أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، أمس الأحد، قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وهو القانون الذي أثار نقاشات سياسية وحقوقية واسعة لدى مناقشته بالبرلمان، إذ حظي وقتها برفض نواب في المعارضة.
ولاقت النسخة الأولى من مشروع القانون عند ظهورها للعلن انتقادات عدة، من بينها تكريسه لتوغل "جهاز مستقبل مصر" ومنحه صلاحيات استثنائية غير مسبوقة تجمع في يد واحدة سلطات تنظيمية واستثمارية ورقابية متناقضة، تشمل التخطيط والترخيص وتخصيص الأراضي والاستثمار وتوقيع الجزاءات المالية، حسب ورقة بحثية حول المشروع نشرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
ورغم الاعتراضات الحقوقية، استمر النص في النسخة النهائية للقانون، والتي نشرتها الجريدة الرسمية اليوم الاثنين، على ذات الاختصاصات الواسعة للجهاز الذي سيتولى وضع استراتيجيات التنمية، ومنح التراخيص والموافقات، ويستثمر ويدير الأصول، ثم يتولى الرقابة والتفتيش، وصولاً إلى إقرار وتوقيع الجزاءات المالية الإدارية على المخالفين.
وعلى خلاف توصيات المبادرة، أبقى القانون على الآلية الاستثنائية لنقل أصول الدولة إلى صناديق الجهاز؛ إذ استمر النص في المادة 52 منه على منح رئيس الجمهورية، بناءً على عرض رئيس الجهاز ومجلس إدارته، الحق في نقل ملكية أي أموال أو أصول مملوكة للدولة مستغلة أو غير مستغلة أو حصص في شركات حكومية إلى صندوق "أهرامات النيل" السيادي التابع للجهاز، دون اشتراط العرض على البرلمان أو أخذ موافقته مسبقًا.
وبخلاف ذلك، تضمنت النسخة النهائية للقانون منح البرلمان سلطة رقابية على عملية إنشاء وتخصيص الموارد بمناطق التنمية المستدامة المملوكة للجهاز، الذي كان تابعًا للقوات الجوية، وصار بمقتضى القانون الجديد "جهازًا قوميًا ذا طبيعة خاصة" يتبع لرئيس الجمهورية.
وتثير الاستثمارات الاقتصادية للقوات المسلحة انتقادات عدة، أبرزها من صندوق النقد الدولي الذي يطالب بالحد من مزاحمة الدولة للقطاع الخاص، لكن مجلس الوزراء يقول إن الشركات الخاصة تساهم في الناتج الإجمالي بنسبة غالبة تقترب من 80%.
ويُلزم القانون الجديد، الحكومة بضرورة عرض قرارات رئيس الجمهورية التي سيتم بمقتضاها تحويل ملكية أراضٍ ومنشآت حكومية ضمن مناطق التنمية المستدامة فقط إلى جهاز مستقبل مصر، على الجلسة العامة للبرلمان.
وبحسب ما قاله نواب، في تقرير سابق لـ المنصة، فقد خاض معارضون للقانون نقاشًا حادًا داخل البرلمان لفرض رقابة من المجلس على قرارات نقل الموارد العامة للجهاز، في ظل قلق من توسع سلطة "مستقبل مصر" الذي بدا في المشروع الحكومة كـحكومة موازية.
من جهة أخرى، وفي مواجهة انتقادات للنواب بإثقال القانون على الموازنة العامة، تم حذف النص القديم الخاص بتحمل الخزانة العامة سداد الحصة التي يلتزم بها "مستقبل مصر" كصاحب عمل في اشتراكات التأمين الاجتماعي، وبدلًا من ذلك منحت النسخة المعدلة من القانون الجهاز الحق في تقسيط اشتراكات التأمين على أربع سنوات.
كما تم حذف مادة في مشروع القانون كانت تنص على تحمل الخزانة العامة ضريبة القيمة المضافة وأي رسوم وضرائب أخرى تقع على الجهاز، في مقابل ما يؤول للموازنة من أصول أو عوائد مالية مقدمة من "مستقبل مصر".
وفي 2023، أنهت مصر كافة الإعفاءات الضريبية للجهات التابعة للدولة، بما فيها التابعة للقوات المسلحة، التزامًا ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، والذي أسفر عن تحصيل ضرائب بقيمة 67.4 مليار جنيه من الجهات المعفاة سابقًا في العام المالي 2024-2025.
في المقابل، حافظت النسخة الأخيرة من القانون على إعفاء الجهاز من أحكام القوانين المنظمة لأيلولة نسب محددة من أرصدة بعض الجهات أو فوائضها إلى الخزانة العامة للدولة، وترك الحق لرئيس الجمهورية في تقرير ما سيتم تحويله من "مستقبل مصر" للموازنة.
كما تبنى القانون النهائي بشكل كامل النص المقيد لحق التقاضي وحماية الأموال العامة، على خلاف توصيات المبادرة المصرية أيضًا، إذ نصت المادة 90 منه على عدم قبول الدعاوى أو الطعون ببطلان العقود أو قرارات تخصيص الأراضي التي يكون الجهاز أو صندوقاه طرفًا فيها، إلا من أطراف التعاقد أنفسهم دون غيرهم، ما لم يصدر حكم جنائي بات بإدانة أحد الطرفين في جريمة مال عام، وهو ما يحصن تصرفات الجهاز في الأصول العامة من الرقابة القضائية بدعاوى شعبية.
ويثير التوسع الكبير للجهاز في الاستحواذ على الأصول تساؤلاتٍ حول مدى التزام الحكومة بوعود "تخارج الدولة" من النشاط الاقتصادي المقطوعة لصندوق النقد الدولي ضمن برنامجه الحالي الذي ينتهي أواخر العام الجاري.