كبار السن ومتلازمة العش الفارغ.. ثلاجة ومطرقة ومغامرة في الأمازون
4 أفلام عن مقاومة اليأس والملل والفراغ في الربع الأخير من الحياة
هل سمعت يومًا عن متلازمة العش الفارغ؟ أزمة نفسية عميقة تصيب الآباء بعد انفصال أبنائهم عنهم. حينها يشعرون أنهم باتوا بلا هدف حقيقي، وتصيب الكثيرين منهم نوبات اكتئاب بسبب هذا الفراغ.
في الأساس، تتغذى هذه المتلازمة عبر الأنماط الاجتماعية الجامدة التي تُبنى عليها حياة الفرد منذ مراحله الأولى؛ الدراسة، ثم التوظيف، فالزواج والإنجاب، وأخيرًا تنشئة جيل جديد. وفور اكتمال هذه الدورة، يجد الوالدان نفسيهما أمام سؤال كبير: ماذا بعد؟
شاهدت في الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي (نوفمبر/تشرين الثاني 2025) ما يمكن اعتباره بانوراما عالمية لهذه المتلازمة، متجسدةً في صور متعددة تعكس الاختلافات الفردية والثقافية والاجتماعية في التعامل مع العش الفارغ من خلال 4 أفلام عن معاناة كبار السن مع الحياة بعد بلوغ سن التقاعد.
شكوى رقم 713317
يتناول فيلم شكوى رقم 713317؛ العمل الروائي الطويل الأول للمخرج ياسر شفيعي، الحائز على جائزة أفضل سيناريو في مسابقة آفاق السينما العربية، قصة تعطل ثلاجة قديمة يملكها الزوجان مجدي/محمود حميدة وسما/شيرين.
خلال رحلة إصلاحها التي يتعرض فيها مجدي للنصب، نكتشف أن الثلاجة ليست وحدها ما أصابه التلف؛ فالخَلَل يمتد إلى علاقة الزوجين المتوترة بفعل الضغوط المادية، وعلاقتهما بابنهما الذي يقتصر حضوره على مكالمات الفيديو رغم إقامته في نفس البلد. والأهم من ذلك كله، تَلَف علاقة مجدي بذاته وصورته عن نفسه.
يصارع مجدي عجزه عن تحقيق أبسط متطلبات بيته الذي اعتاد أن يكون ربّه، بعد أن رأى أسرته تنحدر اجتماعيا بسبب الظروف المادية بعد التقاعد، هو الذي نجح لسنوات في المحافظة عليها ضمن الطبقة المتوسطة "المستورة".
تصبح فكرة إصلاح الثلاجة، أو بمعنى أصح تأكيد هيمنة مجدي، فكرة مسيطرة حد الهوس، إما أن يحققها، أو يفقد عقله تمامًا.
المسار الأزرق وزنقة مالقة
على الجانب الآخر، باتت متلازمة العش الفارغ جزءًا أساسيًّا من الإجبار المجتمعي. فالمجتمع، وهو يتنهد متحسرًا يتوقع أن فلانًا أصبح "لا حول له ولا قوة" بعد انفصال أبنائه عنه، وأنه حتمًا يُعاني، وتصبح كل محاولاته للحياة موصومة ومصحوبة بعبارة "يا رجل، احترم سنك!".
نرى في الفيلم البرازيلي The Blue Trail/المسار الأزرق إخراج جابريل ماسكارو، وفيلم Calle Málaga/زنقة مالقا، أول أعمال المخرجة المغربية مريم التوزاني باللغة الإسبانية، نموذجين لامرأتين تُدفعان قسرًا نحو "العش الفارغ" بالرغم من امتلاكهما الحيوية والشغف.
في فيلم The Blue Trail، تريزا/دينيس واينبرغ امرأة تبلغ من العمر 77 عامًا تعيش بقلب شاب وصحة قوية في مجتمع يسن قانونًا يقضي بعزل المسنين في مستعمرة. ويُبَرَّر هذا الأمر على أنه تقدير لهم، لكنه في الحقيقة محاولة لاستبعاد "العجائز" من الصورة الاجتماعية والمهنية لإتاحة الفرص للأجيال الأصغر. هذه الخطة هي بلا شك خطة رأسمالية تضمن للدولة عمل أفضل الكفاءات لضمان إنتاجية أعلى.
فجأة، تكتشف تيريزا أن الأعوام الثلاثة التي كانت تفصلها عن المستعمرة تقلصت إلى سبعة أيام فقط بسبب تغير القوانين. وعندما سألتها صديقتها عن حلم لم تحققه بعد، تعطلت في الرد لثوانٍ وكأنها لم تطرح هذا السؤال على نفسها من قبل، ثم أجابت بعفوية: "أرغب في تجربة الطيران". أمنية بسيطة قد تكون وليدة اللحظة، لكنها تكشف أن تيريزا ما زالت ترغب في عيش الحياة.
وبعد أن تمنعها ابنتها بجحود من تحقيق أمنيتها الأخيرة، وبعد خوضها لرحلتها الغريبة في الأمازون سعيًا للطيران، تجد نفسها في طريقها للمستعمرة. لكن بداية هذا الطريق في حد ذاته كانت ناقوسًا يذكّر تيريزا أن هذا ليس طريقها.
كل المغامرات التي خاضتها كانت أمورًا حيوية أكثر من الطيران نفسه، لكنها بالتأكيد وبفضل حيويتها وإصرارها خاضت تجارب أخرى أكثر متعة وإثارة.
أما عن ماريا أنخيلس مونيوز/كارمن ماورا في فيلم "زنقة مالقة"، فلم تكن مشكلتها الأساسية مع قوانين بلدها، بل مع ابنتها. ماريا امرأة إسبانية ولدت وعاشت عمرها بأكمله في مدينة طنجة المغربية، تعود ابنتها كارلا من مدريد بغرض بيع المنزل المكتوب باسمها لتستفيد من أمواله في تأمين حياة أفضل لها ولطفليها.
هذه حقوق مشروعة بالتأكيد، لكن كارلا تتعامل مع أمها كأنها قطعة أثاث في هذا المنزل يمكن نقلها إلى مدريد. ماريا، بمنطق الابنة، هي إسبانية لا يربطها بالمغرب أي شيء حاليًا، وهي أيضًا عجوز من المفترض أن تقتصر مهمتها على الاعتناء بأحفادها في انتظار الموت قريبًا.
على النقيض، ماريا تحب للحياة. وعندما تحتدم المواجهة بينهما، لا تتورع كارلا عن مفاجأة والدتها.
لم يخلُ عش كل من تريزا وماريا من الأساس. وحين هُدِمَ العش بحكم القوانين والظروف الاقتصادية وجحود الأبناء، خاضتا رحلة مثيرة ودافئة في محاولة لبناء عش جديد. ولم يكن ذلك ممكنًا إلا بفضل قدرتهما على حب ذواتيهما وحب الحياة كذلك.
اليعسوب
في فيلم Dragonfly/اليعسوب، الحائز على جائزة الهرم الذهبي في المهرجان، إخراج وتأليف بول أندرو ويليامز، ينتظرنا عشّان فارغان وليس عشًا واحدًا. إذ نجد الشابة كولين/أندريا رايزبورو، التي حصدت جائزة أفضل ممثلة في المسابقة الرسمية، تختنق بمشاعر الفراغ وانعدام الجدوى والوحدة.
وعلى الرغم من أنها لم تمتلك "عشًا" من الأساس، فإنها تعاني بعد تخلي والديها عنها منذ صغرها، واعتمادها على إعانات الحكومة. تجد كولين أخيرًا دورًا مفيدًا يمكن أن تلعبه في حياتها بعدما قررت الاعتناء بجارتها المسنة المريضة إلسي/بريندا بليثين، التي تعاني بدورها من متلازمة العش الفارغ بعد هجر ابنها وموت زوجها منذ فترة.
يجد الثنائي المأزوم معنى جديدًا للحياة. وبالرغم من الجو العام للفيلم المغلف بالإثارة والغموض حول دوافع شخصية كولين، فإننا في الثلث الأخير نكتشف نواياها الحقيقية.
ما تقدمه النماذج الأربعة هو جزء من معاناة كبار السن، سواء بسبب التهميش المتعمد أو تبدل الأحوال الناجم عن تغيرات الزمان، هنا لا يكون التحدي الحقيقي وجود الأبناء من عدمه، بل قدرة الفرد على إعادة تعريف ذاته ودوره بعد أن يُكمل الحلقة الاجتماعية المفروضة عليه.
في وجه القوانين الجائرة، أو الظروف المادية الضاغطة، أو حتى الفراغ العاطفي، تظل المحاولات المستمرة للشخصيات في البحث عن "عش جديد"، مهما كان شكله، الفعل الأسمى الذي يقدمه الفرد لنفسه بدافع حبه لذاته وتقديره لها.