جددت مؤسسة قضايا المرأة المصرية مطالبها بضرورة إصدار تشريع يبيح للنساء والفتيات الإجهاض الآمن والقانوني في حالات الاغتصاب.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أصدرت مؤسسة قضايا المرأة المصرية، توصيات لمختلف مؤسسات الدولة، تتضمن تخصيص أقسام بالمستشفيات العامة لرعاية الناجيات من الاغتصاب، وتدريب العاملين والعاملات في القطاع الصحي على "تقديم الرعاية المأمونة والمحترمة في مجال الإجهاض"، داعية إلى تبني نص صريح يجيز الإجهاض في حالات الاغتصاب واغتصاب المحارم خلال 120 يومًا.
واعتبرت المؤسسة، في بيان لها أول أمس، أن إجبار الناجيات على الاستمرار في حمل ناتج عن جريمة اغتصاب يمثل شكلًا من أشكال التعذيب النفسي والجسدي، ويكرِّس لسيطرة المجتمع والقانون على أجساد النساء بدلًا من توفير الحماية لهن.
وأكدت أن هذا الإجبار يكرّس لسيطرة المجتمع والقانون على أجساد النساء بدلًا من توفير الحماية لهن، مشددة على أن فداحة هذه الجرائم تتضاعف في حالات اغتصاب المحارم، حيث يأتي الانتهاك من دوائر يُفترض أن تكون مصدرًا للأمان.
وترى المؤسسة أن واقعة الاعتداء الأخيرة التي طالت طفلتين قاصرتين بالمنوفية كشفت عن "فشل المنظومة القانونية والاجتماعية في توفير الحماية والعدالة"، معتبرة أن إقرار الحق في الإجهاض الآمن لضحايا الاغتصاب لم يعد خيارًا، بل "ضرورة عاجلة لضمان العدالة ووقف إعادة إنتاج العنف".
وفي تفاصيل التحركات القانونية للمؤسسة، أكدت مديرة برنامج مناهضة العنف ضد المرأة بالمؤسسة، نورا محمد لـ المنصة أمس تبني المؤسسة لمقترح قانوني يضمن هذا الحق ضمن مشروع قانون "العنف الموحد".
ووفقًا لمسودة المشروع التي اطلعت عليها المنصة، تنص المادة 17 من الباب الثاني على أنه "لا تعاقب الحامل على فعل الإسقاط إذا كان الحمل نتيجة اغتصاب".
وأوضحت الناشطة النسوية أن القانون المصري الحالي يُجرم الاغتصاب ويعاقب الجاني، لكنه في الوقت ذاته يعاقب الناجية بمنعها من حقها في اتخاذ قرار يخص جسدها، ويجبرها على التعايش طيلة حياتها مع آثار الجريمة عبر حمل وولادة طفل لم تختر إنجابه.
ويقر الباب الثالث من الكتاب الثالث من قانون العقوبات، والمتعلق بإسقاط الحوامل وصنع وبيع الأشربة أو الجواهر المغشوشة المضرة بالصحة، عقوبات تتراوح من الحبس إلى السجن المشدد لكلٍ من النساء والأطباء والقابلات "الدايات" والصيادلة، الذين يجرون عمليات إجهاض غير قانونية أو يساعدون في إجرائها أو يبيعون عقاقير تساعد على الإجهاض.
وحذرت نورا محمد من التداعيات الخطيرة لجرائم اغتصاب المحارم على وجه الخصوص، موضحة أن بعض العائلات تلجأ لتسجيل الطفل الناتج عن اعتداء (الخال أو العم أو الأخ) باسم "الأب" هربًا من الفضيحة، مما يخلق أزمات شرعية وقانونية معقدة تتعلق باختلاط الأنساب.
ورفضت الحجة القائلة بأن استكمال الحمل ضروري لإثبات الجريمة والوصول للجاني، واصفة إياها بـ"كلمة حق يُراد بها باطل"، متسائلة "لماذا لا نلجأ للطب الحديث القادر على تحليل عينة من الجنين في بطن الأم للوصول للجاني، دون إجبار الناجية على استكمال الحمل؟".
وأكدت أن غياب هذا التشريع يُعد إخلالًا بالتزامات مصر الدولية، وتحديدًا اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، مشيرة إلى أن مصر، رغم خطابها الحقوقي، لا تزال بعيدة عن توفير الحماية الصحية والجسدية لضحايا الاغتصاب.
وحول احتمالية صدام المقترح مع أحكام الشريعة الإسلامية، شددت نورا محمد على الحاجة إلى "اجتهادات فقهية وتفسيرات مستنيرة تواجه المشاكل ولا تزيدها تعقيدًا"، مضيفة "نحتاج إلى شريعة بروح سمحة؛ فالأديان نزلت لصون كرامة الإنسان وحقوقه، وليس لمساعدة أطراف تنتهك حقوق أطراف أخرى".
ويدعم ذلك الاتجاه من منطلق ديني الباحث والأكاديمي المتخصص في تحليل الخطاب الديني بجامعة الأزهر عبد الباسط هيكل، الذي أكد لـ المنصة وجود سوابق فقهية تدعم هذا التوجه، أبرزها فتوى شيخ الأزهر الأسبق محمد سيد طنطاوي عام 2007، التي أباحت إجهاض المغتصبة شرعًا.
ونوّه هيكل لوجود تشريعات في دول مجاورة، كالسودان، تبيح الإجهاض للمغتصبة وفقًا للمادة 135 من القانون الجنائي السوداني الصادر عام 1991.
وأوضح هيكل أن فتوى طنطاوي استندت إلى الاعتراف بـ"الضرر النفسي" البالغ الذي يقع على المغتصبة، لافتًا إلى أن "الفقهاء القدامى كانوا يركزون على الضرر الجسدي، لكن اليوم باتت الأضرار النفسية والاجتماعية جلية، ودفعًا لهذا الضرر يجوز إجهاض المغتصبة ما دام لا يهدد حياتها، خاصة مع إجماع جمهور الفقهاء على أن حياة الجنين لا تُعتد بها قبل 120 يومًا (أربعة أشهر)".
وأصّل الأكاديمي الأزهري للقضية فقهيًا بوضعها ضمن ما يُعرف بـ"فقه الصيال" وهو الاعتداء ظلمًا بغير حق، لافتًا إلى أن الاغتصاب يجمع بين "جريمة الزنا وإيقاع الظلم والقهر"، وبناءً عليه "أجمع الفقهاء على جواز دفع المعتدي على العرض وإزالة كافة الآثار الناتجة عن هذا الاعتداء، ومن بينها دفع ما ترتب عليه من حمل".
وشدد هيكل على أهمية الاحتكام للمبادئ القرآنية العليا القائمة على العدالة والكرامة، موضحًا أن هذا التشريع لن يحمي النساء فحسب، بل سيحمي الأطفال المولودين من الاغتصاب من الظلم المجتمعي، ويرفع عن كاهل المجتمع عبء تنشئة أفراد يعانون أزمات نفسية واجتماعية قد تدفعهم نحو مسارات الجريمة والعدوان.