صفحة حمادة هلال على فيسبوك
حمادة هلال في مشهد من مسلسل المداح، الجزء السادس، أسطورة النهاية، 23 فبراير 2026

عفاريت المداح.. 6 أجزاء من حكايات قبل النوم للكبار

منشور الخميس 26 شباط/فبراير 2026

لا يزال مسلسل المداح من بطولة حمادة هلال قادرًا على حجز مكان متقدم ضمن الأعلى مشاهدة في الموسم الرمضاني. العمل الدرامي الذي أُذيع الجزء الأول منه عام 2021 ها هو يختتم بجزئه السادس "أسطورة النهاية" الذي ضمن له استمرار النجاح، ما يضعنا أمام سؤال: لماذا لم تفقد قصص الأشباح والعفاريت قدرتها على الإبهار حتى مع تكرارها في 6 مواسم متتالية؟

للإجابة عن السؤال عُدتُ للجزء الأول من المسلسل الذي تستهل الحلقة الأولى بمشهد خارجي لمسجد إحدى قرى الفيوم شتاء 1989، حيث ينتبه المصلون إلى بكاء رضيع على باب المسجد، ويلتقطه الإمام الشيخ سلّام ويحمله إلى منزله لحين تسليمه إلى إحدى دور الأيتام في القاهرة ليضمن حصوله على الرعاية اللائقة، لكن حين يغفو الإمام في بيته يرى رؤيا تحمل بشارة بشأن الرضيع فيقرر الاحتفاظ به، ويسميه صابر.

الجن سيعرقل أي محاولة لاستخراج الكنز الذي يحرسه

سرعان ما تمر السنوات لنجد صابر معتليًا خشبة مسرح في حضرة صوفية يمدح النبي محمد بصوته الجميل، ثم نجده في صالة بيت يطرد جنيًا تَلَبَّس عروسًا في ليلة الزفاف، ثم بإلهام نوراني يعرف أن زوجة الأب هي من دبرت السحر، وبطريق الصدفة يكتشف أن الشيخ سلَّام يقتني كتب سحر، وأنه كان يفتح به المندل في صغره، أي يستخدمه وسيطًا في الاتصال بعالم الجن والأرواح ليرشده إلى الدفائن والكنوز، وسرعان ما يجد نفسه متورطًا في صراعات مع مشعوذين ومافيا آثار وتجار مخدرات ولاحقًا مع مردة الجن وزعماء قبائل وبنات إبليس.

 عروس قماشية تستخدم في السحر بمنطقة مشهد السبع بنات في القاهرة

اللبس والربط وتغفيل الحارس

في الحلقات الأولى من الجزء الأول يُجيب العمل من خلال أحداثه عن السؤال الذي نسأله حاليًا عن سر بقاء المسلسل صالحًا للاستهلاك الدرامي طوال هذه المدة، فنرى من يلجأون في صراعاتهم الأسرية إلى عالم السحر باعتباره منظومة بديلة للعقاب سريع المفعول، سرية ومأمونة العواقب في المجمل، فالتقاضي التقليدي يتضمن إعلان المتظلم عن هويته وتقديم مبررات قوية تعزز ادعاءه وإخطار المتهم رسميًا ومنحه فرصة الدفاع عن نفسه، وربما لاحقًا الارتداد على المتظلم بالشكوى والتعويض إذا فشل في إقناع المحكمة بقوة حجته وأحقيته في القصاص.

بينما في عالم السحر  لن يكون الساعي إلى الانتقام مضطرًا للتدليل على عدالة قضيته، فقط يحدد الشخص المقصود بالإيذاء، ويدفع للمشعوذ المقابل الذي يحدده وينتظر النتيجة دون خوف من كشف هويته.

يظهر كذلك الراغبون في الثراء السريع من خلال التنقيب غير الشرعي عن الآثار والكنوز، مع الاعتقاد بأن الدفائن الثمينة يحرسها الجن/الرصد، أي الجن المكلف بالترصد، وأن هذا الجن سيعرقل أي محاولة لاستخراج الكنز الذي يحرسه، ولا بد أولًا من إتمام صفقة مع هذا الحارس أو تغفيله ومحاربته وقهره، وجميعها أمور لا يجرؤ عليها إلا مبارك من السماء أو ساحر راسخ في العلم القديم.

ولا يغيب "الربط" الذي يتعرض له العرسان في ليلة زفافهم، أي الإصابة بالعجز الجنسي. أعرف شخصيًا في قرى الصعيد مشعوذين كان يقصدهم حتى وقت قريب المقبلون على الزواج للاستئذان في إقامة العرس، هذا الإذن يكون مشفوعًا بمبلغ مالي كلٌ حسب طاقته، مع وعد ضمني بالحفاظ على سلامة العريس من الربط.

في العادة تُتداول قصص الربط بالإشارة إلى القرد الأسود الكبير الذي يجلس عند حافة السرير ويصوّب ناظريه إلى العريس فتخور قواه وتفتر. أو الرجل الأسود العاري الملتصق في سقف غرفة النوم ويتدلى عضوه الذكري، فالمشعوذ يضرب بالربط العريس الذي لم يحصل على مباركته، أو يتولى حاسد أو حاقد أو شخص غير راضٍ عن الزيجة تكليف مشعوذ بأداء هذه المهمة.

في كتابه قلق السعي إلى المكانة، لا يعتبر الفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون الحسد مجرد "رذيلة" أخلاقية، إنما هو عاطفة معقدة ناتجة عن التحولات الاجتماعية الحديثة، وتنتشر بين الأنداد والأقران، فالشخص العادي لا يحسد ملكًا أو أميرًا أو رجلًا فاحش الثراء، لكنه يحسد ويحقد على أقرانه، لأنه يقول لنفسه نحن متساويان في الظروف والمهارات فلماذا تتألق أنت وتزدهر بينما أنا ما زلت مكاني.

فكرة قديمة بمعالجة أحدث

لا يعد المداح بأجزائه الستة العمل الدرامي الأول من نوعه الذي ركز على علاقة البشر بالجن، وسبق للفنان الراحل نور الشريف معالجة الفكرة في مسلسل خلف الله (2013)، يليه النجم أحمد السعدني في الكبريت الأحمر (2016) من جزأين.

فتحي عبد الوهاب في دور المارد سميح الجلاد/قزح، من الجزء الرابع لمسلسل المداح أسطورة العودة 2024

سبقت السينما الدراما بعشرات السنين، ومن أشهر معالجاتها الإنس والجن (1985) من بطولة عادل إمام ويسرا، والتعويذة (1987) من بطولة عزت العلايلي ويسرا، وعاد لينتقم (1989) من بطولة عزت العلايلي وإيمان سركسيان، والفيل الأزرق من إنتاج 2014 عن رواية للكاتب أحمد مراد بالاسم نفسه صدرت عام 2012.

أما الجديد في "المداح" فإنه يمزج معالجات ديستوبية للصراع بين الخير والشر، فعالم الظلام الذي يتوق لفتح بوابات عالم النور للولوج إليه والسيطرة عليه، هي فكرة غنوصية قديمة، عالجتها أفلام ومسلسلات عالمية كثيرة خاصة إنتاجات مارفيل مثل Thor في (2011) وR.I.P.D في (2013) وSuicide Squad في (2016) مع لمحات من دراكولا خاصة شخصية فتحي عبد الوهاب في الجزأين الرابع والسادس.

ليس التحديث البصري أو الدرامي فحسب هو السر وراء الصلاحية الممتدة للمداح، إذ تظل غواية الحكايات أحد أسباب استمرار العمل لستة أعوام؛ فمهما تقدم بنا العمر يبقى للحنين إلى الجلسات الليلية وحكايات العفاريت سحره الخاص.

كما أن الحكاية وبطلها مرسومان بملامح إنسانية لا أسطورية؛ فصابر ليس بطلًا خارقًا، بل يتعرض للهزيمة ويتورط في أخطاء، ربما هذا ما قرّبه من المشاهدين، ويعزّزه الرصيد الفني السابق لحمادة هلال؛ البطل العادي الذي يُهزم مرارًا ولا ينتصر إلا قليلًا، الرجل الذي يضل طريقه كثيرًا ثم يتذكر غايته فيعود إلى المسار الصحيح، ولو بعد حين. وحتى أعداؤه من عالم الجن والشياطين ظهروا بملامح طبيعية، في هيئة نساء جميلات، محققين بذلك قدرًا من الجذب والقرب النفسي والتقاطع مع العالم الحقيقي.

نائب العفاريت

بالتوازي، في العالم الحقيقي، تظهر من وقت لآخر حملات لتطهير المقابر من الأعمال والسحر. في أعوام 2015 و2016 و2018 و2021 وحتى 2025 تداولت مواقع إخبارية مقاطع فيديو وأخبارًا عن قرى من عدة محافظات يزعم سكانها نشوب حرائق غامضة في منازلهم متهمين الجن والعفاريت بالتسبب فيها، وفي إحدى هذه الحالات، في قرية برسيم بمحافظة قنا قبل 11 سنة، يستعين الكاتب الصحفي وعضو مجلس الشيوخ مصطفى بكري، بالنائب السابق بمجلس الشعب من محافظة المنيا علاء حسانين، الشهير بنائب الجن والعفاريت، ليحل المشكلة.

نحن أمام شبكة معقدة من أصحاب المصالح والمستفيدين من عالم الماورائيات

لقب "نائب الجن والعفاريت" يحيلنا إلى نميمة سياسية مفادها أن "حسانين" نجح في الانضمام لعضوية مجلس الشعب في فترة حكم الرئيس الراحل محمد حسني مبارك نتيجة إيمان الرئيس نفسه بقدراته الخارقة، لا سيما السيطرة على الجن، وإخماد الحرائق الغامضة.

لاحقًا وفي عام 2021 ستلقي الشرطة القبض على حسانين بتهمة الاتجار غير المشروع في الآثار، في قضية نالت قدرًا كبيرًا من الاهتمام الإعلامي نتيجة تورط عدة أسماء بارزة أخرى منها رجل الأعمال الشهير حسن راتب.

وتذهب التفسيرات الشعبية للحرائق الغامضة في القرى إلى أنها نتيجة للتنقيب العشوائي عن الآثار والدفائن التي يحرسها الجن، وأن الحرائق بمثابة تحذير أو إعلان غضب يلجأ إليه الجني حارس الكنز ليجبر المنقبين على التوقف.

إذًا نحن أمام شبكة معقدة من أصحاب المصالح والمستفيدين من عالم الماورائيات، فهناك علاقات اجتماعية فاسدة بحاجة لمن ينقذها أو يمعن في إفسادها، وهناك تدهور اقتصادي يدفع الناس للبحث عن مهرب سريع من وحل الحاجة والفقر بالبحث عن الكنوز المدفونة، وهناك شبكات من المحتالين الذين يدافعون عن فاعلية السحر والشعوذة في إنقاذ الزواج من الفشل، أو يدعون القدرة على إعادة الأعمال التجارية إلى الازدهار وتحصين الزبائن من عيون الحاسدين والحاقدين وشفاء أجسادهم التي أفسدها سحرة آخرون. 

على أي حال لم يعد الوصول إلى الدجالين والمشعوذين يتطلب الكثير من المغامرة، لأن جروبات العلاج الروحاني والمعالجين الذي يعرضون خدماتهم علنًا تملأ فيسبوك؛ بإمكان الزوج أو الزوجة إخضاع الشريك وسلب إرادته ورد المطلقة والتعجيل بزواج العانس أو التفريق بين الأزواج من خلال رسالة على واتساب أو ماسنجر وتحويل مالي على إنستاباي أو فودافون كاش.

بضمير مرتاح يمكننا القول إن هناك تطبيعًا متعمدًا مع عالم السحر والماورائيات، يكشف عنه بوضوح تعلق الجماهير بمسلسل المداح، إذ يفتح بابًا نهرب إليه لتبرير علاقاتنا الفاشلة وتدهور أعمالنا وفتورنا وتقلباتنا، كما يتيح لنا هذا التطبيع تفريغ طاقات الكره والحسد والرغبة في الإيذاء بطريقة سرية تضمن لنا أن نظل محتفظين بصورتنا المثالية الملائكية عن أنفسنا في العلن، مطلقين العنان لعفاريتنا وشياطيننا في السر.