ما إن انتهت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، يوم السبت الماضي، من نظر دعوى قضائية تطالب بإلزام الحكومة بتقديم مشروع قانون متوازن للأحوال الشخصية، حتى انتشرت فيديوهات لمسيرة صغيرة أغلبها من الرجال والجدات يهتفون "الشعب يريد تدخل الرئيس"، و"عايزين نشوف عيالنا".
مسيرة الآباء والجدات والهتافات والدعوى القضائية تطالب كلها بأحقية الأب في حضانة أبنائه بعد والدتهم حال الانفصال، عوضًا عن المطالبة باستبدال ما يتيحه القانون في الرؤية بالحق في استضافة الأبناء.
ورغم أن الدعوى متداولة أمام المحكمة من 2022 لكن وقفة أول أمس جرى ربطها بالمناقشات التي يتناولها مسلسل أب ولكن، الذي يعرض حاليًا ويسلط الضوء على معاناة الآباء المنفصلين في رؤية أبنائهم، إذ أكد مقيم الدعوى محمد العشاوي لـ المنصة أن المسلسل حرك المياه الراكدة ونجح في نقل أوجاع الآباء إلى الشاشات.
ويعوِّل العشاوي على الخطوات المتزامنة حاليًا، سواء الدعوى القضائية أو المسلسل، لتحويل القضية إلى رأي عام يصل صداه إلى رئيس الجمهورية، لا سيما بعد إشادة الرئيس بالأعمال الدرامية التي تقدم خلال الموسم الرمضاني الحالي، وهو ما يعتبره العشاوي دليلًا على احتمالية استجابة الرئيس لمطالبهم.
خفض سن واستضافة
وحسب مقيم الدعوى شهدت جلسة السبت، انضمام نحو 200 أب وجدة متضررين إلى طلبات الدعوى المتعلقة، بإلزام رئاسة الوزراء والجهات المعنية بتقديم مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية يغير القواعد الحالية للحضانة.

جانب من مسيرة الآباء المتضررين من قانون الأحوال الشخصية أمام مجلس الدولة، 14 مارس 2026ويتمسك المدعون بضرورة تخفيض سن الحضانة إلى 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، معتبرين السن الحالية (15 عامًا) تحرم الأب من بناء علاقة سوية مع أبنائه في سنوات تكوينهم الأولى.
بخصوص مطالبهم بـ"حق الاستضافة"، يعتبر العشاوي "نظام الرؤية الحالي الذي يحصر لقاء الأب بابنه في 3 ساعات بمركز شباب أو نادٍ عام، نظامًا عقابيًّا للأب والطفل معًا".
حسب الدعوى يجب النص في القانون الجديد بالسماح بمبيت الطفل مع والده وأسرته، لضمان تواصل إنساني حقيقي بينهم.
وتستند الدعوى 66468 لسنة 79 قضائية، إلى توجيهات أصدرها السيسي عام 2022 طالب فيها بإعداد مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية للمسلمين ومحاكم الأسرة يهدف إلى تحجيم النزاعات وتحقيق العدالة الناجزة من خلال رؤية متوازنة تضمن حقوق سائر أفراد الأسرة.
وأشارت الدعوى إلى أن رئيس ديوان رئاسة الجمهورية الحالي المستشار عمر مروان، وقت أن كان وزيرًا للعدل، أصدر قرارًا بتشكيل لجنة لإعداد مشروع القانون، ومنحها صلاحية الاستعانة بكافة البيانات والإحصاءات الرسمية من جهات الدولة لصياغة أحكام القانون على أسس واقعية.
وحسب الدعوى، حدد القرار الصادر في 5 يونيو/حزيران 2022 مدة أربعة أشهر للجنة للانتهاء من أعمالها وتقديم مسودة القانون للوزارة.
وأكد العشاوي أن رئيس اللجنة خرج في تصريحات إعلامية مؤخرًا يؤكد انتهاء اللجنة من وضع مشروع القانون، لكن الحكومة، وفقًا للعشاوي، تواصل تقاعسها عن تقديم مشروع القانون لمجلس النواب، معتبرًا تصرفها قرارًا إداريًّا مخالفًا للقانون وللتوجيهات الرئاسية.
فشل مرتقب للمسار القضائي
"طلبات الدعوى على النحو الذي جاءت عليه ويتضمن إلزام الحكومة بتقديم تعديلات تشريعية لمجلس النواب، ينتظرها حكمٌ بعدم القبول ستصدره المحكمة مهما طال أمد التقاضي فيها"، يصرح مصدر قضائي بمحكمة القضاء الإداري تحدث لـ المنصة.
يؤكد المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه تنفيذًا لتعليمات أقرها مجلس الدولة تحظر تحدث أعضائه لوسائل الإعلام، أن أحكام المجلس استقرت على اعتبار هذا النوع من الدعاوى تدخل في صميم العمل التشريعي الذي لا تختص محاكم القضاء الإداري بنظره، استنادًا للمبدأ الدستوري الخاص بالفصل بين السلطات بحيث لا تتدخل إحداها في مقتضى أعمال سلطة أخرى.
وعدد المصدر عشرات الأحكام القضائية الصادرة في هذا السياق، التي تعتبر الطلبات من هذا النوع من الأمور التشريعية التي تخرج عن رقابة الجهات القضائية العادية ولا ينطبق عليها وصف المنازعات الإدارية، منها على سبيل المثال حكم عدم اختصاص القضاء يإلزام الحكومة بإصدار قانون لحرية تداول المعلومات، الصادر في يناير/كانون الثاني 2013.
وفي المقابل، لا يخفي العشاوي أن تقرير هيئة المفوضين المودع في دعواه صدر متضمنًا ذات الاتجاه، ومع إقراره باحتمالية رفض الدعوى أمام محكمة أول درجة بنسبة قد تصل إلى 50%، لكنه لا يعتبر أن ذلك نهاية المطاف بل خطوة ضرورية في إجراءات التقاضي.
وأكد أنه يراهن على المحكمة الإدارية العليا التي يرى أن نسبة النجاح أمامها تقترب من 100%، نظرًا لما تتمتع به من كفاءة قانونية ودستورية أعمق وقدرة أكبر، ولثقته التامة في أن امتناع الحكومة عن تقديم مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية يمثل "قرارًا إداريًا سلبيًا" مكتمل الأركان، ولا يندرج تحت مبدأ الفصل بين السلطات.
وفي السياق، علّق مقيم الدعوى على القرار الوزاري الأخير بحرمان الممتنعين عن النفقة من الخدمات الحكومية، واصفًا إياه بـ"الذبح الإداري" للآباء في ظل غياب توازن الحقوق.
وتساءل العشاوي "كيف يتم تغليظ العقوبات الإدارية والمالية على الأب، في وقت يُحرم فيه من حقوقه الإنسانية في استضافة أبنائه؟".
واعتبر أن التركيز على الجانب المادي دون حل أزمة "الرؤية" و"الحضانة" يزيد من الاحتقان الاجتماعي ولا يخدم مصلحة المحضون.
هوجة إعلامية وضغوط درامية
في المقابل، تثير مطالب العشاوي والمتضامنين معه جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية النسوية، وحسب المحامي بمؤسسة قضايا المرأة المصرية عبد الفتاح يحيى، تصطدم مطالب خفض سن الحضانة بالالتزامات الدستورية والدولية للدولة المصرية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل التي تحدد سن الطفولة بـ18 عامًا.
وأوضح يحيى في تصريحات لـ المنصة أن القانون المصري الذي يحدد سن الحضانة بـ15 عامًا يظل الطفل فيها مع والدته، يتسق مع "المصلحة الفضلى للطفل" في تلك المرحلة العمرية، مشددًا على أن تعديل هذه القواعد لا يمكن أن يتم عبر "هوجة إعلامية" أو ضغوط درامية، بل يتطلب تشريعًا مدروسًا يراعي كافة القوانين المتشابكة، مثل قانون الطفل والاتفاقيات الدولية الملزمة.
أما مطلب استبدال نظام "الاستضافة" بـ"الرؤية" فأكد يحيى أن المؤسسة لا ترفض الاستضافة في حد ذاتها، لكنها تضع شروطًا صارمة لضمان سلامة المحضون.
وشدد على أن الاستضافة يجب أن تقتصر على "الأب الملتزم" الذي يؤدي النفقة المقررة، ولا يستخدم الطفل أداة للتنكيل بالأم أو مساومتها، مثل التلاعب بملفاته التعليمية.
وحذر من أن فتح باب الاستضافة دون ضوابط رادعة يهدد بجرائم أخطر مثل "خطف الأطفال" أو الاعتداءات الجسدية، معتبرًا أن دور الدولة الأساسي هو توفير الحماية للمحضون قبل النظر في رغبات الأطراف المتنازعة.
ونوه يحيى بوجود عدة مسودات لمشاريع قوانين متوازنة لأحوال الشخصية، مشيرًا إلى أن مؤسسة قضايا المرأة المصرية قدمت ثلاثة مشروعات قوانين للبرلمان في أعوام 2011 و2017 و2021، كما أن اللجنة القضائية التي شكلتها وزارة العدل في 2022 قد انتهت بالفعل من صياغة مشروع قانون يتضمن بنودًا للاستضافة، لكن الدولة لم تقرر طرحه للنور بشكل رسمي بعد.
وفيما يخص المسار القضائي، وصف محامي مؤسسة قضايا المرأة الدعوى المطالبة بإلزام الحكومة بتقديم القانون بأنها تدخل في إطار "الزهو الإعلامي" ومحاولة الظهور، مؤكدًا أن القضاء الإداري، وفق استقراره القانوني، لا يملك سلطة الرقابة على تقديم مشروعات القوانين كونها من أعمال السيادة والتشريع.
ويربط يحيى تصاعد الاحتجاجات في التوقيت الحالي بتأثير "الدراما الرمضانية"؛ مسلسل "أب ولكن"، معتبرًا إياها حراكًا موسميًا سرعان ما ينتهي بانتهاء الموسم الدرامي، دون أن يغير من الحقائق القانونية والالتزامات الدولية لمصر تجاه حقوق الطفل والمرأة.
في السياق، قررت محكمة القضاء الإداري، تأجيل نظر الدعوى لجلسة 18 أبريل/نيسان المقبل، لإثبات تدخل المنضمين الجدد للدعوى، حسب العشاوي، الذي لا يزال يبني أملًا على أن تسهم دعواه حتى ولو جرى رفضها في تحريك المياه الراكدة ودفع الحكومة لحسم المطالب.