بوستر فيلم Capote الذي تناول ظروف كتابة كتاب "بدم بارد"

قصة كتاب كُتب بدم بارد

من مجرد خبر صحفي عن جريمة قتل لكتاب تناولته السينما بفيلمين يحكيان الفترة التي كُتب فيها الكتاب​.

لم ينهِ الكاتب الأمريكى ترومان كابوتي أية رواية بعد كتاب "بدم بارد" In Cold Blood الذي نُشر في يناير/ كانون ثان 1966، ويحكي قصة جريمة قتل حدثت في نوفمبر/ تشرين ثان 1959 بمدينة صغيرة بمقاطعة كانساس، ونشرته بعد 6 سنوات على أربعة أجزاء مجلة نيويوركر التي كان يعمل بها كابوتي.

حققت روايته "إفطار في تيفاني" Breakfast at Tiffany's الصادرة في 1958 نجاحًا طيبًا، لكنه كان يريد الكتابة عن موضوع جديد لنفي اقتصار أعماله على النميمة والشائعات.

قبلها بسنوات قليلة، بعثته النيويوركر ليرافق فرقة باليه روسي، فكتب تحقيقًا صحفيُا روائيًا، وجمعه في كتاب بعنوان "نسمع ربات الوحي" The Muses Are Heard نُشر عام 1956. والعنوان مأخوذ عن مقولة روسية شهيرة "عندما تدوي المدافع، تسكت ربة الوحي، وعندما تسكت المدافع، نسمع ربه الوحي". وmuses هن ربات الفنون التسع في الميثولوجيا الإغريقية.

لكن يبدو أن "الكتابة السردية غير الروائية" استهوته في آخر أعماله، فوجد ضالته في خبر صحفي عن جريمة قتل، وقرر الكتابة عن كيف تأثرت قرية أمريكية صغيرة في كانساس بتلك الجريمة البشعة.

دفع نجاح أعمال كابوتي المخرج بلايك إدواردز المعروف بابتكاره شخصية المفتش جاك كليزو أو الفهد الوردي The Pink Panther، إلى تحويل رواية "عشاء في تيفاني" Breakfast at Tiffany's لفيلم من بطولة أودري هيبورن وحصل الفيلم على جائزتي أوسكار.

بعد نشر كتاب "بدم بارد"، أصيب كابوتي باكتئاب حتى أنه رفض كتابة سيناريو وحوار سينمائي لرواية جاتسبي العظيم The Great Gatsby للروائي سكوت فيتزجيرالد. رغم إعجابه بالرواية وتخطيطه لمشروع لتحويلها إلى فيلم سينمائي بالفعل. ومما جناه من شهرة ومال، اشترى منزلاً منعزلاً قضى فيه بقية حياته.

كابوتي أمريكي وآخر بريطاني

تناول فيلمان قصة حياة الكاتب. لكن الغريب أن الفيلمين ركزا على الفترة الزمنية التي كُتب فيها كتاب "بدم بارد"؛ الفيلم الأول هو "كابوتي" Capote الذي أُنتج في فبراير/ شباط 2006 وقام بدور البطولة الممثل الأمريكي فيليب سيمور هوفمان، الذي فاز بجائزة أوسكار عن دوره. والفيلم الثانى هو Infamous وقام بدور البطولة فيه الممثل المسرحي البريطاني توبي جونز في دور ترومان كابوتي، وشاركته الممثلة ساندرا بولوك في دور الكاتبة هاربر لي ودانيل كريج في دور أحد القتلة الذين قاموا بالجريمة التي كتب عنها كابوتي.

حاول الفيلم البريطاني الاختلاف عن نفس القصة التي تناولها زميله الأمريكي، وصبغ الفيلم بصبغة وثائقية في البداية، حيث تظهر الشخصيات وهي تعلّق بذكرياتها وانطباعاتها على الأحداث. ولكن التميز الحقيقي في أن هذه النسخة وضحت عمق العلاقة بين الكاتب والقاتل، كما أنه يُظهر أكثر مثلية الكاتب، بالتركيز على ارتداء ملابس نسائية وعلاقته بالوسط النسائي والممثلات ومصممي الأزياء والنميمة.

أما "كابوتي" بتجسيد الممثل فيليب سيمور هوفمان، في الفيلم الذي حمل اسمه، فيظهر أكثر الصراع الداخلي للشخصية وارتباط الكاتب بشخصيات عمله بين الواقع والإبداع.

سرد غير روائي

يُعتبر بدم بارد أشهر كتب Non-fiction novel في الأدب الأمريكي، سبقه بتسع سنوات كتاب "العملية ماسكر"Operación Masacre في نفس النوع الأدبي. وهي أيضا عن جريمة حدثت عام 1956 في الأرجنتين ووضع الكتاب الكولومبي رودولف والش، ونشره باللغة الإسبانية عام 1957. ثم تحول الكتاب إلى فيلم سينمائي بنفس العنوان عام 1973.

ونتذكر في هذا السياق رواية "خبر اختطاف" عام 1996 News of a Kidnapping للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وبالمناسبة ليست هذه الرواية العمل الوحيد Non-fiction للكاتب الحاصل على نوبل 1982. وجاءت نوبل 2015 لتعيد الاعتبار لهذا النوع تحديدًا، فقد حصلت البيلاروسية سفيتلانا أليكسسفيتش على جائزة نوبل عن كتابها "صلاة تشرنوبل". وكان الكتاب الأول الذي نقل أصوات حقيقية ممن وقعت عليهم المأساة في صمت.

والحقيقة أن الكتابة "السردية غير الروائية" أقدم من ذلك، إذ يعتبر كثيرون أن كتاب الأمير 1532 The Prince للإيطالي ميكافيلي هو أول كتاب يستخدم تقنيات وحبكات روائية في كتابة نصوص سردية حقيقية توثيقية.

من مجرد خبر صحفي إلى كتاب

يتناول الفيلمان عن الكاتب قصة كتابته لهذا العمل، وكيف بدأ الأمر، من مجرد خبر صحفي صغير يشير إلى جريمة قتل بحق أسرة كاملة مكونة من أربعة أفراد، إلى تحقيق متكامل. فقبل إلقاء القبض على القتلة بزغت فكرة الكتاب بأكمله في ذهن كابوتي، وظل يتحدث لأصدقائه ومعارفه عن الكتاب قبل أن يكتب حرفًا فيه طوال أكثر من خمس سنوات، مدة كتابة العمل، لكنه استقر على عنوان الكتاب في ذهنه منذ اللحظة الأولى، وقبل إلقاء القبض على القاتلين إلى مشهد النهاية بإعدامهم شنقا والذى حرص الكاتب على حضوره.

ذهب كابوتي إلى تلك المدينة الصغيرة بصفته كاتبًا وليس مراسلًا صحفيًا، مع صديقة عمره منذ الطفولة هاربر لي التي كانت وقتها قد حققت انتهت من روايتها واسعة النجاح "أن تقتل طائرًا مغردًا" To Kill a Mockingbird وكانت تنتظر رد الناشر الذى نشر الرواية بعد وصولها وصديقها إلى بغيتهم بشهور قليلة عام 1960، فتركته ورجعت إلى نيويورك لمتابعة النجاح الباهر للرواية التي حصلت بها على جائزة البوليتزر في الأدب عام 1961.

تحولت رواية "لي" إلى فيلم ناجح بنفس العنوان عام 1962 بطولة جريجوري بيك، وحقق الفيلم نجاحًا أكبر للرواية، مما جعلها من ضمن كلاسيكيات الأدب الأمريكي. وهي أيضا تتخذ من محاكمة حقيقية حدثت في ألاباما عام 1936 في أقصى الجنوب الأمريكي عمادًا لحبكة للرواية. وفيها يتم اتهام رجل أسود باغتصاب فتاة بيضاء. الرواية الوحيدة للكاتبة تدور من وجهة نظر طفلة في السادسة من العمر وهي ابنة المحامي الذي يدافع عن الرجل الأسود.

بالرغم من الفترة القصيرة التي قضتها معه هاربر لي، فقد ساعدته ليندمج مع أهالي تلك المدينة للحصول على انطباعات وملاحظات لتكون نواة كتابته، ولحسن الحظ استغلت هاربر لي دعوات عشاء الكريسماس للتواصل مع تلك العائلات عندما وقف صوت كابوتي الرفيع وملابسة الشاذة حائلاً أمام تواصله مع تلك الأسر الأمريكية المحافظة.

تلك التفصيلة من الحكاية التي كُتب بها الكتاب كانت واضحة في تجسيد الممثل فيليب سيمور لشخصية كابوتي الذي اهتم بأناقة الكاتب الأمريكي، على عكس تجسيد توبى جونز الذي جعله يتطرف ويلبس معاطف نسائية أثناء العمل.

لم يكن صوت كابوتي منفرًا إلى الحد الذي جسده به الممثل البريطاني، فقد قام كابوتي نفسه بصوت الراوي في فيلم تليفزيوني عن إحدى قصصه A Christmas Memory 1966 وتلاحظ حضوره وصوته أيضا من خلال المقابلات التلفزيونية والإذاعية التي تملأ يوتيوب.


ركز الفيلمان على العلاقة بين الكاتب وأحد أبطال كتابه، وهو أحد القاتلين، والذي قام بجريمته بعد شهر واحد من الإفراج عنه فى عقوبة بالسجن بجريمة سابقة. وأسند الفيلم البريطاني المُنتًج عام 2005 دور القاتل للممثل البريطاني دانيل كريج، الذي قدم دور جيمس بوند في نفس الفترة في فيلم كازينو رويال Casino Royale.

يدعى مخرج فيلم Infamous والتي تعني "شائن" أن فيلمه هو الذى يقدم صورة أقرب للحقيقة عن الكاتب الامريكي. وعلى الرغم أن الكتاب يتناول كامل حياة كابوتي؛ لكن المخرج كتب سيناريو فيلمه ليتناول تلك الحقبة فقط ويركز عليها. بالفعل السيناريو والإخراج أفضل بكثير من فيلم Capote ولكن الفيلم الأخير يتميز ويتفوق بأداء فيليب سيمور هوفمان.

أصيب ترومان كابوتي بالإحباط عندما لم يفز كتابه بجائزة البوليتزر، بالرغم أن الكتاب نفسه تناولته السينما بفيلم عام 1967 بنفس العنوان، وكان الفيلم شديد التأثر بكتابة كابوتي لدرجة أن المخرج صور كثيرًا من المشاهد في نفس بيت الضحايا وفي نفس المواقع بمدينة هولوكوم بمقاطعة كانساس.

صداقة لم تدم

كانت قصة كابوتي مع هاربر لي مختلفة، فالاثنان أصدقاء منذ الطفولة. في البداية تستغرب الصداقة بينهما، فالكاتبة هاربر لي لم تكن تحب الأضواء وحياة النميمة مثل كابوتي، وأيضا شريكه جاك دَنفي الذي كان يُفضل الكتابة عن حياة اللهو حتى أنه ألّف كتابًا عن كابوتي عام 1987،حكى فيه عن أيامه معه. ورغم ذلك كان ترومان يردد أنه كان يذهب مع صديقته في طفولتهما لحضور المحاكمات بدلًا من السينما في ألباما، حيث كان والدها محامي، وقال كابوتي إنه نفسه شخصية في رواية "أن تقتل طائرًا مغردًا".

لكن الصداقة القوية مع هاربر لي انقطعت، وتفرقا بعد نشر كتاب بدم بارد، أو بالأصح بعد فوزها بجائزة البوليتزر وعدم حصوله عليها، أضف لذلك أن كابوتي لم يشر لمجهود هاربر لي في تحرير المسودة النهائية للنص، ومجهودها منذ البداية. كما لم يقدم شكرًا لشريكه الكاتب جاك ديبي الذي كان يعيش معه طوال تلك الفترة. لكن قيل إنه قام مع لي برحلة نوستالجيا إلى بلدة طفولتهما في مقاطعة ألباما في آخر حياة كابوتي ليستعيدها ما انقطع.

توفى ترومان كابوتي في 1984 عن عمر 59 عاما بسبب فشل في الكبد. ويقال إن "بدم بارد" كانت آخر أعماله، وإنه حاول كتابة رواية أخرى على غرار البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست، ولكنه لم يكملها لأنها واجهت اعتراضات كثيرة حول فضحها لكل علاقاته والأسرار التي يعرفها.

تُرجِم كتاب "بدم بارد" لكابوتي إلى اللغة العربية، وترجمت نوفيلته قيثارة العشب The Grass Harp1951 والتي تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1995 بنفس العنوان، كما ترجمت له بعض القصص القصيرة المجمعة في مختارات مع كُتاب آخرين.