من الصوامع إلى الفنادق والعقارات.. "مستقبل مصر" يوسع البيزنس
في معرض حديثه عن جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ركز العقيد بهاء الغنام رئيس الجهاز، على تقديم توسعات الجهاز في الأنشطة الاقتصادية واستحواذاته على الأصول باعتبارها أدوات تخدم دوره الرئيسي في تأمين الغذاء، وذلك في سياق بدا دفاعًا عن الجهاز في مواجهة الانتقادات المتزايدة بشأن مزاحمته القطاع الخاص وتداخل أدواره مع اختصاصات الحكومة.
وخلال كلمته في جلسة "الأمن الغذائي والمائي.. تحديات اليوم وضمانات المستقبل" ضمن فعاليات اليوم الثالث لـ"منتدى مصر 2030"، أمس الأول، قال الغنام إن "منظومة الأمن الغذائي مش منظومة سهلة، وتحقيقها يحتاج استثمارات كبيرة جدًا (...) الـ core بتاع جهاز مستقبل مصر هو البنية التحتية لمنظومة الأمن الغذائي، فكل ما هو حول هذه المنظومة له دور في رفع كفاءتها وقدراتها، وده مبيجيش بسهولة".
ظهر اسم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة لأول مرة في مايو/أيار 2022 عندما افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع مستقبل مصر للزراعة المستدامة على امتداد طريق محور روض الفرج-الضبعة على بعد نصف ساعة من أكتوبر، كنواة لمشروع استصلاح 800 ألف فدان بالدلتا الجديدة.
لكن تتبع ما نشرته الصحافة والبيانات الرسمية عن نشاط الجهاز منذ نشأته يكشف امتداد استثماراته إلى قطاعات يصعب ربطها مباشرة بالأمن الغذائي خاصة وأن غنام ربط المفهوم ضمنيا بمساحة الأرض الزراعية في مصر، من بينها الصحة والسياحة والعقارات، إلى جانب الطاقة والتعليم وإدارة أصول الدولة، فضلا عن توسعه ضمنيا في تعريف الأمن الغذائي لدرجة سحبه دور وزارة التموين القائم بالفعل في استيراد القمح و تدخله كوسيط في عمليات تصدير الأرز دون أي تبرير معلن.
ففي سبتمبر/أيلول 2025، استحوذ الجهاز على حصة تبلغ 8.775% من الشركة الدولية للصناعات الطبية "إيكمي"، ليصبح رابع أكبر مساهم فيها، وهو الاستحواذ الذي اعتبرته صحيفة الأهرام القومية، في تقرير نشرته في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بداية توسع في القطاع الطبي.
وفي وقت لاحق، تغير اسم الشركة إلى "فيوتشر كير للصناعات الطبية"، وهو اسم يتشابه مع الاسم الإنجليزي للجهاز (Future of Egypt)، قبل أن يرفع الجهاز حصته فيها إلى 12.21% في يونيو/حزيران 2026، عبر زيادة رأس المال.
بيزنس يتوسع
وامتد التوسع إلى قطاع السياحة، إذ رفع الجهاز حصته في شركة شارم دريمز للاستثمار السياحي من أقل من 0.5% إلى 6.25%. ثم وقّع، في أغسطس/آب، بروتوكولًا مع هيئة التنمية السياحية أتاح له طرح أراضٍ فندقية ومراسي بحرية على المستثمرين في مرسى علم والغردقة، بعضها من الأراضي المتاحة لديه، وبعضها الآخر مسترد من مشروعات متعثرة. وبموجب الترتيبات الجديدة، أصبح الجهاز أيضًا الجهة التي تفصل في تظلمات المستثمرين.
وتتواصل توسعات الجهاز في القطاع السياحي حاليًا، إذ يستعد لتسلّم 477 قطعة أرض في محافظة البحر الأحمر وطرحها على مراحل لإقامة مشروعات سياحية وعقارية وترفيهية. ويقدّر مصدر تحدث إلى المنصة الاستثمارات المبدئية لهذه المشروعات بنحو تريليوني جنيه.
وللجهاز حضور أيضًا في القطاع العقاري، إذ نفذ إحدى صفقاته البارزة في سوق المال بشراء 2.7 مليون سهم في شركة التعمير والاستشارات الهندسية مقابل 236.6 مليون جنيه، لترتفع حصته من 1.36% إلى 12.89%، ويصبح مساهمًا رئيسيًا فيها.
وجاءت الخطوة الأبرز حين وقّع الجهاز، ممثلًا عن الدولة، في يونيو/حزيران 2025، عقود الشراكة مع ثلاث شركات تطوير عقاري لإقامة مدينة «جريان»، ضمن مشروع الدلتا الجديدة. وأعلنت الحكومة أن «التكلفة والعوائد الاستثمارية المتوقعة» للمشروع تصل إلى نحو 1.5 تريليون جنيه، دون فصل تكلفة التنفيذ عن العوائد المنتظرة أو تحديد ما سيتحمله الجهاز من تمويل.
أما التبرير الحكومي لارتباط المشروع العقاري الفاخر بمشروع الاستصلاح الزراعي، فتمثل في الاستفادة من مرور ممر مائي ينقل مياه النيل إلى أراضي الدلتا الجديدة عبر المدينة، لرفع قيمة الأراضي المحيطة وتعظيم عائد الدولة منها. وبحسب هذا الطرح، يُوظَّف مسار المياه المخصص للري في التنمية العقارية أيضًا، وليس شق «فرع جديد للنيل» لخدمة المشروع السكني
ولا يقتصر نشاط الجهاز على الاستثمار المباشر، بل يمتد إلى إدارة أصول الدولة. فبالشراكة مع وزارة الإسكان، يشارك في شركة "مدن مصر" المعنية بإدارة مرافق المدن الجديدة وصيانتها.
كما تدرس الحكومة نقل أصول غير مستغلة تابعة لقطاع الأعمال العام إلى الجهاز لتطويرها بالشراكة مع مستثمرين محليين وأجانب، بحسب ما نقله موقع إنتربرايز عن مسؤول حكومي في أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وامتد نشاط الجاهز إلى قطاعي الطاقة والتعليم، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وقّع مذكرتي تفاهم مع شركة "مصدر" الإماراتية للتعاون في مشروعين للطاقة الشمسية؛ الأول لإنشاء محطة عائمة على بحيرة ناصر، والثاني لإقامة محطة في نجع حمادي.
وفي مجال التعليم الفني، يشارك الجهاز وزارة التربية والتعليم وأكاديمية إيطالية في إطلاق 26 مدرسة للتكنولوجيا التطبيقية الزراعية في 14 محافظة، اعتبارًا من العام الدراسي الحالي 2026-2027.
الزراعة.. النواة الأساسية للتوسع
في القطاع الزراعي، يستهدف جهاز مستقبل مصر زراعة 4.5 مليون فدان بحلول عام 2027. وتتوزع مشروعاته على مناطق الدلتا الجديدة والسادات والمنيا وبني سويف واللاهون وأسوان والداخلة والعوينات وشرق العوينات وسيناء، وفق عرض قدمه الجهاز إلى رئيس الوزراء.
وتتصدر الدلتا الجديدة هذه المشروعات، بمساحة مستهدفة تبلغ 2.2 مليون فدان، إلى جانب منطقة صناعية أولى على مساحة 100 فدان. ويقدم مسؤولو الجهاز المشروع باعتباره منصة إنتاجية واستثمارية تجمع بين الزراعة وتصنيع الغذاء والخدمات اللوجستية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن الجهاز التوسع في زراعة القمح من الدلتا الجديدة حتى شرق العوينات، رابطًا ذلك بتأمين إمدادات الخبز المدعم.
وامتد نشاط الجهاز إلى استصلاح الأراضي عبر الاستحواذ على 89.66% من الشركة العربية لاستصلاح الأراضي مقابل 23.3 مليون جنيه في أغسطس/آب 2025، بعد تخارج الشركة القابضة لاستصلاح الأراضي من الشركة.
ومن الزراعة، انتقل الجهاز إلى حلقات أخرى من سلسلة إنتاج الغذاء. ففي سبتمبر 2025، أصبح أكبر مساهم في شركة المنصورة للدواجن، بعدما اشترى 111.1 مليون سهم مقابل 212.6 مليون جنيه، لترتفع حصته من 4.77% إلى 22.54%، وفق إفصاح الشركة للبورصة. وتراجعت الحصة لاحقًا إلى 15.44%.
وعلى مستوى الإنتاج المباشر، يدير الجهاز خمس مزارع لتسمين الماشية بطاقة تقارب 180 ألف رأس سنويًا. ويتولى كذلك إدارة بحيرات ناصر والبردويل والمنزلة، إلى جانب إنشاء مصانع للثلج وأرصفة لاستقبال الأسماك.
وفي هذا السياق، يتضح توسع الجهاز ضمنيا في مفهوم الأمن الغذائي الذي ربط غنام عمل الجهاز به، وبنقص رقعة الأراضي الزراعية وصولا للإنتاج الغذائي نفسه لا زراعته أو تنمية البنية التحتية المرتبطة بزراعته، إذ رفع الجهاز حصته في شركة أجواء للصناعات الغذائية من 4.96% إلى 5.86% في مارس/آذار 2025، ووقّع بروتوكولًا مع الشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة لوزارة التموين لإنشاء مجمع للزيوت النباتية.
من الاستيراد والتخزين إلى التصدير
واستمرارا ربما لنفس النهج في التوسع لأبعد مدى في مفهوم الأمن الغذائي هذا، توسع نشاط الجهاز ليتسع إلى تجارة السلع الغذائية، يجمع نشاط الجهاز بين الاستيراد والتخزين والتعامل في البورصة السلعية، إذ تولى منذ عام 2024 اختصاصات الهيئة العامة للسلع التموينية في استيراد السلع، قبل أن يستحوذ على 52.8% من البورصة السلعية.
وفي مجال التخزين، أنشأ الجهاز في الدلتا الجديدة ما يصفه بأنه أكبر مجمع للصوامع في المنطقة، يضم 100 صومعة بسعة إجمالية تبلغ 500 ألف طن، إلى جانب برج لتجفيف الحبوب.
بل وتمدد نشاطه إلى ما هو أبعد وصولا حتى إلى "الوساطة"، فيما يتعلق بتصدير الأرز. فبحسب معلومات نقلتها المنصة عن مصدر مطلع ومُصدّرَين، يتوسط الجهاز في عمليات تصدير الأرز منذ أبريل/نيسان 2026، ومُددت صلاحية هذه العمليات لتشمل نحو 200 ألف طن حتى نهاية العام المقبل. ووفق المصادر نفسها، يحصل الجهاز على نحو 20% من سعر الطن بدلًا من رسم ثابت قدره 150 دولارًا. ولم يصدر عن الجهاز تأكيد رسمي لهذه النسبة.
هل حُرم الجهاز من الامتيازات؟
في جانب آخر من كلمته بمنتدى مصر، شدد الغنام على أن "الجهاز يسدد كامل الضرائب والجمارك والتأمينات والمستحقات لوزارة المالية دون أي تمييز أو معاملة تفضيلية".
لكن الصيغة النهائية لقانون إنشاء جهاز مستقبل مصر شهدت تعديلات على بعض الامتيازات التي كانت مطروحة في النسخ السابقة. فقد حُذفت المادة 71، التي كانت تلزم الخزانة العامة بسداد الضرائب نيابة عن الجهاز، كما حُذف نص كان يُحمّل الخزانة حصة صاحب العمل في اشتراكات التأمينات الاجتماعية، واستُبدل به السماح للجهاز بتقسيط الاشتراكات على أربع سنوات.
كذلك، أُلغيت استثناءات كانت مقررة للجهاز وصندوقيه من رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، واشترط القانون موافقة البرلمان على إنشاء مناطق التنمية، كما أُضيف رئيس مجلس النواب إلى الجهات التي تتلقى التقرير السنوي للجهاز.
ومع هذه التعديلات، احتفظ القانون النهائي بصلاحيات واسعة للجهاز، تشمل وضع استراتيجيات التنمية، وإصدار التراخيص، واستثمار الأصول وإدارتها، وممارسة أعمال الرقابة والتفتيش، وفرض الغرامات الإدارية على المخالفين. كما وسّع نطاق عمله ليشمل الأنشطة الخدمية، ومنحه صلاحيات إضافية في توقيع الجزاءات المالية.
وبالرغم من حذف اعفاؤه الضريبي المستقبلي، لكنه تمتع بامتياز تحمل الخزانة العامة مسؤولية الضرائب والرسوم والغرامات المستحقة على الجهاز قبل سريان القانون.
كما سمح القانون بوضع استثنائي للصندوق الفرعي التابع للجهاز وهو صندوق "داعم"، والذي يمكن اعتباره مسارا موازيا لإدارة سياسات الإنفاق الاجتماعي، إذ حددت المادة 56 من القانون دوره في مساعدة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي وكفالة المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص، ويسمح له القانون في هذا السياق بكل الامتيازات الممنوحة لصندوق تحيا مصر. وبهذا يتمتع بالوضع الاستثنائي لصندوق تحيا مصر والذي يعمل خارج الموازنة العامة ويتمتع بإعفاءات واسعة من الضرائب بأنواعها. كما يمنحه القانون إعفاء من الالتزام بقوانين الجهاز الإداري فيما يتعلق التعاقدات.