غواية التلصص.. البحث عن العدالة بـ"عين سحرية"
استهلالٌ ذكيٌّ اختاره مخرج عين سحرية السوري السدير مسعود، ليس للحلقة الأولى من العمل فقط لكن في التأسيس للعمل ككل، فالمشهد الأول لباب شقة، ثم زووم على العين السحرية التي تسمح لمن يقف خلف الباب برؤية حيز كبير من المساحة الموجودة خارجه أكبر بكثير مما تعد به ضآلة العدسة الصغيرة المدسوسة في الجزء العلوي من الباب.
تخترق كاميرا المخرج العين السحرية، وتغوص داخل الشقة إلى أن تصل إلى غرفة نوم، ونرى عصام عمر/عادل، الذي يقف مشدوهًا مصوبًا ناظريه إلى جثتين لرجل وامرأة شبه عاريين ملطختين بالدماء، ثم تنسحب الكاميرا في مسار معاكس لتخرج من العين السحرية، وفي لحظة الخروج تتحول العين إلى كاميرا مراقبة حديثة في محل تجاري، في فلاش باك ذكي وخاطف، حيث نجد عادل بطل العمل مرة أخرى في حال أخرى، ممسكًا بالكاميرا ويتحدث مع صاحب المحل عن جودة الصورة.
في لحظة ما، وأنت تتابع مسلسل عين سحرية، تدرك أنك لا تشاهد عملًا دراميًا تقليديًا عن كاميرات مراقبة أو حكاية تشويق عابرة، لكن تدخل تدريجيًا إلى مساحة أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الأسئلة الأخلاقية مع البنية الاجتماعية والسياسية، ويصبح السؤال المركزي ليس: من المذنب؟ إنما: من يرى؟ ومن يملك الحق في أن يرى بدلًا من دولة لم تعد قادرة، أو ربما لم تعد راغبة في أداء هذا الدور.
طاقية الإخفاء
فكرة التلصص السحري في جوهرها قديمة، لها جذور ممتدة من حكايات ألف ليلة وليلة، وأعاد نجيب محفوظ صياغتها في حكاية طاقية الإخفاء ضمن رواية "ليالي الألف ليلة" التي يهديها الشيطان إلى فاضل صنعان الشاب النبيل المثالي، لكنه يشترط عليه أن يفعل ما يخالف ضميره ليتسنى له تسخير القوة السحرية للطاقية، مرورًا بالمعالجات السينمائية الأحدث مثل النسخ المتنوعة من The Invisible Man (أقدمها يعود للعام 1933)، حيث يتحقق الاختفاء عبر العلم، أو في المعالجة المصرية سر طاقية الإخفاء (1959) حيث يحدث الإخفاء من خلال تراب سحري من بقايا احتراق عفريت.
عادل ليس مجرد بطل تقليدي هو تجسيد للهامش الاجتماعي بكل ما يحمله من هشاشة وقدرة على التكيف
في "عين سحرية" لا يختفي أحد، لكن الجميع يمكن أن يُرى دون أن يدري، فالإخفاء هنا لا يخص الجسد لكنه أداة الرؤية نفسها، الكاميرا الصغيرة التي تتحول إلى عين خفية، إلى سلطة بديلة، إلى طاقية إخفاء معكوسة تُمكّن صاحبها من التلصص، وربما الوصول إلى الحقائق المخفية.
في هذا السياق، يعيد المسلسل تعريف التلصص، لا باعتباره انحرافًا أخلاقيًا بقدر ما هو استجابة لوضع مختل، فحين تفشل منظومة العدالة في أداء دورها، لا يختفي الظلم لكن تظهر طرق أخرى للقصاص، وهنا يظهر التلصص ضرورةً لا خيارًا، آليةً لإنتاج الحقيقة نفسها وليس فقط كشفها، عبر مرحلتين متكاملتين: محامٍ يملك المعرفة باسم سمرة في دور زكي غالب، ومهندس يملك القدرة على الرؤية عصام عمر في دور عادل.
زكي يطّلع على تفاصيل قضايا يدفع بها رجال أعمال فاسدون إلى مكتب المحاماة الذي يعمل فيه ويملكه الدكتور راغب، المحامي الكبير الذي جمع ثروته من خلال تسخير علمه بالقانون وثغراته في تخليص الفسدة والجناة من يد العدالة، بينما عادل يزرع الكاميرات السرية ويوفر الدليل الذي يحوّل الشك إلى يقين، ليصبح التلصص هنا نظام عدالة موازيًا، يعمل خارج المؤسسات لكنه يسد فراغها، ويعيد توزيع القوة بين من يملكون السلطة ومن يملكون المعرفة، في معادلة دقيقة يصبح فيها الفيديو، لا الشهادة، هو الحقيقة الدامغة.
عادل اللي شبهنا
شخصية عادل ليست مجرد بطل تقليدي، هي تجسيد للهامش الاجتماعي بكل ما يحمله من هشاشة وقدرة على التكيف، وهو امتداد بصري لما يمكن تسميته بـ"رجل الموتوسيكل"؛ ذلك النموذج الذي ارتبط عالميًا بالتحرر والمطاردة والبحث، لكن في هذا السياق يكتسب بعدًا طبقيًا واضحًا، فالموتوسيكل الصيني الذي يقوده ليس مجرد وسيلة انتقال، هو علامة اجتماعية، وصمة تُستخدم للسخرية منه، سواء من صديقه تيحة/أحمد بيلا، أو من تاجر المخدرات الذي يعرض عليه "موتوسيكل أنضف"، وكأن القيمة الاجتماعية للفرد تُختزل في أدواته.
مع ذلك، فإن هذه الوسيلة "المحتقرة" هي نفسها التي تمنحه القدرة على الإفلات من مطارديه الذين يستقلون سيارة، في إحدى المطاردات بين رجال صاحب مطعم يبيع زبائنه لحومًا فاسدة مصبوغة بالألوان والبهارات نجح الثنائي زكي وعادل في ابتزازه للحصول على 200 ألف جنيه، مشهد الهروب يبدو بسيطًا لكنه مشحون بالدلالة: الخفة يمكن أن تهزم الثقل، والهامش، إذا امتلك المرونة، يمكنه أن يناور المركز ويتفوق عليه، وهي استعارة ممتدة لحال جيل كامل يتحرك في فراغ اجتماعي، بلا ضمانات، بلا حماية، لكنه يطوّر أدواته الخاصة للبقاء.
زكي غالب ليس مجرد محامٍ هو وعي قانوني يسعى لإعادة توظيف الأدوات نفسها التي فشلت في تحقيق العدالة
ويمتد هذا الهامش إلى خلفيته الأسرية، حيث الأم نوال/سما إبراهيم، تعمل في مصنع لصباغة الملابس، في بيئة غير آمنة، بلا عقد، بلا تأمين، لتدفع ثمن ذلك مرضًا مزمنًا يصيب كبدها، في إشارة واضحة إلى عوار بيئة العمل، حيث يتحمل العامل وحده تكلفة الإهمال، بينما ينجو صاحب العمل بحجة أن "أوراقه سليمة"، وهي مفارقة تكشف كيف يمكن للقانون أن يتحول من أداة حماية إلى غطاء شكلي، بينما يغيب جوهر العدالة.
في المقابل، يأتي زكي غالب كشخصية أكثر هدوءًا، لكنها لا تقل تعقيدًا، فهو يرى نفسه حارس العدالة. نفهم من السياق أن زكي محامٍ لكنه لا يقف أمام القضاة ويترافع، يكتفي فقط بدراسة القضايا وتحضير المرافعة المناسبة وتلقينها لزميل أو زميلة في المكتب، ويجلس بين صفوف الحضور في الجلسات يردد جمل المرافعة التي يلقيها زميله أمام المحكمة.
يتردد على عيادة معالجة نفسية، يتحدث معها عن ابنته التي حُرم منها، نكتشف فيما بعد أن المعالجة هي ابنته لكنه لا يستطيع الكشف عن هويته، نفهم من السياق أنه سُجن في الماضي، وربما هذا سبب حرمانه من ممارسة المحاماة رغم موهبته وذكائه، وفي مشهد يجمع زكي وعادل، يتحدث فيه عادل عن والده الذي مات بعد أن سُجن في قضية سرقة، يلومه زكي على كرهه لوالده، ويخبره أنه ربما كان مظلومًا مثله.
في منظومة اجتماعية فاشلة وهشة وفقيرة، تتحول العدالة إلى قيمة نسبية ليست مطلقة، فالأقوى صاحب النفوذ بإمكانه التحايل على القوانين، واستغلال حاجة الفقراء لإجبارهم قسرًا على تحمل فاتورة جرائمه مقابل المال أو بتهديهم بإيذاء من يحبونهم.
الفضيحة كأداة عقاب
واحدة من أكثر الأفكار مركزية في المسلسل هي فكرة الفضيحة، التي تتحول من مجرد نتيجة إلى أداة، ومن أثر جانبي إلى وسيلة ردع، فالفاسدون لا يستجيبون للضحايا لأنهم اقتنعوا بعدالة القضية، لكن لأنهم يخشون انكشاف ما يخفونه، ما يجعل الفضيحة سلطة موازية للقانون، وأحيانًا أكثر فاعلية منه، وهي فكرة تستدعي ما قدمه المخرج الراحل داوود عبد السيد في فيلم الكيت كات (1991) في المشهد الأكثر أهمية في الجزء الأخير من الفيلم، عندما يجلس الشيخ حسني/محمود عبد العزيز بجوار ميكرفون العزاء ويبدأ في حكي أسرار سكان الحارة لمجموعة صغيرة من أصدقائه معتقدًا أنهم وحدهم من يسمعونه بينما الحارة كلها كانت تسمع في الخارج.
المختلف في "عين سحرية" أن الكاميرا هنا أداة إنتاج الفضيحة، لا مجرد وسيط لنقلها، وهو ما يعيدنا إلى مقارنة أوسع مع فيلم The Godfather، حيث أدى فشل العدالة إلى صعود المافيا بديلًا لتحقيق العدالة، بينما يقدم "عين سحرية" بديلًا أقل صخبًا لكنه لا يقل خطورة: الفرد المسلح بالمعرفة والتكنولوجيا، لا السلاح، الذي ينتزع العدالة عبر الكشف لا العنف، لكنه يظل، في النهاية، يعمل خارج إطار الشرعية التقليدية.
شفرات مسموعة ومرئية
يتعمق المسلسل في بناء رمزياته عبر الحوارات التي تبدو عابرة لكنها محمّلة بالدلالات، كما في الحوار بين عادل والطبيبة البيطرية أسماء/جنا الأشقر، حيث يتحول الحديث عن الكلاب المسعورة إلى استعارة عن الفاسدين، ككائنات منبوذة، مدفوعة بهوس الإيذاء، تعيش في عزلة "المسعور ده ما بيعش غير لوحده".
يسترسل عادل "أمي كانت بتحكي لي إن زمان كان فيه السِمَّاَوِي اللي بيمشي يسمم الكلاب في الشوارع"، فترد "طبعًا، لكن دلوقتي فيه قانون، اللي بيعمل كده بيتحاكم وبيتفضح". الرمزية في الحوار القصير، يمكن فك شفرتها من خلال تشبيه الفاسد بالكلب المسعور، والحديث عن الفضيحة (حتى مع اختلاف السياق) تمهيدًا لاستخدامها أداة عقابية لتأديب المخالفين.
سحق الطبقة الوسطى لا يعني فقط تدهورًا اقتصاديًا لكن تآكلًا في منظومة العدالة نفسها لأن هذه الطبقة كانت تاريخيًا الحامل الاجتماعي لفكرة القانون
في حوار آخر يجمع عادل مع مدام مروة/فيدرا مالكة بيوتي سنتر فخم، أثناء عقد صفقة لإقناعه بتركيب كاميرات سرية في شقة يملكها زوجها (نفهم من الحوار ضمنيًا أنه يستخدمها لإقامة علاقات جنسية مع نساء أخريات)، في البداية يرفض عادل الأمر ويصفه بأنه "شغل أسود" فترد الزوجة "أنا ما بعملش حاجة غلط، أنا بحافظ على بيتي".
هنا تضيف فيدرا بعدًا جديدًا لفعل التلصص المجرم قانونيًا وأخلاقيًا، هو الحفاظ على الاستقرار، فيما بعد يمكن أن يعتبر الثنائي عادل وزكي ومعهما المشاهدون المتورطون أن مصر بيتهم، وأن فعل التلصص على المخالفين هو محاولة مشروعة للحفاظ على الاستقرار، وهو المنطق نفسه الذي تستخدمه الأجهزة الأمنية في دول كثيرة، للتعدي على الخصوصية بدعوى الحفاظ على الاستقرار وتحييد العناصر المخربة.
أثناء التفاوض تسأل مدام مروة عادل عن راتبه فيخبرها أنه "بيقفّل 8 أو 9 تلاف جنيه في الشهر" فتسأله "وبيكفوك؟" فيرد "الحمد لله رضا، فيه ناس بتعيش بأقل من نص المبلغ ده"، فتعرض عليه إجمالي راتبه الشهري مقابل إنجاز مهمة لن تستغرق من وقته أكثر من نصف ساعة. هنا إشارة واضحة إلى أن هزالة الدخول والفقر والحاجة تفتح الباب للاستغلال وتضطر الأفراد لمخالفة ضمائرهم والقانون.
بصريًا يتحالف الموتوسيكل الصيني الذي يقوده عادل مع سيارة بيجو 504 التي يمتلكها المحامي زكي غالب، تلك السيارة التي ارتبطت تاريخيًا بالطبقة الوسطى المصرية في السبعينيات والثمانينيات، لتصبح المفارقة هنا ليست مجرد اختلاف في الوسيلة، بل في الموقع الاجتماعي نفسه، بين هامش يتحرك بسرعة ولا يملك استقرارًا، وطبقة وسطى تحتفظ ببقايا هيبتها لكنها تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير، وهو ما يقود إلى فكرة أوسع يلمّح إليها المسلسل: أن سحق الطبقة الوسطى لا يعني فقط تدهورًا اقتصاديًا، لكن تآكلًا في منظومة العدالة نفسها، لأن هذه الطبقة كانت تاريخيًا الحامل الاجتماعي لفكرة القانون.
في هذا المجتمع المأزوم، تغيب الصحافة الحرة القادرة على الكشف والتقصي، فلا نجد تحقيقات استقصائية ولا مساءلات حقيقية، ما يفتح المجال أمام الكاميرا السرية لتلعب دورًا بديلًا، كصحافة بلا معايير، بلا ضوابط، لكنها قادرة على الوصول إلى ما لا تصل إليه المؤسسات، وهو غياب لا يبدو عرضيًا، لكن جزءًا من صورة أكبر لدولة تبدو إما غائبة أو عاجزة: مخدرات توزَّع عبر التكاتك، لحوم فاسدة يعاد تدويرها، عمال بلا حقوق، منظومة كاملة تعمل دون رقابة فعالة، ما يجعل التلصص ليس فقط خيار الأبطال، بل نتيجة طبيعية لفراغ السلطة.
في النهاية، لا يقدم "عين سحرية" إجابات بقدر ما يسأل: إذا كانت الدولة لا ترى، وإذا كانت المؤسسات لا تحاسب، وإذا كانت الحقيقة تحتاج إلى من يلتقطها سرًا لتُصدق، فهل يصبح التلصص فعلًا مبررًا؟ أم أنه، حتى وهو يسعى لتحقيق العدالة، يظل جزءًا من نفس الأزمة التي يحاول حلها؟ السؤال يبقى معلقًا، وربما هذه هي قوة العمل الحقيقية: أنه لا يطمئن المشاهد، لكن يورطه.
