مولدة بالذكاء الاصطناعي، جيميناي
تجميد البويضات

"بيزنس" تجميد البويضات.. تسعير الحق في الإنجاب

منشور الاثنين 9 شباط/فبراير 2026

بدافع شعورهِا بالقلق الشديد مع اقترابها من سن الـ44 دون زواج، قررت سما زين الدين تجميد بويضاتها، لتمد من عمر فرصتها في الإنجاب. 

عانت سما التي تعمل بالتسويق الإلكتروني في رحلة العثور على مكان لإجراء العملية، يناسب إمكاناتها المادية؛ "اللي بتعملها مستشفيات خاصة وكلها أسعارها خرافية وأغلبها بالدولار"، تقول لـ المنصة.

تكرار البحث على السوشيال ميديا وجوجل ساهم في توجيه إعلانات مراكز الخصوبة إليها؛ "مكنتش عارفة هل هي مراكز قانونية ولا لأ، بس لما بدأت أسألهم لقيت أسعارهم معقولة شوية".

وانتشرت في الفترة الأخيرة عمليات تجميد البويضات، التي تتم عن طريق الحقن بحقن تنشيطية في البطن، بما يتيح للنساء سواء المتزوجات أو غير المتزوجات، الاحتفاظ ببويضاتهن لحين الحاجة إليها، فيما حوّلتها المراكز المتخصصة إلى بيزنس.

وتتفاوت أسعار تجميد البويضات بين المستشفيات الخاصة التي تقدمها بأسعار تتراوح بين 5 إلى 7 آلاف دولار، حسب ما تنشره هذه المستشفيات على صفحاتها على السوشيال ميديا، بينما تتراوح الأسعار بالمراكز مجهولة الهوية المنتشرة على فيسبوك بين 30 إلى 70 ألف جنيه للدورة الواحدة.

سياسة "لم الفلوس" 

وصل تكلفة عملية تجميد البويضات في المركز الخاص الذي اختارته سما 67 ألف جنيه؛ "ده سعر كويس مقارنة بالمستشفيات اللي بتطلب 235 ألف جنيه".

إضافة لهذا لا يطلب المركز المبلغَ دفعة واحدة، وتتوزع التكلفة على أدوية التنشيط التي يصل سعرها إلى 30 ألف جنيه، ويوفرها المركز بالأسعار التي يحددها، لكونها لا تتوفر في الصيدليات، إلى جانب تكاليف التحاليل التي تصل إلى 5 آلاف جنيه، فضلًا عن تكاليف المستشفى والطبيب والإجراء الطبي، بينما يتكلف حفظ البويضة المجمدة 3 آلاف جنيه للعام الواحد.

أجرت سما العملية؛ لكنها فشلت، وما قيل لها إن عدد بويضاتها كان قليلًا ما يعني أنها مضطرة لإعادتها مرة أخرى بالتكلفة نفسها، دفعها ذلك للاقتراض لإجراء العملية مرة أخرى، لكنها لم تكلل بالنجاح للمرة الثانية، وباتت مطالبة بخوض تجربة جديدة وهو ما لا تستطع الوفاء به؛ "مش معايا أعملها مرة تالتة، وحسيت فلوسي راحت على الأرض".

لم تصدق سما ما قاله الطبيب عن فشل العملية لمرتين، واتهمت المركز بأنه يعتمد هذه السياسة "عشان يلم فلوس ويستغل الحالات". 

أرقام دالة

بتحليله لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، يقدر الباحث السكاني أكرم ألفي عدد الإناث اللاتي تزيد أعمارهن عن ثلاثين عامًا بـ22 مليونًا، ويوضح لـ المنصة أن "هذه التقديرات تتوزع بين نحو 15.3 مليون في الفئة العمرية التي تتخطى الأربعين، يضاف إليهن ما يقارب الـ7 ملايين في الشريحة العمرية ما بين الثلاثين والأربعين".

أما ما يخص عدد غير المتزوجات، أو ما يندرج في البيانات الإحصائية الرسمية تحت بند "العنوسة"، يقول ألفي إن "آخر ما نُشر من بيانات يرجع إلى 8 سنوات مضت"، موضحًا أنها كانت في حدود 3.5%؛ "يمكن تقدير عدد غير المتزوجات حاليًا بنحو 770 ألف امرأة كحد أدنى، وقد يصل الرقم إلى 1.5 مليون في حال افترضنا تضاعف النسبة تحت ضغط الظروف الحالية، وهو احتمال يظل بعيدًا إحصائيًا".

ولا تقتصر الحاجة لتجميد البويضات على غير المتزوجات، فسارة خليل، 35 عامًا، متزوجة لكنها تحتاج لهذا الإجراء؛ "أنا متجوزة من 6 سنين عن قصة حب، بس جوزي بيعاني من ضعف في القدرة على الإنجاب وبيتعالج من أول جوازنا"، تقول لـ المنصة.

يوميًا، تتعرض سارة، التي تعمل محاسبة، وسبق لها عمل حقن مجهري لم تنجح، لعشرات الإعلانات عن مراكز خصوبة خاصة، لكها ترفض إجراء هذه العملية في مركز غير معروف؛ "عارفة إنها خدعة".

أسعار إجراء العملية في مستشفى خاص التي تصل إلى ربع مليون جنيه تدفع سارة للبحث عن أماكن بديلة مضمونة؛ "بدأت أسأل في المستشفيات الحكومية"، وهناك لم تجد ضالتها، حيث لا مكان بها لمثل هذه العمليات؛ "مالقيتش حد فاهم واللي فاهم كان بيتريق، على اعتبار إن اللي بطلبه رفاهية تدعو للسخرية". 

تقنين هادئ

خرجت عملية تجميد البويضات في مصر من دائرة التابوهات الاجتماعية مع رفع الحظر الشرعي عنها بفتوى من دار الإفتاء المصرية عام 2019  اشتملت على ضوابط تضمن الأمان و"عدم اختلاط الأنساب"، لكن هذا الاعتراف الشرعي لم يُترجم بعد إلى حق قانوني ميسور للجميع. فبينما تسعى وزارة الصحة لتقنين الممارسة عبر مشروع قانون الإخصاب الذي أحالته في 2024 لوزارة العدل، ويركز بشكل أساسي على تجميد البويضات لأسباب طبية، مثل مريضات السرطان، تغيب آليات واضحة لدعم التجميد الاجتماعي.

لضمان جودة هذه الخدمات، يضع مشروع القانون اشتراطات صارمة؛ حيث يلزم مراكز التلقيح الصناعي والإخصاب باستخراج تراخيص منفصلة تخضع لمعايير صحية دولية ووطنية تختلف عن متطلبات المراكز الطبية العادية، مع حظر بات للتخصيب بعد الوفاة أو الطلاق ومنع تأجير الأرحام، لضمان الانضباط المهني وحماية الأنساب.

وتتبنى عدة دول خططًا داعمةً لعمليات التجميد مثل فرنسا التي تغطي جزءًا كبيرًا من تكاليف العملية ضمن نظام الرعاية الصحية، واليابان التي أعلنت فيها الحكومة عن خطة لتقديم إعانة مالية لتغطية تكاليف تجميد البويضات لمساعدة النساء على تأجيل الإنجاب، والأمر ذاته تبنته كوريا الجنوبية بإعلانها عن منحةٍ تصل إلى مليوني وون تقريبًا.

كما أطلقت إيطاليا برنامجًا باسم "تجميد اجتماعي" تدعم من خلاله النساء منخفضات الدخل والمتقدمات في العمر لتجميد البويضات. فيما لا تزال دول مثل مصر والأردن وتونس في مرحلة تسليع الحق في الإنجاب عبر مراكز تقدم الخدمة بأسعار ليست في متناول الجميع.

الميسورات الأكثر إقبالًا

بحكم عمله، يلحظ دكتور عمرو عباسي، استشاري النساء والتوليد والحقن المجهري، إقبالًا يصفه بـ"الشديد" على تجميد البويضات، بالأخص من من الفتيات اللواتي لم يسبق لهن الزواج.

يوضح عباسي لـ المنصة أنه "يمكن معرفة القدرة الإنجابية للمرأة عن طريق السونار وعن طريق تحليل AMH وهو اختبار خصوبة يستخدم لتقييم احتياطي المبيض لدى المرأة، وذلك قبل إجراء التجميد" من أجل معرفة مخزون البويضات لديها. 

تتفق دكتور سلمى عز الدين، أخصائية نساء وتوليد مع ملاحظة عمرو عباسي لزيادة الإقبال على هذه العمليات، مشيرة إلى اقتصارها على الميسورات بسبب سعرها المرتفع، ما قد يدفع البعض للجوء إلى المراكز غير المرخصة؛ "التي لا نعلم مدى جاهزيتها لإجراء مثل هذه العملية بداية من التخدير حتى معامل حفظ البويضات، الحكاية كلها بيزنس" تقول لـ المنصة، مناشدة وزارة الصحة إدراج العملية ضمن التأمين الصحي. 

غير أن الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، يؤكد أن ذلك غير مطروح حاليًا لكون تجميد البويضات "يحتاج قانونًا يجيزه وينظمه أولًا"، موضحًا لـ المنصة أن هذه العمليات تتم الآن بمراكز التخصيب والحقن المجهري، والوزارة تتعامل مع تلك المراكز مثل أي مراكز أو عيادات أخرى، حيث تتخذ الإجراءات القانونية ضدها في حال ثبوت مخالفات أو أضرار للمرضى.

يشير المتحدث باسم الوزارة إلى إغلاق 9 مراكز خاصة للنساء والتوليد والعقم في القاهرة والجيزة خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول 2025، لعدم مطابقتها معايير مكافحة العدوى والاشتراطات الصحية، مما يعرض حياة الأمهات والمواليد للخطر.

فيما تربط دكتورة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، بين دعم الدولة لتجميد البويضات والقدرة المالية لوزارة الصحة؛ "الموازنة الصحية بالكاد تكفي الاحتياجات الأساسية"، تقول لـ المنصة، نافية طرح القضية للنقاش في البرلمان.

تتساءل النائبة عن القدرة المالية للحكومة بما يمكنها من تحمل تكلفة التكنولوجيا العالية التي يتطلبها إجراء تجميد البويضات والمخازن المجهزة لها، مجيبة "ما فيش قدرة طبعًا إحنا لحد الآن بنّاقش أزمات عدم كفاية أسرّة الرعاية المركزة وحضّانات الأطفال".

تأمل إيرين في أن تدعم الدولة الإجراء الطبي لتجميد البويضات حال تحسن الوضع الاقتصادي، مشيرةً إلى اقتصار تقديم الخدمة المضمونة على عدد محدود من المستشفيات والأماكن الطبية، مشددة على أن الندرة وراء ارتفاع أسعار العملية. 

حتى يتحسن الوضع، ويشرعن البرلمان إتاحة عملية تجميد البويضات لجميع النساء، يصطدم حلم سما وسارة ومئات غيرهن في سماع كلمة "ماما" بحوائط التكلفة العالية لتجميد البويضات وبيزنس المراكز الخاصة.