"الخائفون".. كيف صنع الأسد الوحش الذي ابتلع سوريا

أرادت ديمة في تلك الرواية رصد الخوف الذي عاشه ويعيشه السوريين دائمًا.

حاولت الروائية السورية "ديمة ونوس" في روايتها "الخائفون" التقاط الخيوط التي أوصلت سورية إلى الحرب، من خلال تفاصيل اجتماعية عاشها المجتمع السوري قبل أتون المذابح الأسدية جاوبت الرواية على عدة تساؤولات، وعلى الرغم من أن التفاصيل قد تبدو متشابه مع أغلب التطورات التي شهدتها المجتمعات العربية، فإن ما يميّز الرواية عن غيرها طريقة بناء الشخصيات الناقصة، وكذلك إحساس "الخوف من الخوف" الواضح في التجربة السورية.

صدرت رواية "الخائفون" عن دار الآداب في عام 2017، ودخلت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2018م.


المكان والزمان

تبدأ ديمة روايتها "الخائفون" داخل عيادة نفسية اعتادت زيارتها، تطلعنا فيها على حكايات من المجتمع السوري، في أحداث زمنية بدأت "قبل أعوام قليلة من ظهور محرك البحث جوجل".

ليلى ممرضة تعمل في العيادة بجانب دراستها لتعول أسرتها المنكوبة كأغلب الأسر في سوريا، مرضت أمها بعد وفاة زوجها، وتعيش معهم أختها المطلقة هي وابنتها، أما أخوهم الوحيد فؤاد فيجلس في غرفته، فاتحًا الشباك المفضى إلى الشارع، ينادي الناس ويقول لهم: "هل رأيتم الرئيس؟ إن شاهدتموه صدفة نادوا له. قولوا له إنني لن أخرج من غرفتي حتى يأتي هو شخصيًا لزيارتي". ولا يكترث أحد لكلامه. مجنون. فقد عقله. يتبول من الشباك موجهًا قضيبه على أحد المارة غير مكترث بالسباب والشتائم.

أحب أخوها زميلته في كلية الفنون الجميلة، التي شاهدها ذات مرة ابن رئيس فرع المخابرات، ودعاها لنزهة في استراحة أبيه ولكنها رفضت، ظن ابن ضابط المخابرات أن سبب رفضها علاقتها بأخو ليلى، فخطفه وأخفاه لأسبوعًا كاملاً. "علقوه لأيام من قدميه ورأسه يتدلى إلى الأسفل، حتى صفوا له أخر ذرة من عقله".

أرادت ديمة بتلك الحكاية أن تكون توطئة لروايتها التي تدور حول الخوف الذي عاشه ويعيشه السوريين تحت نظام بشار الأسد.

ليلى الممرضة تقضي يومها في تلك العيادة الصغيرة بين أشخاص يشبهون أخاها بشكل أو بآخر، تمامًا مثل نسيم بطل الرواية، الذي يدخل إلى العيادة أثناء جلوس "سليمي" الراوية.

نسيم يخاف من خوفه

نسيم طبيب يكتب الروايات باسم مستعار، ليس خوفاً من الاعتقال أو الملاحقة أو المنع من السفر، ولكن خوفًا من الإحساس بالخوف، تتعرف عليه "سليمي" بعد عدة لقاءات عابرة في عيادة الطبيب "كميل" النفسية.

اللقاء الأول بينهما كان غريباً، لم يتحدثا في شئ وسارا بدون وجهة محدده، هذا اللقاء رسم ملامح العلاقة بين "سليمي ونسيم"، علاقة حب ناقصة، مثل كل الخائفون حياتهم دائماً ناقصة، تكاد تكون حكاية واحدة مثل حكاية جميع السوريين والسوريات.

يترك نسيم البلاد ويهاجر بعد اعتقاله من قبل السلطة لمدة شهر ظناً أنه على علاقة بفؤاد، الأخ الوحيد لسليمي، بعد تردده على بيت سليمي عدة مرات، لحسن حظه أنه لم يبقي كثيراً في المعتقل، لم يختف، لم يمت، مثل كثيرين في معتقلات السلطة.

هاجر "نسيم" تاركاً لسليمي روايته الأخيرة التي لم يكملها، "كنت مرتبكة أمام تلك الأوراق، أرسلها لي كمخطوطة لرواية رابعة ظننته أنهاها، اكتشفت أنها رواية ناقصة، إنها أقرب إلي سيرة ذاتية لإمرأة مصنوعة من الخوف مثلي ومثله".

"سليمي وسملى".. حكايتان في حكاية واحدة

حكاية "سليمي" بطلة الرواية وحكاية سلمى التي كتبها "نسيم" في أوراقه حكايتين تتشابهان وكأنهما سيرة لامرأة واحدة وإن اختلفت التفاصيل، حتى إنك قد يختلط عليك الشخصيتين أثناء قراءة الرواية، لكن لا مشكلة في ذلك من ناحية السرد وتتابع الأحداث فهم في النهاية أبناء مجتمع واحد عاشوا تجربة الجيل ذاته.

الحكايتان المتشابكتان عن المرأتين مثلوا ظلًا للخوف الذي عاشه ذلك الجيل.

حكاياتان عن الأب المفقود لكليهما، عن الحنين لماضي لم يعد موجودًا، ورغبة إيجاد البديل في علاقة عاطفية لا يقدر الحبيب فيها على احتواء خوفهما ولا مواجهة الخوف في نفسه. سيهاجر نسيم ويترك سليمي، كما سيهاجر "بطل رواية نسيم" ويترك سلمى، وتواجه المرأتان خوفهما وحدهما.

سلميي بطلة الرواية ابنة طبيب حموي، هرب بعد مجزرة حماة التي ارتكبها حافظ الأسد والد بشار عام 1982 خوفاً من الموت، لكن الخوف ظل مرافقاً له طيلة حياته، عاش غريباً كمان تقول سليمي".

أما سلمى بطلة الرواية الناقصة ل"نسيم" تحكي عن والدها الذي يموت وهي في الرابعة عشر من عمرها فتقول: "أبي كان شخصاً غريباً. يعيش في غربته غريباً عن كل مايحيط بجسده من أشياء وأشخاص وأصوات وروائح. كأن حدود وجوده هي لحم جسده وجلده الرقيق".

"على الرغم من صلابته الداخلية وثقته بأفكاره، يخاف من تفاصيل غربته. يخاف من البرد مثلًا ومن الرشح ومن التهاب الحلق. يخاف من السفر والانتقال من مكان إلى آخر. كان يخاف مثلًا أن أختنق وأنا أتناول طعامي، فيظل يراقبني طوال الوقت".

الأموال تهزم الطائفية أحيانًا

أما أهل أبيها فلديهم حاسة عجيبة تلتقط الحب والحذر والكراهية والقلق، بالنسبة لجدها ف"الرجل يساوي ما يملكه من نقود. وعندما تزوجت ابنة عمتها بشاب من غير طائفتها، غضب الجد وامتع عن استقبالها في بيته، وظل مصرًا على زعله حتى علم أن معاش زوجها الشهري يبلغ عشرة آلاف ليرة سورية، النقود وحدها كانت تهزم طائفيته وحرصه على ألا تهدر أموال وممتلكات العائلة".

عمتها وبنات عمتها كانوا ينادونها "ياسودا" نظراً لسمرة بشرتها وبياض بشرتهم، كانت الفرع العلوي في عائلة أبيها لايحبون أمها "السنية"، ذات مرة قالت لها ابنة عمتها عن أمها: "الرحم السني اللي حملك يبلاه بالسرطان". كأنه نموذج مصغر للفراق بين الشعب السوري. "صرت أفهم كيف يقتلون الناس ويعذبونهم ويستلذون بذلك، إنهم لا يرون بين أيديهم القذرة أجساداً، بل نطفاً قذرة يجب سحقها".

لم تكن سلمى بطلة رواية نسيم تشعر بالانتماء لهم، كان أقربهم إلى قبلها ابن عمتها، فريد، كان معارضًا في آرائه، ابن الضيعة الذي درس الفلسفة ثم وجد نفسه حبيس معمل الأسمنت لأنه لم يجد مكانًا أخر يلجأ إليه ليعيل أسرته، ثم اضطر لفتح دكان صغير لبيع الملابس المستوردة من تركيا، هو معارضًا لأنه لأنه درس الفلسفة بلا جدوى، أخوه الصغير لديه نفس الأسباب، درس في كلية الفنون الجميلة وكان مدرسًا قبل أن يصبح طبّال وراء راقصة في ملاهي طرطوس الليلية، ثم اشترى مسدس غير مرخص. "لم أكن أعرف أن المسدس سيستخدم لأغراض أخرى بعد الثورة".

"ابن عمي الكبير كان مهندسًا، زوجته من اللاذقية أهلها شبيحة، لم تكن علاقتهما جيدة، حاول الانفصال عنها لكنهم هددوه بالقتل، عاش معها غصبًا عنه، وكان معارضًا. بعد سنتين من الثورة قال لي إنه قتل تسعة أشخاص، ولا مانع لديه أن أكون العاشرة".

المدرسة كاختبار للحياة في بلد كسورية الأسد

"ليس التحرر من جو الكراهية والخوف والهلع والشك الذي عشناه في المدرسة لسنوات طويلة أمرًا هيناً، لكل صف، عريفة تضع شريطًا أخضر حول ساعدها الأيمن، تكرهنا ونكرهها، العريفة هي المسؤولة عن تسيير أمور الصف، واختراع تهم تعسفية تثأر عبرها من خلافات قديمة مع بعض الطالبات. وليس الأمر إلى تمرين على الوشاية وكتابة التقارير".

"إضافة إلى العريفة، كانت هناك شلة بنات تثير رعب الطلاب، خاصة الأصغر سنًا، كانت ابنة رئيس مجلس الشعب تمشي في باحة المدرسة محاطة بمافيا من البنات الشرسات، ترخي شعرها الأشقر مع أن الشعر المفلوش ممنوع في المدرسة. تربط جاكيت البدلة المدرسية على خصرها، وهذه أيضًا كانت تعتبر من الكبائر بالنسبة إلى مدربة مادة التربية العسكرية. تمارس هوايتها المفضلة باختيار طالبة وصفعها وسط ضحكات باقي المنتسبات إليها".

تقول ديمة في روايتها: المدرسة مكان يدجّنون فيه الطالبات ويتعلمون تلقّى الإهانة بصمت، ويتدربون على الطاعة وعلى احترام القوى والمتسلط وعلى السخرية من بعضهم، واستضعاف البنات المنتميات إلى عائلات متوسط الدخل. يستهزؤون ممن لم يشتري لها والدها معطفًا جديدًا أو حزاء باهظ الثمن، ولم يكن اللباس الموحد الذي اخترع ل"المساواة بين الطلاب وإخفاء الفوارق الطبقية" سوى مزحة هزلية. لأن كنزات الصوف التي ترتديها البنات تحت البدلات العسكرية في شتاء الشام القارس تظهر ببساطة الفوارق.

بعد قراءة سليمي لأوراق "نسيم" الناقصة أرادت لقاء غريمتها أو صورتها المتخيلة، لكنها خافت من صورتها المحتملة وشعور القلق والرهبة المسيطرة على المرأتين.

العودة لدمشق

بعد هذه الحالة متضاربة المشاعر، ما بين الرغبة في لقاء صورتها وخوفها منها، قررت سليمي العودة إلي دمشق، باتت تشعر بالغربة والخوف أكثر من أي وقت مضى، فهناك فقدت كل شئ، أبيها مات، ونسيم هاجر، وأخيها فؤاد اختفى منذ وقت طويل في معتقلات السلطة، كانت تشعر بالغربة من كل شئ.

رصدت ديمة تجربة الخوف التي يعيشها المجتمع السوري من خلال حكايات سليمي عن أهلها وأبيها ونسيم وعيادة كميل الذي أصبح يأتيه الشبيحة لعلاجهم أيضاً، واستنسخت حكاية سلمى من الحكايات السابقة لأن كل حكايات الخوف واحدة.

ذكرت ديما أحداث حماه وهي تروي سيرة أبيها وإن كانت حادثاً هامشياً على سرد حكايتها، إلا أنها أعطت إنطباعاً عاماً عن أحداث أنهكت جيل الآباء، وقدمت تفسيرات لخوف المجتمع التي نبعت من طائفية مكتومة، عندما تفجر الطائفية في الثورة فجرت معها أتون مذابح لم يتوقف على مدار 6 سنوات.

شخصية ديمة تظل واضحة في أحداث الرواية دائمًا حتى لو لم تقل إنها كتبت جزء من سيرتها، فهي على الأقل كتبت تجربة حية عاشها المجتمع السوري.