يكتشف وجود عائد آخر، عاد قبله، لكنه ليس من أهل القرية الأصليين، يقولون عنه إنه قادم من الخرطوم. إنه مصطفى سعيد، الذي يبوح بقصته لهذا الشاب العائد. كيف أنه غادر إلى الشمال مدفوعًا بعقله البارد الذي يعمل كالسكين الحاد. يمر بالقاهرة، لكنه يستكمل الرحلة إلى الشمال الأبعد، الأكبر، والأكثر إبهارا.. إلى الأكثر برودة. يبحث عن الصقيع، هاربا من كل ما هو حار أو دافئ. يغزوا هذا الشمال بعقله، وينتقم منه. هو عكس الشاب الأول العائد إلى الحرارة والدفء، فمصطفى سعيد يعرّف نفسه بأنه "جنوبي يحن إلى الشمال والصقيع". لكن الجنوبي الأسمر الذي يغزو الشمال البارد ينهزم بعد عدد من الانتصارات، بعد أن ينتمي بشكل ما لهذه البرودة، فيعود مهزوما إلى الجنوب.

تتراوح حوله مقولات شائعات وأكاذيب. لكنه في النهاية عاد إلى ما يبدو أنه ينتمي إلى سكينة الجنوب التامة، لا يعنيه ما يقال حوله في المدن البعيدة أو القريبة. ومن حوله من جنوبيون لا يعلمون عن ماضيه الآخر. وفي أحد الأيام يقرر نهايته، التي لا نعلم إن كانت نهاية إرادية أو حادثة غرق خلال فيضان النيل. يختفي للأبد. وربما لم يوجد أصلا، فمصطفى سعيد يصف نفسه كثيرا بأنه مجرد أكذوبة.

 

كرمكول.. عدسة: باسل رمسيس

أما الشاب العائد بعد رحلة التعلم القصيرة، الحامل لأسرار مصطفى سعيد، وقد أصبح وصيًا على أبنائه وزوجته، هذا الدكتور الذي انتهى كموظف في حكومة لا ينتمي لها، يقرر فتح غرفة الكنز التي أودعه مصطفى سعيد مفتاحها، وأودعه حرية فتحها واستكشافها إن أراد. يقتحم غرفة الكنز في "حوش" منزل الغائب، الغرفة الوحيدة المبنية بسقف مقبب على الطراز الأوروبي. ليجدها كغرفة أوروبية أو إنجليزية تمامًا، بمدفئة مبنية في الحائط في مكان حار! مكدسة بالكتب وبالتفاصيل التي لا تنتمي إلى هذا المكان الأوسع، إلى هذه القرية الأفريقية، بل تنتمي لغربة مصطفى سعيد وصقيعه الداخلي.


نصل في مطلع شهر ديسمبر/كانون أول الماضي ببضعة سيارات، خلال صهد الظهر وبعد رحلة إستغرقت أربع ساعات من الخرطوم، إلى "كرمكول"، قرية الطيب صالح الذي إفتتح حياته الروائية بقصة مصطفى سعيد، بطل "موسم الهجرة إلى الشمال".

"جينا كرمكول" مثلما قالت هذه السودانية الشابة التي تسمي نفسها أدبيا، وفي بعض الأحيان، بـ "ونجي"؛ أي "الراقصة مع المطر"، في مكان جاف مفتقد للمطر. فهي أيضا مثل مصطفى سعيد.. جنوب يحن إلى الشمال، وإن افتقدت عقله البارد كحد السيف.

جينا كرمكول ونحن نعلم أنها مصيرنا لمدة ثلاثة أسابيع، فهنا سوف نعمل ونتعلم ونستمتع ونحب ونشعر بالملل أيضا، ونحن نبحث عن أثر الطيب صالح.. عن مكانه.. عن أهله.. عن بيته. وقليلون من بيننا هم من سيجدون هذا البيت المغلق المهجور فيما يسمونه "طريق العبيد".

نصل أو لا نصل إلى "طريق العبيد"، لكننا وجدنا القرية التي رسمها الطيب صالح في ملامح قراه المتناثرة في رواياته ونصوصه القليلة، والتي كانت دائمًا بطلة من بطلات هذه النصوص، وإن سميت "ود حامد" وليس "كرمكول"، مثلها مثل محجوب الذي يتكرر اسمه في هذه الروايات وفي أزمان مختلفة، لكنه يظل رمزًا لما يحبه الطيب صالح كنموذج للبطل القروي السوداني. وكرمكول مثل قرية "موسم الهجرة إلى الشمال"، تقع عن منحنى النيل، وأمامها أيضا جزيرة نصفها رملي ونصفها أشجار ونخيل، ولا يسكنها أحد.

ليست مثل قرى الصعيد المصرية، بيوت صغيرة متلاصقة، وشوارع ضيقة. هي عبارة عن قرية قسمها التمدين وقسمها الفيضان. القرية القديمة الملتصقة بـ"بحر النيل" عبارة عن بيوت طينية وواسعة. تدخلها من باب خشبي، في الأغلب ضيق، لتجد أمامك ساحة البيت الواسعة، وكأنها حديقة رملية محاطة من كل الجوانب بغرف طينية، بعضها له أبواب وبعضها الأخر بدون أبواب أو أسقف.

 

كرمكول.. عدسة: باسل رمسيس

والقرية الحديثة المبنية تحت تأثير التمدين النسبي، وكي تتجنب وطأة ضربات النيل وفيضاناته التي كانت تغرق البيوت والحدائق، بنيت في العمق، داخل الرمال، على مسافة واسعة من البيوت الطينية، وعلي نفس طراز القرية الأولى، لكن بالطوب وبعض الأسمنت، وبخطوط مستقيمة تتجنب أن تكون مثل خطوط القرية الأم التي تم هجرها.. ملئ بالمنحنيات. وبنيت كذلك ليفصل بين بيوتها شوارع وممرات أكثر إتساعا من شوارع القرية القديمة.

وبين القريتين مسافة تقل قليلا عن الكيلومتر، عليك أن تسيرها في الرمل وتحت شمس حارقة، تجعلانك تتفهم حنين مصطفى سعيد إلى الصقيع، وربما هو حنينا أيضا للمسير علي طرق الأسفلت، الذي يسمونه السودانيون “الزلط”.


السيارات التي تصل يوميا لتحمل مشاركين جدد في هذا المهرجان أو الملتقى الذي سيستمر لمدة واحد وعشرون يومًا، تحمل شبابًا وشابات من الخرطوم ومدن سودانية أخرى، بعض العرب، وبعض الشماليين من بلاد الصقيع، وأغلبهم من شمال أوروبا. من بينهم من سيشارك في إخراج منتجات مسرحية أو سينمائية أو موسيقية أو أشكال أخرى من التعبيرات الفنية و"البريفورمانس”، وبينهم متطوعون بالعمل مجانًا في هذه التجربة الغريبة.

سيدة شمالية في منتصف العمر، بيضاء، يتحول لونها مع مرور الأيام وبسبب شمس كرمكول إلى ماهو أقرب إلى الأحمر المحروق. هي طويلة وهادئة وقليلة الكلام. لها ابتسامة محايدة وعينان تنظران إلى عينيك مباشرة. سوف تقوم ببناء "آيس مان" (رجل ثلج) عملاق، في هذه المسافة الواسعة التي تفصل ما بين القريتين، الطينية والأخرى المحمية من الفيضان. رجل ثلج في مكان لم يرَ الثلج يوما!!

في هذا الموقع تحديدًا، وبسبب اتساعه سيتحول رجل الثلج إلى الرجل الأشهر في كرمكول والقرى المجاورة، سوف يكون أشهر من العمدة، والآخرين المسمون أيضا بالعمد. سيكون مرئيًا من جميع الجهات، حتى لهؤلاء العابرين من بعيد، الذين سيكتفون بإلقاء نظرة سريعة على هذا العملاق في طريقهم إلى قرى أخرى، أو في طريقهم إلى القرية/المدينة الأكبر والتي تبعد بضعة كيلومترات.. "دبة الفقراء".


يوميًا وقبل التاسعة صباحا يبدأ حفر الأساسات لرجل الثلج، ثم تنصب عواميد الصلب في منتصف الفجوة التي تم شقها في بطن الأرض، وتدعيمها بالأسمنت كي تحتمل العملاق الشمالي الذي سيقطن كرمكول إلى الأبد، ويحقق ما لم يستطع مصطفى سعيد تحقيقه في بلاد الشمال حين عاد مهزومًا. وبالتدريج تبدأ قطع الطوب المتراصة في صناعة الدوائر المتتالية لبناء جسم العملاق الذي يرتفع بالتدريج وببطء.

 

كرمكول.. عدسة: باسل رمسيس

هي تقف بين العمال السمر، تحمي رأسها من الشمس ببعض الأقمشة وأحيانا بقبعة. تتحدث قليلا وتشير إليهم وللعابرين بكلمات قليلة وبابتسامات متحفظة. هم يعملون ببطء وهدوء، وهي نادرا ماتشارك في البناء بيديها، فدورها هو الإشراف على تنفيذ ما صممته وتعرف كيفية انتصابه.

علينا المرور يوميا ولعدة مرات أمامها وأمام رجل الصقيع الذي لم يكتمل، فأغلبنا يسكن في منازل القرية الحديثة، لكن أماكن عملنا وأنشطة المهرجان تتم بين بيوت القرية الطينية القديمة، ومع كل مرور وإلتفاتة سلام صامت معها، أو ندهة “السلام عليكم" للعمال المنهمكين في خلق رجل الثلج، نطرح على أنفسنا نفس التساؤل.. إن كان سيكتمل مع هذا الإيقاع السوداني الهادئ الذي "يبدو" أنها تتحمله بصبر؟

على الأقل "يبدو".

بعضنا يشغل نفسه أحيانا بسؤال غير جوهري، نابع من سؤال النوع الجنسي الذي اجتاح نقاشاتنا وأفكارنا وإبداعاتنا خلال السنين الأخيرة.. وهو سؤال لماذا رجل ثلج؟ لماذا لا يكون سيدة الثلج؟ ونظن، وأحيانا نثق، في أنها، وبسبب وعيها الشمالي، سوف تبدع نموذجًا جديدًا ومختلفًا، ليس برجل وليس بامرأة، ينتمي بشكل ما إلى هذا المكان، إلى الصحراء الممتدة وبحر النيل الملتوي، إلى الطين الغامق عند حواف البحر، وإلى النخيل الكثير، وإلى أولئك النساء بأقمشتهن الزاهية، وإلى الرجال المنتصبين الطوال السمر في جلاليبهم البيضاء. ننتظر الاكتمال ونقول “سوف تخلق كائنا مختلفا وجديدا".

وفي قرية الطيب صالح يرتفع رجل الصقيع أمتارا إضافية. لا نعلم إن كانت الفنانة الشمالية قد قرأت رواية مصطفى سعيد.. هذا الذي بنى في فناء بيته الريفي حجرة بقرميد على الطراز الشمالي، ليخبأ بداخلها سره وكنزه.. حصيلة مغامرته الشمالية، غزواته، هزيمته، وانسحابه.


بأصوات خافتة نتبادل الدعابات حول الـ"آيس مان”. نقول إنه يتحول بالتدريج إلى "قلة" عملاقة، وليس رجل ثلج. وتتطور الدعابات عن مصيره كنقطة التقاء ما بين القريتين، القديمة والجديدة، وإذا ما كان سيتحول في المستقبل إلى محطة يتبول في ظلها الرجال، في طريقهم ما بين القريتين، بعد أن نغادر نحن "السياح" القادمين من الشمال، أو من الخرطوم في الجنوب، وتتهدم تدريجيا المراحيض العامة التي بنيت من أجل المهرجان.

 

كرمكول.. عدسة: باسل رمسيس

تمتزج الدعابات بنقاشات جادة، دون أي حدة، عما نفعله هنا. عن الأسئلة المفتقدة للإجابات اليقينية، وبعضها أسئلة أخلاقية. عن جدوى إحضار ثقافات ومنتجات فنية غريبة لمكان ناء ومنعزل بين النهر والصحراء ولفترة محدودة. سنعمل ونتفاعل ونرحل ونختفي، فهل ستختفي آثارنا؟ هي سيختفي بكاء عم علي، هذا العجوز الوحيد صاحب منزلنا الذي تونس بضجيجنا صباحا حين نستعد للمغادرة وليلا عند عودتنا للراحة والنوم، والذي احتضننا باكيا عند المغادرة ليطالبنا بأن نسأل عنه بين الحين والآخر وألا ننساه؟ هل ما يسمي بـ "منتجاتنا الثقافية والفنية" تتفاعل حقيقة مع منتجات المكان وناسه؟ لماذا لا تكون منتجاتهم الثقافية هي محور الأنشطة، وليس ما نحضره نحن من هذا الشمال؟ كثير من الأسئلة المتناقضة التي تختتم عادة بسؤال "وليكن.. سنختفي ولن يتبقي مننا أي أثر. لكن.. أليس لهؤلاء المهمشين، البعيدين عن المدن، الحق في قليل من الضجيج الثقافي، ولو حتى القليل من "الفرجة" وكسر الهدوء والرتابة والملل؟

نتساءل عن الملل والهدوء، وإن كان من حقنا أصلا كسرهما واقتحام هذا الفضاء، ونعود لرجل الثلج لنتأمله صاعدا بالتدريج وبإصرار. أصبح الأكثر ارتفاعا في كرمكول، فقط يتجاوزه النخيل الكثير، بعض الأشجار، والبرج المعدني لشاحنة شركة الاتصالات التي تضمن الحياة لهواتفنا المحمولة الحديثة، وسترحل معنا في اليوم الأخير.


أما هي؛ الفنانة الشمالية، فلا تعلم عن دعاباتنا وأفكارنا وأسئلتنا شيئا. تواصل عملها ليكتمل فعلا البناء الطوبي قبل نهاية المهرجان والمغادرة بأيام قليلة. وتبدأ رحلة المحارة التي ستستغرق يومان، كي تختفي بروزات الطوب ويكتسي رجل الثلج بملمس أملس منحه أياه الأسمنت.

نعم.. قد أصبح أخيرا عبارة عن "قلة"!! هو قلة متخذة شكل رجل الثلج الأوروبي التقليدي، عبارة عن كرتان، الأصغر هي الأعلى وتلتصق بالكرة الأكبر، وفقط. لا مفاجآت "جندرية" في كرمكول، فالهوس الجندري للشمال لم يتسلل إلى حقيبة هذه الفنانة ليصل معها إلى منحنى النيل. اكتفى بالتسلل إلى حقائب أخرى.

وهنا يظهر تساؤل جديد.. هل ستلونه بلون مختلف عن الأبيض؟ هل ستجعل هؤلاء الأطفال الحفاه يشاركون في تلوينه بألوان زاهية ومنفلتة وبدون تناسق، كي يكون رجل ثلجهم الخاص؟

إجابة لن ننتظر كثيرا لننالها.. فالمهرجان سينتهي بعد بضعة ساعات، وسيغادر الجميع، وهي معنا، إلى مطاراتنا وبيوتنا المتناثرة، البعيدة أو القريبة. وستعود هي لأعياد الكريسماس مع عائلتها في شمال أوروبا. شمال أوروبا الذي لا يعلم شيئا عن مصطفى سعيد، أو عن غزواته الحارة لصقيعهم.


اليوم الأخير.. 22 ديسمبر/كانون الأول 2017

 

عربات متنوعة الأحجام، حركة نشطة لشحنها بالحقائب والأجهزة والمعدات، بكائيات متفرقة، بعض الموسيقي والصخب. وهذا الموسيقي الصوفي الشهير، بحركته التي لا تهدأ أبدا، يجبر الشبان أن يملأ كلا منهم كيسا من القمامة المنتشرة في طرقات القرية، وهي أثارنا أيضا، إن كانوا يريدون أن تتحرك بهم العربات.. عملية إزالة لبعض من أثار "عدواننا" الثقافي، وترك لأثار أخرى تحتمل الصمود في وجه التراب والحرارة والجفاف، ومن ضمنها رجل الثلج.

نسمع عن عراك كلامي حدث بين خالقة رجل الثلج وبين سيدة شمالية أخري. السيدة الأخرى تمارس الفعل العكسي لمصطفى سعيد، تعيش في بلاد الحرارة هاربة من الصقيع، وهي في مثل عمره التقريبي حين اختفى. تقترب من الفنانة لتناقشها في عملها الفني، وفي جدواه. تنهي نقاشها بحسم، متهمة فنانة رجل الثلج بالكولونيالية، بأنها تأتي لتنصب رمزا شماليا في الجنوب البعيد، تصفه بالاعتداء الثقافي على خصوصية الناس "هنا". وباستهزاء تنصحها "لو مكانك أهده أحسن".

كيف امتلكت هذه المرأة هذا السكين الحاد الذي كان يمتلكها مصطفى سعيد، بطل الطيب صالح؟ مصطفى سعيد كان يملك سكينه في عقله، في سحره وأكاذيبه. أما هي فسكينها الحاد، وللمفارقة "الحار"، تمتلكه في لسانها. وكأنها أضافت إلى نصله بعض السم، منتظرة اليوم الأخير، يوم المغادرة، لتطلقه.

نركب سياراتنا التي سوف تقلنا إلى الخرطوم. قبل أن نتحرك، تنده "ونجي"/"الراقصة تحت المطر الغائب" علي "كمونية" شيخ منصر أطفال القرية، الذي كنا نجده في كل الأماكن في نفس الوقت، لتمنحه بعض الجنيهات. تتحرك السيارة، ننظر من نوافذها إلى رجل الثلج، لونه رمادي غامق بلون أسمنت المحارة، ومشوه ببعض البقع من الدهان الأبيض الذي لم يكتمل، والذي يتلوث من غبار السيارات العابرة.

ربما كان عدم الاكتمال انتصارا صغيرا لمصطفى سعيد، ضد شماله الذي هزمه وغزاه دائما.