الوصفة رقم 7 .. مغامرة عجائبية في أرض اللابوريا

لعنة، حقًا لعنة أن تنعدم جميع أنواع الكيوف في المنطقة على يد الزعيم المتجهم عاقد الحاجبين، الذي ترك البلاد "تنام وتصحو بلا حقنة واحدة، بلا سيجارة حشيش واحدة، بلا سطر هيروين واحد".

"قرب الصباح غادر مليجي المعمل، واتجه إلى شرفته الضيقة، ليستمتع بنسمة هواء، أحضر معه تركيبة أخرى ليجربها: زبل حمام + سكر + رشة بنج + مسحوق قرص مسكن. مزج المكونات ولفها بالورق المصنوع من السليلوز. أشعل سيجارته، وراح ينفث منها ببطء، متلذذًا بالمذاق الغريب والدبق للسيجارة، سكر محروق مع رائحة عفن محببة للنفس، (عفن أليف) هكذا وصفه".

في هذه الفقرة من رواية "الوصفة رقم 7" يُفصِّل لنا الكاتب أحمد مجدي همام العناصر التي صاغت "دماغ" بطل روايته الثالثة. لعنة، حقًا لعنة، أن تنعدم جميع أنواع الكيوف في المنطقة على يد الزعيم المتجهم عاقد الحاجبين، الذي ترك البلاد "تنام وتصحو بلا حقنة واحدة، بلا سيجارة حشيش واحدة، بلا سطر هيروين واحد".

عانت البلاد في ظل الحاكم الصارم الجديد من وضع مزري، فلم يكن بين الأفراد من هو ليس "صاحب كيف". ولذلك وقعت المدينة في حالة من التشوش والتخبط، لم يعد العاملون يركزون في أعمالهم، ولا المزارعين قادرين على أعمال الفلاحة، بسبب تكدير أدمغتهم. وظلت البلاد على هذه الحال طيلة عام، يعاني سكانها من بؤسٍ أبدي.. إلا "مليجي الصغير"، بطل الرواية.

حين أحضر له صديقه بذرة بانجو؛ كان مليجي قد أعد بالفعل عشر وصفات، اصطفى منهم رقم 7 وحقنها في البذرة وزرعها، فأنبتت شجيرة غريبة لف مليجي أوراقها ودخنها، ومن هنا تبدأ رحلة الرواية.

كان لمليجي قريب يعمل ضابطًا، يمده بجرعات منتظمة من المكيفات، حتى انفضح أمره وزُج به في السجن. وهنا، بدأت تجارب مليجي. كان يجرب تدخين أي شيء غير مألوف، لعله يستعيد لحظات من المزاج الطيب، فعاش قليلاً على تدخين خلطات ووصفات. وحين أحضر له صديقه "علي علي" بذرة بانجو؛ كان مليجي قد أعد بالفعل عشر وصفات، اصطفى منهم الوصفة رقم 7 وحقنها في بذرة البانجو وزرعها في إصيص، فأنبتت شجيرة غريبة يافعة بطول ثلاثة أشبار، ذات أوراق تتدرج ألوانها بين الأخضر والبنفسجي والأصفر، لفها مليجي ودخنها، ومن هنا تبدأ رحلة الرواية في أقصى أقاصي الخيال.

بهذا المدخل الغرائبي، الذي يشبه فكرة رواية العطر، عندما كوَّن البطل عطرًا من خلاصة روائح أجساد النساء، فكانت النتيجة الفانتازية؛ كذلك فعل مليجي محاولا صنع خُلاصة من عدة أشياء لم يجرب أحد خلطها من قبل، ما قاد لخلق الوصفة التي أنتجت النبتة التي وضعته في أرض اللابوريا.

كان ذلك بسبب استماع مليجي، بينما يدخن، إلى أغنية أحمد زكي "أنا في اللابوريا"؛ فوجد نفسه في أرض اللابوريا، وبدأ رحلته في بلاد "الحراصيد"، التي يسكنها أقزام "لهم عيون واسعة وأصوات مسرسعة، المسافة بين عيني الواحد منهم كبيرة بشكل لافت، وتحت العينين مباشرة، يقع أنف معقوف إلى الأعلى".

يضعنا المؤلف وسط مغامرة شيقة في أرض خيالية مليئة بالكائنات العجيبة. أبدعتها مخيلته التي تتمتع في "الوصفة رقم 7" بخصوبة كبيرة، وبحار لا تنضُب من الإثارة، داخل تلافيف جغرافيا وهمية رسمها في نهاية روايته في خريطة منسوبة لمليجي الصغير، ترد فيها تفاصيل رحلته في أرض اللابوريا، وصولاً إلى أرض الأحلام، وهي جزيرة كابوريا.

للرواية هدف رئيس وهو المتعة، بعيدًا عن كل الشطحات والرمزية السياسية التي يمكن أن نستنبطها. وتزداد أحداثها إثارة بوصول القارئ إلى أرض الحراصيد، ثم اكتشافه أن مليجي سيخوض مغامرة عظيمة عندما يجول كالرحالة في أرض اللابوريا كلها من أقصى الجنوب حيث بلاد الحراصيد، إلى أقصى الشمال حيث جزيرة كابوريا، التي قيل له أنها الجزيرة الوحيدة التي لا تميز بين الأجناس، وتعيش في حالة من الرخاء، والمزاج الرائق.

بالطبع استفاد مجدي همام من الكتب التراثية مثل ألف ليلة وليلة وغيرها، لكنه أجاد توظيف ذلك التراث الخيالي الثري في روايته دون تخلٍّ عن روح الفكاهة المرحة في الكتابة إذ يملك موهبة صنع النكتة، ففي النكتة أبسط قواعد الدراما والحبكة والإثارة. ومن هنا يمكن للرواية أن تتجسد في صورة مسلسل رسوم متحركة، على غرار مسلسل Rick and Morty فالوصفة رقم 7 تملك حس دعابة ودراما مشابه للمسلسل، كما أن شطحات خيالها تضاهي ما في المسلسل من أفكار.

كما يملك همام ملكة صنع الحبكة، واللحظات الدرامية. فالرواية بالنسبة له كانت طيِّعَة، يفعل بها ما يشاء كيفما شاء وقتما شاء. فهو الكاتب، وليس على مسار السرد سوى السمع والطاعة، فمهما تزداد المصائب على البطل، مليجي، سيجد له همام مخرجًا أو حلاً دراميًا مثيرًا كان يخبئه. ليس ذلك حكرًا على المواقف التنويرية الرئيسة فحسب، بل في الرواية كلها، حتى التفاصيل الصغيرة.

".. وهذا أيضًا ما حدث، هنا، في الحارة الشعبية التي يعيش فيها مليجي، في مدينته الكئيبة، الواقعة في أحد أقاليم بلاده الرمادية".

من رواية الصفة رقم 7- أحمد مجدي همام

ويملك همام لغة شيقة بسيطة ممتعة، ففي الوصفة رقم 7 سيجد القارئ نفسه منساقًا وراء الكلمات دون الحاجة إلى شحذ تركيزه، فالرواية وحدها ستفعل فعلتها بسبب لغتها السهلة والجذابة التي تحفر أكثر في تلافيف وصف الأمور، فتأتي بكل التنويعات والتوليفات الممكنة للظاهرة أو الحدث. فمثلاً، مدينة الكرنتينا، التي هي عبارة عن حجر صحي كبير، يكثر فيه المجذومين والعميان، يصفها الراوي فيقول "عند المدخل الرئيسي للعزبة، جلس بعض العميان العجائز يدخنون الغلايين، اقترب مليجي منهم وألقى السلام، التفتوا جميعًا إلى مصدر الصوت، نظر مليجي إلى عيونهم التي يغطيها البياض، أو الزرقة، عيون أخرى كانت مسمولة، وفي حالة نادرة، كان هناك منهم من لم تكن عنده تلك الفجوة التي ترقد العين بداخلها أصلاً، كانت خدودهم ممتدة إلى عيونهم، أو إلى المكان الذي كان يجب أن تكون فيه عيونهم".

شيء آخر لافت للانتباه، وهو أن الرواية مكتوبة لتصبح عالمية، رواية كوزموبوليتانية إن صح التعبير، ففي البداية ليس للمكان تعريف دقيق، هل هو في مصر، أم في بلد أخرى؟ ففي مدخل الرواية يقول الراوي ".. وهذا أيضًا ما حدث، هنا، في الحارة الشعبية التي يعيش فيها مليجي، في مدينته الكئيبة، الواقعة في أحد أقاليم بلاده الرمادية".

لم يكن همام مملًا في رسم الأحداث، بل هي في إثارة مستمرة، فلم تكن كل البلاد التي يزورها مليجي بنفس العادات والتقاليد، ولا بنفس طريقة التعامل مع الأجانب، ففي أباشيريا، استضافه "نمير آل ببر" وأكرم ضيافته، وهناك أحب مليجي أخته "سنورية" وتزوجها، ولكن كانت هناك خلافات بين قبائل أباشيريا تشبه الخلافات التي بين الفرق الإسلامية، وخاصة بين الشيعة والسنة. كان ذلك اسقاط ضمن اسقاطات الرواية المتروكة لتأويل القارئ. وكان أحدهم يريد أن يتزوج من سنورية، جميلة جميلات أباشيريا، الأمر الذي استدعى هروبهما معًا، كي يتشارك مليجي جزء من رحلته رفيق زوجته سنورية.

رسم الشخصيات ووصف الأماكن والأشياء في الرواية يمثَّل ذروة إبداعية، فلكل فصيل من الكائنات العجيبة عادات وتقاليد مختلفة. ولكل فرد اسم يعبر عنه وعن بلده، وشخصية منفردة مرسومة بإحكام ولغة خاصة، حيث يجد القارئ أثناء الإبحار مع مليجي متعة في تخيل الشخصيات والأماكن، تفوق متعة مشاهدتها في فيلم أو مسلسل، فنمير آل ببر كان متحذلقًا، يتكلم بلغة واثقة، وله أفكار خاصة، ورُسِمت شخصيته بطريقة ممتازة. كما أن أباشيريا كلها كانت تشبه شوارع وحانات الغرب الأمريكي القديم ورعاة البقر. وأما الجباليون، فكانت لغتهم بدوية، فمثلًا كان يقول لازَورد وَلَد صوّان لمليجي "واش تطلب فِ جْبَلّ".

صياغة الشخصيات ليست حِكرًا على الكائنات العاقلة، بل هناك جمادات وحيوانات في الرواية لها أمزجة وطباع غريبة، مثل نهر البكيفو، والذي سمي ذلك لأنه "يتصرف على كيفه" فيقرأ الأفكار ويتلون ويصطاد الناس بمائه، ولديه ضفدع مخادع تابع له. كما أن هناك سلاحف مائية عملاقة يستعملها الناس في الإبحار، وأفعى القهيقران، المعروفة باسم "الزاحفة في اتجاهين" لأن لها رأسين في كل طرف. كما استخدم همام الموروث الديني، وجعل من يأجوج ومأجوج قوم لهم مملكة خاصة في أقصى الشمال، بعد عماليقستان، التي تسكنها العماليق، ورغم أنهم في الظاهر أقوى الكائنات بسبب أحجامهم، فهم كانوا الألطف مع مليجي الصغير، بعكس اليأجوجيون المأجوجيون، الذين كانوا شرا مستطيرًا.

هكذا تغوص الرواية في أقاصي الخيال، مستخدمة لغة بسيطة، طوَّعها الكاتب لوصف أدق التفاصيل، وخلق أعجب المخلوقات، وصُنع أندر الحبكات، في رواية شيقة، تأخذ القارئ من ناصيته في مغامرتها الفريدة والممتعة، حتى تأتي النهاية غير المتوقعة.

رواية الوصفة رقم 7 رواية جديرة بالقراءة، ولن أقول احذر من الوصفة، بل حاول أن تصنعها بكل أريحية في المنزل.

صدر لهمام عدة روايات ومجموعات قصصية منها "أوجاع ابن آوى"2011، و"الجنتلمان يفضل القضايا الخاسرة" 2014، وحصلت الأخيرة على جائزة ساويريس لأفضل مجموعة قصصية فئة شباب الكتاب 2016 ، وصدر له "عياش" عن دار الساقي 2017، وأخيرًا "الوصفة رقم 7" 2018.


اقرأ أيضًا: النجدي.. رحلة بحار كويتي في ذاكرة أثقلتها التحولات

وستجد مراجعة مهمة هنا عن مجموعة "ترعة أم الشراميط"

وقدم أمير زكي في هذا المقال استعراضًا لأحد الكتب المفضلة عند لاعب الكرة محمد صلاح