الحياة الحقيقية والخيال القاتل في رسائل ديستويفسكي

"ماذا يمكن أن يتوقع من الإنسان؟

رشوا عليه كل بركة أرضية، أغرقوه في بحر السعادة، بحر لا تظهر عليه إلا فقاقيع البَرَكة، أعطوه أفضل رفاه اقتصادي، بحيث لن يكون عليه إلا أن ينام، ويأكل الكيك ويشغل نفسه بالعمليات التي تبقي جسده في الأرض، وحينذاك، سيقوم هذا الإنسان، مدفوعًا بالجحود والحقد، بتطبيق خدعة حقيرة عليكم. وسيجازف بالكيك، وسيرغب عامدًا في أتفه الأشياء التي قد تؤدي إلى هلاكه وفي أحقر الأشياء الرخيصة، لا لشيء إلا ليُدخِل على هذه المعقولية الإيجابية عنصره الخيالي القاتل".


يقوم الجزء الأول من رواية "رسائل من تحت الأرض" على نسق فلسفي يفرق بين صور مختلفة من متضادين؛ هما الحياة الحقيقية، والخيال القاتل. ومن هذا الزوج الرئيسي تتداعى أزواج أخرى متضادة؛ مثل الإنسان الفاعل – الإنسان السلبي. الإنسان الأحمق – الإنسان الذكي. الإنسان السعيد – الإنسان الشقي. الواقع – الحلم.

فالشق الإيجابي؛ السعيد والذكي والفعال، يتمثل في رؤية الراوي للآخرين، إن فعاليتهم تبدأ بنوع من الاختزال والعمى، عدم التبصر بالإمكانيات الأخرى التي سيعدمها الفعل. ويستحيل استحالة تامة أن يكون هناك أي "حياة حقيقية"، أو حياة قوامها "فعالية إيجابية"، إلا بأن يكون الإنسان مسلحًا بضيق الأفق والحُمق والقصور في الحساسية والفهم، وهي الأسلحة التي ستمنعه من أن يعرف أي شيء عن آلياته النفسية وأكاذيبة، وبالتالي، سيجد معنى في أي خطوة يخطوها. والفعالية الإيجابية ستجر بعضها بسلسلة من الأكاذيب والخدع.

تتداعى ذكريات الراوى بحقد وغيظ عن لمسات هذا الحمق والغرور في ملامح وتصرفات زملائه أيام الدراسة، وزملائه في العمل بعدها. هذه اللمسات الغبية التي يصيبه الاعتقاد بدوامها تبرق في ذهنه لآخر العمر وتمنعه من راحة البال، بالهستريا.

في المقابل، هناك الشق السلبي الشقي والحالم الذي يمثله الرواي نفسه، الوحيد والمنعزل انعزالًا تامًا، يسكن جُحرًا حقيرًا في ظروف مزرية بعمل كتابي يدرّ عليه مبلغًا تافهًا، ولقد عاش أربعين سنة كاملة دون أن يُسهم فى أي فعل، بل قضاها كلها فى الأحلام والتصورات الحالمة والشعور الموئس بحقارة الذات.

فعندما يدرك الراوي حقارة وضعه يجلب عليه هذا مزيدًا من الاستمتاع ويجعله يُمعن ويُمعن في هذه السلبية، لأن الرؤية التي تمثل الأمل لدى الحمقى وتبعث لديهم النشاط بخصوص معنى أي شيء يُمكن أن يُبنَى، يبدّدها المنطق المُفرط لدى الراوي.

والغريب أن شعورًا بالدناءة والحقارة يحلّ عليه في ذروته بلون من السكينة والاستمتاع، وطوال صفحات الرواية، هناك ديدان من سعادة خبيثة تداعب الإبط، وتخرج من أنتن مشاعر الخزى التي تأتي كنتيجة لسعة إدراك الراوي، وبـ"استمرارية نفسية سلبية"، تجذب هذه المشاعر بعضها، فعندما يدرك الراوي حقارة وضعه يجلب عليه هذا مزيدًا من الاستمتاع ويجعله يُمعن ويُمعن في هذه السلبية، لأن الرؤية التي تمثل الأمل لدى الحمقى وتبعث لديهم النشاط بخصوص معنى أي شيء يُمكن أن يُبنَى، يبدّدها المنطق المُفرط لدى الراوي، فكل الإمكانيات والاحتمالات تُزهر في خياله، وتجعل أي اختيار لأحدها دون الآخر انتهاكًا لأعز المتع العفنة في الجسد القذر الذي يعشق قشعريرة دوده، متع الحُلم والمشاهد المكتملة والعاطفة المستحيلة (فإما كل شيء، وإما لا شيء).

ونفس التطرف الذي يغذي مثالية الألوان الغزيرة والمكتملة لمشهد كامل، هو نفس مصدر المتع الاستمنائية الذهنية المازوخية القذرة للشخص الحالم.

من هذه الأرضية يروح ذهن الراوى ويغدو في المقال شبه الفلسفي الذي يتكون منه الجزء الأول من الرواية، إنه جزء نظرى أصمّ كُتب بسخرية مريرة تطفح بالعدمية، وقد نعتبر هذا الجزء أهم منشور قد يصلح لفلسفة عدمية متكاملة. إنه عدمي لدرجة أن الأفكار نفسها تُنهَك وتتوقف يائسة لتدخل بدلًا منها أفكار مناقضة "ممكنة".

تبعًا لفسلفات الوجودية، فإن هذه "الحقيقة" بخصوص العدم، هى بداية لوجود أصيل فعّال يبتدئ باتخاذ خيارات تستبعد إمكانيات عديدة وتُميتها، ولكن بالوعي بهذه الإمكانيات، الوعي المحمل بقلق نشط وأصيل. فهل في الجزء الثاني من الرواية، وهو الجزء "النفسي" الذي يتناول تداعيات نفسية مرتبطة بأحداث بعينها يمر بها الراوى، سيحدث مثل هذا الوجود الفعّال والأصيل؟!..

لمسة الحياة الحقيقية

بعد الجزء الأول الفلسفي من الرواية، الأصم والنظري والمسرف في التجريد، يبدأ الراوي فى كتابة جزء نفسي، بمعنى أنه يسجل تداعي خواطر مرتبط بأحداث معينة حدثت له. ويسمي هذا الجزء "مهداة إلى الثلج الندي". فإن مجموعة الحوادث القليلة التي سيرويها بشكل مكثف تتبلور جميعها حول انطباع كئيب ومشؤوم بندف ثلج ثقيلة وضخمة، وبحفنات ثلج خُيّل للراوي أنها تسربت إلى قبر ما أودعت فيه بإهمال جثة جديدة.

ويهدى الراوى هذا الجزء للثلج وكأنه بارقة خاطفة فى صحراء معتمة، تخطف ذهن الراوى وتذكره بالحدث اليتيم الهام فى حياته الخالية من الأحداث. فى هذا الجزء تتحول الرواية من ملل الجزء الأول، إلى كثافة مذهلة في سرد مواقف واقعية قوية ومواجهات مباشرة مع "جحيم عيون أخرى" تهز كيان حالة مرضية، تظل تتكشف عنها الأغطية حتى تخرج إلى النور في ذروة هذه التتابع المسرحي المحموم الذي يميز جوهر أسلوب ديستويفسكي.

ثمة يوم لا ينتهى، يمتد ككابوس وينجرف فيه الإنسان إلى مصيره من خلال ذروات انفعالية تنتهي بحقيقة صمّاء تتمثل في "جنون"، أو "انتحار" أو "سجن مؤبد". تبدأ سلسلة الأحداث بقرار خاطىء لزيارة صديق ما وحضور حفل عيد ميلاد صغير يقيمه مجموعة من زملاء الدراسة القدماء الذين كانت تجمعهم بالراوي بعض الضغائن. وطوال الحفل كان الراوي يشعر باحتقارهم له وسخريتهم منه.

وتتتابع الأخطاء كلما ازداد تأثير السكر، وتجر بعضها بعضا بسبب سعة خيال الراوي المفرطة، وريبته المرضية من الجحيم الذي يمثله رأي الناس فيه وأفكارهم بشأنه، ويبقى هناك اعتقاد قوي باحتقار الناس له، وهو الاعتقاد الذي يتعزز ويجلب في نهايته شعورًا خسيسًا باللذة، يدفعه لمزيد من الانحدار، فتتوالى الكوارث والمشاهد المخجلة. ومن الجدار الأصم لريبة الراوي المكتملة وبارانويا الاضطهاد لديه، تمر عبر فتحة ضيقة كثقب فى الزنزانة، بارقة رؤيا مُلهمة أصيلة وذكية.

في كل أعمال ديستويفسكي نجد شيئا من هذا؛ (حلم ملهم يأتي في ذروة ليلة جحيمية مليئة بالكوارث، يمثل خروجًا مؤقتًا في لحظة ساحرة من الفعالية المرضية المستمرة بلا نهاية، والتي تدفع الإنسان دفعًا إلى مصيره، ويعقب هذا الحلم استمرار الفعالية وانتهاؤها إلى قبضة قاسية لحقيقة صماء؛ موت أو جنون أو سجن مؤبد). كذلك هنا، ينتهي كابوس الراوي في بيت للدعارة، حيث استفاق من ثمالته وحيدًا حيث يبدو أنهم خلفوه هنا.

"كانت الحياة الحقيقية قد سحقتني، بحيث لم يعد في وسعى أن أتنفس".

وجد نفسه أمام عينين تنظران إليه على إضاءة خابية لشمعة، فتاة فى العشرين، مسكينة ومقيدة بديون جعلتها تمتهن الدعارة وتعرّض نفسها لمخاطر للإصابة بالسل والإنهاك وازدراء المعجبين، وبينما هو مسلطح على ظهره متأملا في بركة صافية بعد الذروة الاستمنائية ليومه الممتلئ بالإهانات، يشرع في لعبة مريبة، يتكلم بشكل مؤثر وبلغة بليغة اكتسبها من الكتب ويستفيض في وصف سوء حال الفتاة ومصيرها المفجع ويكلمها عن الحب والزواج، ويرسم لها عالما مكتملًا "مثاليًا" من الموت والقذارة والنسيان، ويروي لها مشهدًا متخيلًا لتابوت يودع في قبر رشحت بداخله طبقة مياه جوفية، وبداخل التابوت، تسربت إهمالًا ندف ضخمة من الثلج.

يتكلم عن كل هذا كأنه يتعمد أن يجعل جسدها الرقيق يرتجف ويرتعش ويقع تحت سطوته، ولكن عبر هذه الآلية الإسقاطية لتعذيب الآخر بدلا من تعذيب النفس، أي عبر هذه الزيف والمرض، تتبلور لمسة من "حياة حقيقية" مثّلها وعي حقيقى بالحب، لقد فاجأ الراوي هذا الاحتمال بالسقوط في الحب بينه وبين هذه الفتاه، حتى إن تداعياته الخيالية بدت كأنها جفلت للحظة، وفقدت اتصالها بتدخل هذه الملحوظة الطارئة.

هل سيتحقق الشق الآخر من الرؤية العدمية : الوعي بالعدم، بضيق الظروف، بعدم الإمكانيات وبالموت، الذي يولد حياة حقيقة أصيلة؟.

إن ديستويفسكى الذى يتبلور إنتاجه كله حول حقيقة مرضه الخطير، لا يعرف السلام إلا عبر حلم، ولا يتصور تحقق الرؤية الصافية المصحوبة بالسلام إلا عبر درجة واحدة فى سلم السقوط فى نوبة صرع، فوسط النوبة تنسجم بعض العناصر وتتولد رؤية صافية، يعقبها ظلام تدفق واستمرارية النوبة. (هكذا تم وصف نوبة الصرع فى رواية الأبله).

كان تمهيد أرض لهذا الحب مستحيلا، لقد جاء وسط نوبات هستيرية، أكملت فعاليتها بعده، فعندما زارته عاملة الجنس الصغيرة بعد يومين، كان في نوبة شجار هستيرية مع خادمه، وعندما رأته في هذا الوضع احتقرها وكرهها، وتعمد أن يهينها ويعترف بأنه كان يكذب عليها في تلك الليلة لتقع تحت سطوته، وحتى بعدما نظرت له نظرة حب متفهمة لهذا الكلام اختبأ خلف ستار وانتظرها حتى غادرت، وعندما خرج ليتبعها كانت قد اختفت، فارتاح باله وتلذذ بزحف الدود في أعماقه بعدما تحرر من يد "الحياة الحقيقية" التي امتدت إليه وكادت أن تمسك به.

كانت الحياة الحقيقية شيئا مستحيلا.

"كانت الحياة الحقيقية قد سحقتني، بحيث لم يعد في وسعى أن أتنفس".