"في الفاضية والمليانة".. مقالات جاهين المنسية

في مقالاته يبدو جاهين غارقًا في الحلم الناصري باشتراكيته ومعاركه. لكن مقالاته لم تعكس عمقا أو رؤية خاصة؛ بقدر ما عكست حماسه الطفولي للنظام.. لكنها لا تخلو من لمحات جاهينية تظهر من وقت لآخر.

"ولكن لماذا لا يصبح كل نزلاء المصحات العقلية عباقرة خالدين يُمنحون جوائز نوبل وتقام لهم المتاحف والتماثيل؟ السبب بسيط، وهو أن الفنان يختلف قليلا عن المجنون، يختلف في أنه يستطيع أن يُدخِل الآخرين في عالمه الخاص.. بينما المجنون لا يستطيع".

تحمل هذه الفقرة التي كتبها الشاعر الراحل صلاح جاهين في مقال نشره في"صباح الخير" بعنوان "جنون هذا الرجل"، رؤيته الخاصة لعلاقة الفنون بالجنون على حد قول العبارة الشهيرة. حمل هذا المقال تعليقًا من جاهين على معرض صديقه الفنان التشكيلي الراحل منير كنعان، الذي ينقل كتاب "المقالات" الصادر ضمن الأعمال الكاملة لجاهين اسمه خطاً "ميشيل كنعان".

ليس الاسم المغلوط لمنير كنعان هو المشكلة الوحيدة في الكتاب الصادر عن الهيئة العامة للكتاب، ضمن الأعمال الكاملة للشاعر ورسام الكاريكاتير والسيناريست والممثل والمنتج الراحل. فالمقالات المكتوبة بين عامي 1959 و1967، والمجموعة من منشورات جاهين المتفرقة في الأهرام وصباح الخير؛ لم تحمل تأريخًا واضحًا، ما يُسقِط الدلالة المهمة لتواريخ الكتابة عن رؤى الفنان الراحل التي ارتبطت بتقلبات السياسة وصدماتها. ويكتفي الكتاب بعرض المقالات في تصنيف يرتبط بعنوان العامود وجهة النشر، إذ نشر الشاعر الراحل مقالاته في صحيفة الأهرام ومجلة صباح الخير. وكثيرًا ما سقط عن المقالات المجموعة عناوينها، التي تختلف عن عنوان العامود الواردة تحته.

نُشرت مقالات جاهين في الأهرام تحت عامود يحمل عنوان "في الفاضية والمليانة"عام 1966. وفي عامي 1966 و1967، كتب جاهين في صباح الخير تحت عامود "يا بنت ياللي". إلى جانب مقالات متفرقة بالمجلة نفسها التي عمل فيها طويلاً كرسام للكاريكاتير بين 1959و1962. هذه المقالات والرسوم الكاريكاتورية جميعها ضمتها أعماله الكاملة الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب.

طفل ناصري متحمس

كما في أغنياته وأشعاره التي تحمل محبة قوية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي رآه جاهين زعيمًا قادرًا على تحقيق أحلام الشاعر القومية والوطنية؛ يظهر في المقالات تأييد جاهين القوي لعبد الناصر، وحماسه الجارف له، إذ يصفه في مقالات عديدة بالبطل التاريخي المعاصر. وفي مقال وارد في الكتاب بلا عنوان، كتب جاهين مُحييّا عبد الناصر قبل إحدى رحلاته الخارجية "وأن أقف بين ملايين المواطنين. لألوح مودعا عبد الناصر في رحلته المجيدة. ولأهتف له مع الجميع : تروح وتيجي مع السلامة".

حماس جاهين لعبد الناصر يتوازى مع حماسه لـ"يوليو 52" التي يصف المظاهرات التي سبقتها في أحد المقالات بكونها مظاهرات معبرة عن "ثورة بلا عضلات وهيصة لذيذة". أما يوليو 1952 لديه فهي "رمز العمل والتخطيط والأكثر طموحًا والأعظم أهدافًا".


ولا يكتفي جاهين بتأييد يوليو 52، بل يهاجم خصومها بكل قوة، في مقال منشور بالأهرام بعنوان "أحكام"، يصف جاهين جماعة الإخوان المسلمين ب"عصابة الإخوان معروفة وألاعيبها كلها مكشوفة". وفي مقال نشرته الأهرام، يصب جاهين هجومه على مصطفي أمين الذي تم سجنه بتهمة التجسس، ويدعوه بـ"مصطفي الجاسوس مهرب الأسرار والفلوس. حيث يمارس التآمر ويحترف التخابر حتي ضُبط متلبسًا بالأمريكان وكان من أمره ماكان".

كتاب مصطفى أمين عن عامه الأول في السجن

وكذلك يهاجم جاهين الأنظمة المُعادية لعبد الناصر، والتي يصفها بالرجعية، مثل النظامين السعودي وعلى رأسه الملك فيصل والحبيب بورقيبة مؤسس الجمهورية التونسية، وألمح لكونهما أصحاب حسابات سرية في بنوك سويسرا.

في مقال "من يضحك أخيرًا"، يستمر جاهين مؤيدًا لعبد الناصر حتي بعد هزيمة 67، التي يصفها بأنها "مؤامرة" رسمتها أمريكا والهدف منها أن "نيأس من العمل ومن الثورة العربية الكبرى". ولكن الشعب الذي "وثب وثبة واحدة في 9 يونيو ينادي ناصر ناصر، كان يقول: أنا أصر أنا أصر. وهو الإصرار علي بناء الاشتراكية وعلي الوحدة العربية". وهو ما يوضح تمسُّك جاهين بزعامة عبد الناصر رغم الهزيمة.

أما انتقادات جاهين فلا تطال أبدًا الزعيم الذي آمن به، بل يوجه انتقاداته لمسؤولين أصغر كمحافظ القاهرة -وقتها- سعد زايد. في مقال "كلام جريء للمحافظ الجريء"، الذي انتقد فيه حب زايد للظهور ومغازلة الإعلام للاحتفاء بجولاته وقراراته، بينما يري جاهين أن المحافظ لا يقوم بأكثر من واجبات وظيفته في تنفيذ القانون. وأن المهم هو تنفيذ القانون لا شخص من ينفذه.

وفي "الحملة النابليونية على المشكلة التليفونية" ينتقد جاهين مصلحة التليفونات التي قامت باصلاح هواتف كُتَّاب "صباح الخير" ممن كتبوا مقالات عن مشكلاتهم مع التليفون، ويخبر جاهين القاريء أنه قام برسم عدة رسومات علي أمل إصلاح تليفونه هو الآخر.

كذلك يهتم جاهين بأحداث موسمية مثل موسم جمع القطن ومكافحة دودة القطن، ربما انطلاقًا من إيمانه بالأهداف الاشتراكية ليوليو 1952 التي كان عمادها العامل والفلاح. ويهاجم شركات إنتاج المبيدات الحشرية "الرأسمالية الغربية" التي تعمل على بقاء دودة القطن وتمنع إبادتها إبادة كاملة حتي تظل الدول (مثل مصر) في حاجة الي إنتاجها من القطن والمبيدات.

هذه الأحداث والقضايا التي يكتب عنها جاهين تبدو اليوم غير مهمة بالنسبة للشعراء والفنانين، لكن في هذا الوقت من بدايات الستينات كان محصول القطن يمثل أهمية استراتيجية كبيرة لوطن يسعي لإثبات وجوده. وفي مقال منشور بالأهرام - أسقط الكتاب عنوانه- يسخر جاهين من الثورة الثقافية الصينية وقيامهم القيادات الحزبية بتدمير التماثيل الإغريقية واسطوانات بيتهوفن، باعتبارهم أعمالا رجعية. وفي مقال "وزارة هذا الرجل" يستبشر جاهين خيرًا بتعيين المهندس صدقي سليمان المسؤول عن انجاز السد العالي رئيسا للوزراء. ويعتبر تشكيل وزارته دليلا علي المزيد من التجويد والمزيد من الانجاز.

في مقالاته يبدو جاهين غارقا في الحلم الناصري باشتراكيته ومعاركه. وكما يروي من عرفوه فلم يكن منافقًا؛ بل كان مؤمنًا إيمان الشاعر بحلمه. لكن مقالاته لم تعكس عمقا أو رؤية خاصة، أو تأصيلاً فكريًا يوضح أسباب ومقدمات إيمانه بالتجربة الناصرية؛ بقدر ما عكست حماسه للنظام.

فنون

أما في الفن فيكتب جاهين مدافعًا عن فن الكاريكاتير ويشير إلى مشكلة اعتراض فئات بالمجتمع عند تعرض الكاريكاتير لهم. وهو ماحدث عند نشره سلسلة من الرسوم تنتقد أساتذة الجامعة. ليوضح جاهين في مقال له بعنوان "معلهش..معلهش والنبي يا افندي!" أن انتقاد بعض الفئات لا يعني التعميم أو الإساءة لطائفة بعينها. ويري أن الحل لعدم إثارة حساسيات أي فئة هو التوقف عن رسم الكاريكاتير، وهو ما لا يمكن أن يحدث.

ويكتب تحت عنوان "عيد ميلاد بيكاسو الخامس والثمانين!" عن معرض للوحات بيكاسو في باريس، جرى من أجله جمع لوحات بيكاسو من مقتنيها في روسيا وأمريكا وانجلترا وتشيكوسلوفاكيا، مبديًا انبهاره بالحرص على تقديم معرض متكامل لمسيرة الفنان.

وتحت عنوان "تأملات شديدة العماقة في مسألة الفوازير الشاقة"، يكتب عن فوازير رمضان في الإذاعة التي كان يكتبها وتقدمها الراحلة آمال فهمي، وعن معاناته في كتابتها بشكل يرضي جميع أفراد الشعب باختلاف مستويات تعليمهم وثقافتهم. وفي مقال آخر ينشر شكوى المخرج توفيق صالح من معمل التحميض الحكومي الذي يفسد الأفلام، وينصح كل من يريد كتابة الأغاني في "خواطر غنائية" أن لا يلتفت إلى الأغاني الموجودة على الساحة، فالأغاني الجيدة هي جزء بسيط من شاعرية الكاتب الجيد، والبقية لا شعر فيها. ناصحًا قراءه ممن يريدون كتابة الأغاني بقراءة الكثير من الشعر وترديده بشكل دائم.

وفي مقال بعنوان "حلف مقدس بين العامية والفصحي"، يخوض جاهين معركة شعر العامية وشعر التفعيلة الفصيح، وأحقيتهما في الاعتراف بتساويهما فنيًا مع الشعر العمودي (الكلاسيكي)، مؤكدًا أن الشعر العامي لا يتعارض مع العروبة أو الاشتراكية. وتحت عنوان "مقلب" يهاجم جاهين فيلم "زوجة من باريس" للمخرج عاطف سالم وتأليف أمينة الصاوي، منتقدًا رداءة الصوت والموضوع الذي عولج "بعفوية وغشومية"، وعدم الاستفادة من مكان التصوير وهو الواحات.

وبعنوان "العبد لله وحالته في طب الأمراض العقلية" يصف جاهين حالته النفسية بال"مرحنقباضية" المكونة تمن المرح والانقباض، وهي تأرجُح فنان الكاريكاتير بين المرح طيرانا والانقباض والمرارة دون سبب، وهي الحالة التي لاحظها جاهين بين معظم رسامي الكاريكاتير في العالم من زياراته للرسامين في البلاد المختلفة.

وعن الرياضة يكتب جاهين عن مشكلة تشجيع الرياضة دون ممارستها بمقال "بين انتشار اللماضة ومحبة الرياضة". مقترحًا أن يرسم شخصيتين كاريكاتيريتين "واحد تخين زي حالاتي والتاني رفيع زي السعدني" (الراحل محمود السعدني). قائلا إن السعدني هو "كحكوح أبو صدر ملووح"، وأنت يا صلاح يا جاهين "مطوحل أبو كرش مزوحل".

وفي مقال "منصب هذا الرجل" يشيد جاهين بالقاريء الشيخ محمود خليل الحصري وتمكنه في التلاوة ومعرفته بعلوم صوتيات اللغة العربية، ويؤيد إسناد منصب الرئيس العام لاتحاد قراء العالم الإسلامي له وبأحقيته في ذلك المنصب.

يا بنت ياللي

تمشي البنت المصرية وهي مشغولة بأنوثتها التي تعاملها كعهدة فتسير ملخومة بها

في سلسلة مقالات تحت عنوان "يا بنت ياللي" نشرتها صباح الخير، يخاطب جاهين الفتاة المصرية في موضوعات خفيفة ويومية. فيصف مشي البنت المصرية بالمُشكِلة، حيث تمشي البنت المصرية وهي مشغولة بأنوثتها التي تعاملها كعهدة فتسير "ملخومة بها" ويكون تفسير جاهين " الي اعتياد المرأة المشي بالشبشب "فتسير الواحدة منهن وهي تجر قدميها وتجمع أعضاءها الهامة من هنا وهناك، والشبشب يطرقع خلفها لضبط الايقاع "الذي يتطلب جر القدمين وطرقعة الشبشب وإظهار الأنوثة.

وتصاحب تلك السلسلة من المقالات مجموعة من الرباعيات بعضها لم ينشر في ديوان جاهين وبعضها تم تعديله مثل هذه الرباعية

وقفت ساعة الصبح باغسل سناني

قالت لي شايف قوتي ولمعاني؟

إيش تطلب اليوم مني فشخة نياب أسد؟

والا ابتسامة إعلانات أمريكاني؟

والتي تم تعديلها الي"إيش تطلب اليوم مني ضحكة أسد"

تبدو مقالات صلاح جاهين بالنسبة لي أقل كثيرًا في مستواها من أشعاره ورسومه وحتي لقاءاته التليفزيونية والإذاعية. فهي مشغولة بالشأن اليومي والحياتي بشكل مباشر، وتمت كتابة بعضها بطريقة السجع مما أعطي لها مذاقًا تراثيًا قديمًا، قياسًا علي حركات التجديد في الكتابة في الخمسينيات والستينيات، والتي كان هو أحد أعمدتها في شعر العامية. كذلك غاب عنها حس السخرية القوي والتكثيف الموجود في الكاريكاتير. وغاب عنها العمق والحزن الفلسفي الذي نلمسه في أشعاره ورباعياته.

مقالات جاهين أقرب لمقالات عادية لرئيس تحرير يؤيد الحكومة وينتقد المحافظ ويكتب انطباعه عن مسرحية أو فيلم، ويحكي عن رحلاته إلى يوجوسلافيا. لكنها لا تخلو من لمحات جاهينية تظهر من وقت لآخر في فكرة خارجة عن المألوف، أو تأمُّل لمستقبل بعيد، أو رؤية بصرية لفنان بطعم الشارع المصري، يمزج فيها بين الفصحي والعامية و"القافية"، وترتدى مقالاته أكثر من رداء لتتناسب مع صحيفة عريقة مثل الأهرام حينًا، أو مجلة شابة مجنونة مثل صباح الخير في أحيان أخرى.