صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، 25 ديسمبر 2024

الحد الأدنى الجديد.. كيف تراجعت الحكومة عن وعودها وتجاهلت التضخم؟

أحمد خليفة
منشور الخميس 2 نيسان/أبريل 2026

اعتبر عمال ونقابيون وخبراء في سياسات التشغيل وحقوق العمال، أن الزيادة الجديدة للحد الأدنى للأجور التي أعلنها مجلس الوزراء أمس، جاءت مخيبة للآمال ولا تتناسب مع معدلات التضخم، وتمثل تراجعًا عن وعود حكومية سابقة بـ"زيادة كبيرة" عقب رفع أسعار الوقود الشهر الماضي، فيما أبدوا مخاوف بشأن آلية تطبيق القرار في شركات كانت تتبع قطاع الأعمال العام أو في القطاع الخاص بعد إقرار الحد الأدنى من المجلس القومي للأجور.

وأعلن رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، أمس الأربعاء، رفع الحد الأدنى للأجور بقيمة ألف جنيه ليصل إلى 8 آلاف جنيه، اعتبارًا من يوليو/تموز المقبل، إلى جانب إقرار علاوة دورية بنسبة 15% للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية، و12% لغير المخاطبين به، فضلًا عن علاوة استثنائية بقيمة 750 جنيهًا للعاملين في القطاع الطبي وألف جنيه للعاملين في قطاع التعليم.

لا يوزاي التضخم

تقول مسؤولة سياسات التشغيل وحقوق العمال بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية رضوى أبو شادي، إن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود انعكست مباشرة على أسعار السلع الأساسية، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل، ما ضاعف الأعباء على الأسر خاصة محدودي الدخل.

ويوم 10 مارس/آذار الماضي، رفعت الحكومة أسعار الوقود بكافة مشتقاته بمقدار ثلاثة جنيهات، نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالميًا بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي اندلعت نهاية فبراير/شباط الماضي، وتراوحت نسبة الزيادة بين 16 إلى 30%.

وتضيف رضوى أبو شادي لـ المنصة أن حساب حد أدنى للأجور يتناسب مع معدلات التضخم يتطلب رصدًا دقيقًا لتحركات أسعار سلة السلع الأساسية، التي تشمل الغذاء والسكن والنقل على مدار العام، مشيرة إلى أن "الزيادة الأخيرة لا تتناسب بشكل كبير مع معدلات التضخم".

وتوضح "هناك أزمة أخرى وهي أن الحد الأدنى المعلن لن يطبق إلا في يوليو (تموز) المقبل، خاصة مع إمكانية قفزات أخرى في الأسعار حتى بداية العام المالي الجديد فتفقد الزيادة المعلنة قيمتها أكثر".

وارتفع معدل التضخم السنوي في فبراير الماضي إلى 11.5% مقابل 10.1% في يناير من العام الجاري، حسب بيان للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وسط توقعات بارتفاع أعلى في مارس الماضي إلى ما بين 14 إلى 15%، تأثرًا بارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه إلى مستويات غير مسبوقة وزيادة أسعار المحروقات بسبب الحرب الإيرانية الإسرائيلية.

الحكومة تتراجع عن وعودها

في السياق، يقول نائب رئيس اتحاد تضامن النقابات العمالية (تحت التأسيس) كرم عبد الحليم، إن الحكومة أخلفت وعودها عقب زيادة أسعار السولار الشهر الماضي، إذ أكد وزير المالية أحمد كجوك أن الزيادة في الأجور ستكون كبيرة لتلائم الزيادة في الأسعار، ثم كرر رئيس الوزراء منذ أيام نفس الكلام، إلا أن القرار الأخير جاء دون هذه الوعود.

ويضيف عبد الحليم لـ المنصة "1000 جنيه لا توازي حتى الارتفاع في تكلفة المواصلات، فعقب ارتفاع أسعار السولار، تحملت الأسرة الواحدة التي تتكون من 5 أفراد أكثر من 50 جنيهًا إضافية يوميًا، في أجرة الانتقال من وإلى العمل والمدارس والجامعات، فضلًا عن الزيادة في أسعار السلع الغذائية".

فيما وصف عامل بقطاع مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة، الزيادة بأنها "ضحك على الدقون".

وقال العامل لـ المنصة، طالبًا عدم نشر اسمه، إن العمال كانوا يتوقعون زيادة الحد الأدنى إلى 10 آلاف جنيه، حتى تغطي آثار ارتفاع الأسعار منذ إقرار الحد الأدنى القديم (7 آلاف جنيه).

وتابع "الزيادة في الأسعار مش بس بعد ارتفاع أسعار السولار الأخيرة، احنا بقالنا أكتر من سنة الأسعار في زيادة مستمرة ومرتباتنا مزادتش جنيه واحد، وفي الآخر بيجبولنا 1000 جنيه يعني 33 جنيه في اليوم ثمن 3 سندوتشات من عربية فول".

العلاوة.. تمييز ومخاوف من تطبيقها

واعتبر كل من عبد الحليم ورضوى أبو شادي، الفرق بين نسبة العلاوة للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية وغير المخاطبين، يحمل شبهة تمييز ومخالفة لنصوص الدستور، "كان يجب المساوة بينهما، فالجميع يعملون بالحكومة وإن اختلفت مواقعهم" حسبما تقول رضوى أبو شادي.

فيما يشكك عبد الحليم في صرف العلاوة المقررة لعمال الشركات القابضة، فـ"المواقف المشابهة السابقة تثبت مماطلة الشركات في تطبيقها، ومطالبتهم باللجوء للقضاء".

يشارك عبد الحليم مخاوفه، ثلاثة عمال بالشركة التكاملية للسكر، ومحطات كهرباء أسوان، ومياه الشرب بالقاهرة، تحدثوا لـ المنصة، حيث يقول عامل بسكر دشنا "منتظرين معركة جديدة مع إدارات شركات السكر، اللي متوقعينه إنهم هيضربوا بقرار رئيس الوزارة عرض الحائط، وطبعًا الحكومة هتسيبنا منا ليهم، ومش هتلزمهم بالتطبيق زي ما حصل في العلاوات من سنة 2017 إلى ما أخدنهاش لحد دلوقت".

وخاض العمال في قطاعات مختلفة من بينها مياه الشرب ومصانع السكر ومحطات كهرباء  السد العالي وأسوان، معارك شملت وقفات وإضرابات واعتصامات للمطالبة بضم العلاوات المتأخرة.

القطاع الخاص.. انتظار قلق

خلال الأيام المقبلة، من المتوقع الإعلان عن الحد الأدنى للعاملين بالقطاع الخاص، لكن كرم عبد الحليم، يتساءل عمن سيصدر القرار، "إذا كان المجلس القومي للأجور لم يتم تشكيله بعد، وفقًا لقانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025؟ وهل سيتم تجاوز التشكيل وانعقاد المجلس بتشكيله القديم لإصدار القرار؟، وهو ما سيعتبر مخالفة للقانون".

ويضيف عبد الحليم "على أي حال، وأي كان من سيصدر القرار، فإن تطبيقه داخل القطاع الخاص يظل هو الأزمة الكبيرة، فسندخل في نفس الدائرة التي ندور بداخلها منذ سنوات، فغياب تنظيمات عمالية قوية، سيفتح الباب أمام تهرب رجال الأعمال من تطبيقه، أو التلاعب في التطبيق باحتساب حقوق مالية أخرى مثل الحوافز والبدلات والمنح السنوية، داخل الحد الأدنى، ما سيجعل التطبيق تطبيقًا شكليًا".

ويمثل ما حدث مع عمال العامرية للغزل والنسيج، نموذجًا للتلاعب في حساب الأجر عند تطبيق الحد الأدنى،  فحسب شهادات العمال أضافت الإدارة بندًا لقسيمة الراتب سمّته المتمم للحد الأدنى، بحيث يتم إدراج أي امتيازات مالية ممنوحة للعامل تحت هذا البند ما يعطل زيادة الراتب الكلي للعمال.

ويعتبر عبد الحليم، أن مجرد صدور قرار زيادة الحد الأدنى من الحكومة أو المجلس القومي للأجور، بدون مشورة ممثلي العمال وتنظيماتهم النقابية حتى ولو كانت ضعيفة ومهلهلة، والمؤسسات المعنية بشؤون العمال، هو خطأ كبير، ويجعل القرار فوقيًا منفصلًا عن احتياجات العمال.

في المقابل، تشير رضوى أبو شادي إلى أن اتساع نطاق العمالة غير الرسمية، مثل عمال الزراعة، يحد من أثر قرارات الحد الأدنى، ويجعلها غير شاملة، بما يترك قطاعات واسعة من العمال خارج مظلة الحماية ويفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات ضد العمال.