تصميم أحمد بلال، المنصة، 2026
يحمل الموبايل أنواع جديدة من الإدمان لم يعرفها المجتمع من قبل.

القمار الإلكتروني.. اصطياد عابر للحدود

براثن شبكات المراهنات المُحكَمة على صحة المجتمع وثروته

منشور الخميس 8 كانون الثاني/يناير 2026

في ليلةٍ خريفيةٍ عام 2024، استلقى آدم على فراشه بعد عناء يوم عمل طويل في البنك، أمسك بموبايله ليتسلّى قليلًا قبل النوم بلعبةٍ استهوته في تطبيق مراهنات شهير وجد إعلانه على السوشيال ميديا؛ دفع 20 جنيهًا وجلس يراقب طائرةً صغيرةً تُحلِّق لدقائق ثم تنفجر، وتمنحه ربحًا. لكنْ يومًا تلو آخر تمددت دقائق التسلية هذه إلى ساعات، وأصبحت هذه اللعبة البسيطة عالمًا موازيًا يطارد فيه المصرفيُّ البالغ من العمر 29 عامًا لحظاتٍ نادرةً من المكسب؛ يحاول بها تعويض خسائر تتضاعف يوميًا.(*)

في هذه اللعبة، يضع اللاعبون مبلغَ الرهان وطالما ظلَّت الطائرة تحلِّق فإن أموالهم تزداد وتتضاعف، وحين تنفجر الطائرة يحتفظ من انسحبوا من الرهان قبل انفجارها بمكاسبهم، ويخسر من استمروا المبلغَ الذي وضعوه في البداية. لا يمكن توقع خوارزمية اللعبة لاستنتاج مدة تحليق الطائرة، ما يجعل كل جولةٍ أقربَ لسباقٍ مع الوقت، تزداد فيه مشاعر الترقّب وضخُّ الأدرينالين، وتخلق وهمًا بأن الربح محتملٌ دائمًا والخسارة مجرد "سوء حظ مؤقت".

تطبيق 1xbet الذي برز على نطاق واسع خلال العامين الأخيرين، رغم حظره رسميًا في مصر عام 2024، يضم أكثر من 30 لعبةَ مراهنات، من بينها الطائرةُ الأكثر إغواءً، فصعودها يمنح اللاعب إحساسًا بالسيطرة؛ كأن القرار والأمر بيده، كما يقول مالك الذي أدمن اللعبة لخمسة أشهر عام 2024، واستسلم لإغواءِ مراقبة تحليق الطائرة، متأرجحًا بين الاستمرار لمزيد من المكاسب أم الانسحاب قبيل الانفجار؛ "لازم أنسحب قبل ما الطيارة تقع علشان أكسب، لكن كل ما اتأخرت في الانسحاب هكسب أكتر".(*)

بدأ إدمان موظف المبيعات ذو الـ24 عامًا بوقتٍ قليل كل يوم، ومثله مثل آدم سرعان ما وجد نفسه في رمالٍ متحركةٍ كلما حاول الخروج غرق أكثر. دورة مغلقة من المحاولات المستمرة لتعويض خسائر اللعب، ليكتشف في النهاية أن "اللعبة الأبسط" كانت في الواقع "الفخ الأخطر"، كمل يقول لـ المنصة.

كيف تتحرك الأموال؟

بجوار منزل آدم، في حلوان بجنوب القاهرة، يوجد ميني ماركت يعلَّق لافتةً مكتوبٌ عليها "شحن وتحويل رصيد فون وألعاب"؛ مع بداية تعرفه على هذا العالم، سأل صاحب الكُشك "حضرتك بتشحن ألعاب؟ قال آه، فسألته على اللعبة بتاعتي. سكت ثواني وسألني عايز تحول كام؟ قلتله 300 جنيه، فمسك تليفونه وبدأ يكتب كأنه بيبعت رسالة لحد تاني، وبعدين أخد مني 320 جنيه وبعد دقيقتين قال لي التحويل تم"، وبالفعل وجد آدم في رصيده باللعبة 276 جنيهًا، أنفقها عشرينًا تلو أخرى.

مع تورّط آدم في اللعب، ارتفعت رهاناته تدريجيًا حتى بلغت ألفي جنيه في المحاولة الواحدة. وفي كل مرة كان يذهب إلى الميني ماركت بمبالغ تتضاعف مع الوقت لإرسالها إلى صاحب الرقم المجهول، الذي يُحوِّلها بطريقة ما إلى رصيدٍ في لعبة محظورة، مقابل عمولة تزيد من أرباحه كلما ازدادت شراهة اللاعبين.

لم يتساءل آدم عن الرحلة التي تقطعها أمواله منذ خروجها من محفظته حتى تستقر رصيدًا في حسابه باللعبة؛ لكنَّ كريمَ فعل.(*)

في صيف 2023، دخل الموظف الحكومي البالغ من العمر 34 سنةً رهانه الأول بـ50 جنيهًا تضاعفت خلال ساعات إلى 1200. لعب أسبوعًا حقق فيه مكاسب كبيرة ومُني بخسائر أقل، ثم طلب من صديقه الذي رشَّح له اللعبة، وكان مسؤولًا عن تحويل مكاسبه في اللعبة إلى أموال نقدية، الانضمام إلى فريق الوسطاء.

"كنت شايف إن المكسب في الوساطة أقل من اللعب ومحتاج تواصل دائم مرهق مع العملا، لكن ميزته إنه مكسب مضمون، خصوصًا لما شفت عملا كتير بيخسروا فلوسهم وبييجوا لي أشحن لهم كل يوم أو بيشتكوا من ضياع رصيدهم، وساعتها كنت بابلغ صديقي وهو بيتصرف معاهم"، يقول كريم لـ المنصة.

في البداية، كان كريم وسيطًا قليل الأهمية؛ يستقبل النقود على محفظته الإلكترونية ويعيد تحويلها إلى محفظة وسيط آخر مستقطعًا منها عمولته 5%. ظل على هذا النحو ثلاثة أشهر حقق خلالها مكاسب وصلت إلى 40 ألف جنيه، حيث تداول نحو مليون جنيه، إلى أن اتصل به الوسيط وطلب لقاءه "نزلت جري أشوف حصل إيه، لقيته بيعرض عليا أمسك مكانه واكسب 10% على كل تحويل! طبعًا مكدّبتش خبر".

قضى كريم نحو أسبوع يتعلّم كيفية شراء العملات الرقمية المشفرّة USDT في الدارك وِب للحيلولة دون تتبع بياناته، ثم إعادة إرسالها للتطبيق عبر حسابات تدعم تحويلات العملات المشفرة في نظام "موبي كاش"، وهو مصطلح غير رسمي متداول بين شبكات الوسطاء عن استخدام المحافظ الإلكترونية والعملات الرقمية لتحويل الأموال إلى منصات المراهنات المحظورة بعيدًا عن النظام المصرفي التقليدي.

وUSDT هي عملةٌ رقميةٌ مستقرةٌ، تُستخدم وسيطًا رئيسيًّا للتداول والتحويل في سوق العملات المشفّرة، أطلقتها شركة Tether لمحاكاة الدولار الأمريكي رقميًا، ويعادل كل رمز منها نحو دولار واحد. وهي مُستخدمة على نطاق واسع في التداولات الرقمية وتحويلات الأموال خارج النظام المصرفي التقليدي.

أما Tether Limited، فهي شركة تأسست عام 2014 في جزر العذراء البريطانية ثم هونج كونج، قبل أن تعلن في السنوات الأخيرة عن مقرٍّ لها في السلفادور.

بعد تدريبه، أتقن كريم دوره، "وصّلني صديقي بزملاء في نفس المجال. كنا تلاتة في البداية، ومع الوقت بقينا ستة وأوقات نزلنا تاني لأربعة أو خمسة، لما حد بيقرر يوقف". توزعت الأدوار على أفراد الفريق، واحدٌ يستقبل مكالمات العملاء ويُحوّلها مُحصلًا عمولة 10%، وآخر يُحوِّل أرباح الفائزين مستقطعًا نسبة تبلغ في المتوسط 20% لكن تزيد أحيانًا إلى 50%.

كريم، كان دوره الأساسي "تحويل الأموال اللي بيجمعها الفريق لعملات مُشفَّرة، وبعدين تحويلها للتطبيق بره مصر، بعمولة 10%. وده اللي كان بيعمله صديقي قبل ما يسيب الشغلانة". كان الدور مناسبًا لكريم، يشتري الـUSDT عبر وسطاء يملكون حسابات في منصات لتداول تلك العملة عالميًا مقابل حصولهم على نسبة، وبعد الاستلام "بنحولها لحسابات اللعبة، كل مجموعة مستخدمين ليهم حساب لوحدهم، وكمان حساب كل لاعب بيتغير كل فترة، علشان يصعّبوا عمليات التتبع".

يقول "كنت باتفق مع العميل على تحويل مبلغ إضافي، 10% عمولة ثابتة غير النسبة العادية"، كما كان يستفيد من خدمة الإيداع السريع التي توفر عمولةً متغيرةً؛ إذ ترتفع حسب الوضع الاقتصادي للعميل ومدى استعجاله على إعادة شحن رصيده، "أحيانًا كنت باطلب 15 أو 20% زيادة لو العميل مستعجل، والناس كانت بتدفع من غير ما تفاصل".

عادةً، تستقر الأموال التي يُحولها المستخدمون مباشرة في حساباتهم، كما كان يحدث مع آدم ومالك، لكنَّ مجموعة كريم كانت أحيانًا تُماطل في التحويل لتحصيل العمولة الإضافية. 

تواصلت المنصة مع أربعة أشخاص يروجون لأنفسهم على فيسبوك باعتبارهم وكلاء معتمدين لشحن عدد من ألعاب المراهنات، أجمعوا على إمكانية تحويل الأموال إلى رصيد في أيّ لعبة خلال أقل من 10 دقائق، وذكر ثلاثة منهم أنهم لن يستقطعوا أي عمولات، فيما طلب الرابع 8%.

وأرسل أحد الوسطاء الأربعة لـ المنصة سكرين شوت لعملية تحويل مالي وصلت إلى حسابه على منظومة تسمى TeamCash، أظهر البحث العكسي عن الصورة أنها تعود لموقع إلكتروني بالاسم نفسه يتيح خدمات التحويل بين الحسابات المالية المختلفة إلكترونيًا، ويدير صفحته الموثقة على فيسبوك ثلاثة أشخاص موجودون في صربيا.

يتيح TeamCash لوكلاء ألعاب المراهنات استقبال أموال اللاعبين وإيداعها في حساباتهم، بجانب عمليات سحب الرصيد من تلك المنصات وتحويله إلى أموال، ويرصد عمولات متفاوتة تذهب لصالح الوكلاء مقابل كل معاملة، تتراوح بين 3 إلى 10% على الإيداعات و2% على السحوبات. ويعمل الموقع في 102 دولة ويضم 17 ألف وكيل حول العالم.

الفخ المزدوج

في الأشهر الماضية، اجتاح تطبيقُ مراهناتٍ جديدٌ مملوكٌ لشركة تركية تسمى Joker Game سوقَ المراهنات المحلية والعربية والدولية، بعدما نجح في استقطاب أكثر من 5 ملايين مستخدم في 100 يوم فقط، في واحدة من أسرع موجات انتشار تطبيقات القمار الإلكتروني، حسب البيانات التي راجعتها المنصة على متجر جوجل.(**)

اعتمد التطبيق على توليد شعور بالإثارة وإمكانية الربح السريع، مستندًا إلى واجهة مبهرة وحملات ترويجية مكثفة تستهدف الفئات الأصغر سنًا على السوشيال ميديا، خاصة وأن إعلان التطبيق على متجر جوجل يوضح أنه مناسب للأطفال الذين تزيد أعمارهم عن ثلاث سنوات، رغم أنهم غير مؤهلين قانونًا لإنفاق نقود في لعبة، ولا للموافقة على سياسة الخصوصية التي يُقر كل مستخدم بالموافقة عليها، وتتضمن السماح للتطبيق بجمع وتخزين ونقل ومشاركة بيانات المستخدم الشخصية مع أطراف ثالثة غير محددة الهوية.

تشمل البيانات التي يحتفظ بها التطبيق "معلومات الجهاز ومعرّفات الهاتف وعنوان الـIP وسلوك اللاعب داخل اللعبة وأنماط استخدامه"، بل ويحتفظ بحق "دمج هذه البيانات" مع معلومات يحصل عليها من شركاء آخرين، لا يوضح هوياتهم أو أغراض الاستخدام.

حسب السياسة، يحتفظ التطبيق بحق نقل بيانات المستخدم إلى أي دولة يوجد فيها مطورو التطبيق أو البنى التحتية الخاصة به، بالتالي قد تخضع بيانات المستخدم لقوانين دول ومناطق أخرى لا توفر أي حماية حقيقية. كما تتنصل السياسة نفسها صراحةً من ضمان حماية البيانات، في إقرارٍ مباشرٍ بأن المستخدم يتحمل المخاطر وحده.

هذه البنود تجعل التطبيق أشبه بـ"الفخ المزدوج" بين المراهنة المالية من جهة، واستغلال البيانات من جهة أخرى، بحسب توصيف خبير أمن المعلومات الدكتور وليد حجاج، لـ المنصة فالمستخدم الذي يخسر أمواله داخل اللعبة يخسر أيضًا خصوصيته، وتصبح معلوماته متوفرة لكيانات تسويقية أخرى تُعيد استهدافه بإعلانات مراهنات أكثر عدوانية، بناءً على نقاط ضعفه وسلوك إنفاقه داخل اللعبة الأولى، و"بهذا الشكل يتحول التطبيق من مجرد منصة مراهنة إلى أداة مراقبة رقمية تجمع معلومات يمكن استخدامها لدفع اللاعب نحو المزيد من الإدمان، بينما تهدد أمنه الرقمي، أو تعرض بياناته للمتاجرة عبر أطراف ثالثة غير خاضعة لأي رقابة".

ومن واقع خبرته في العمل على قضايا مشابهة، يؤكد اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات، في حديثه لـ المنصة أن "كثيرًا من تطبيقات المراهنات والاحتيال الرقمي مُصممة ومُدارة بواسطة مجموعات وعصابات دولية خارج مصر، وبتعتمد على وسطاء محليين" يُسهّلون تحريك الأموال لصالح جهات في الخارج، ويتم ضبط بعض من هؤلاء الوسطاء عبر تتبع المحافظ الإلكترونية وحركة الأموال المشبوهة بينهم.

في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ألقت هيئة الرقابة الإدارية بالاشتراك مع قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، القبض على تشكيل عصابي منظم في عدة محافظات تخصص في استخدام محافظ مالية في مراهنات غير مشروعة، وتيسير سبل الدفع بشكل إلكتروني وإضعاف فرص تعقب المعاملات المالية الخاصة بالمراهنين، من خلال استخدام محافظ بأسماء وهمية وعملات مشفرة، يتم تحويلها في صورة عملات أجنبية.

يشير المسؤول الأمني السابق إلى أن عدم خضوع المعاملات المالية التي تجري عبر المحافظ الإلكترونية الخاصة بشركات الاتصالات لنفس القيود البنكية يمثل ثغرةً كبيرةً تستغلها الشبكات الإجرامية، كما يضاعف تحويل الأموال إلى عملات مشفرة قبل إرسالها إلى حسابات التطبيق في الخارج من صعوبة التتبع "لأنها عملة غير رسمية وغير قابلة للاسترداد أو التتبع بسهولة".

خط النهايات السيئة

ورث آدم 1.3 مليون جنيه عن أبيه، وكان يُدَّخر نحو ربع مليون جنيه من سنوات عمله، أهدرها كلها على اللعبة، مُضافًا إليها مليون آخر استدانه من عائلته وأصدقاء طفولته وصولًا إلى زملائه في العمل، بينما كانت زوجته هي من تتحمل مصروفات البيت شهرًا تلو آخر "أهملت ابني، ومابقيتش مهتم أسعد شريكة حياتي، مكنتش شايف غير الطيارة".

تضررت سمعة الشاب إلى أن هدده بعض الدائنين بالملاحقة القضائية، فحملت زوجته طفلهما وذهبت إلى منزل أهلها بعدما ضاقت عليها الدنيا، بالأخص عندما ذهب عدد من الدائنين إلى عمه مطالبين بأموالهم.

"لقيت عمي بيخبط على باب البيت ودخل بيسألني إيه اللي حصل، وبعد محاولات إنكار بدأ يتعصب وحلف انه مش هينزل من البيت إلا بعد ما أحكيله كل حاجة. بعد ما حكيتله طلع عارف كل حاجة من الدائنين وخد مني الموبايل ومفاتيح البيت واداني موبايل صغير مفيهوش نت"؛ حاول العم إنقاذ ابن شقيقه من الكارثة التي حلت على رأسه.

"جاب أكل كتير وفضل بايت معايا 5 أيام، بيناوب عليا هو وابنه، ومسابونيش لحظة لوحدي. كلمني عن بيتي اللي اتدمر ووعدني اني لو بطلت لعب هيرجعلي مراتي ويساعدني في إنهاء ديوني"؛ وهذ ما حدث بالفعل حيث أعاد إلى زملائه أموالهم وسدد وصولات الأمانة.

نجا آدم أخيرًا من إدمانه وعاد إلى حياته وأسرته الصغيرة، وكذلك فعل مالك الذي طرده والده من البيت بعدما تسبب في كوارث، والفضل يعود إلى الأم "قلبت عليا الدنيا لما أبويا طردني من البيت، وكلمت كل أصحابي لحد ما وصلتلي بعد يومين من خلال واحد منهم وأقنعتني أرجع".

حبس الأب مالك في البيت لمدة أسبوعين وسحب منه "أي وسيلة تواصل مع العالم"، لكن ذلك لم يساعده في التعافي "أول ما كان والدي بيروح شغله كنت باخد موبايل والدتي وألعب منه، بس لما خلصت الرصيد المجاني اللي باخده في أول اللعب اللي كان حوالي 200 جنيه مبقتش عارف أشحن وأكمل". بعدها ساعدته والدته على التعامل مع أعراض الانسحاب حتى تبددت.

لكن إذا كان آدم ومالك نجحا في التعافي والتخلص من ذلك الإدمان، فإن الآلاف غيرهما ما زالوا ضحايا يوميّين لهذه الألعاب. ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية توثق عدد المتورطين في فخ المقامرة، فإن بيانات MedSPAD تؤكد تفشي الظاهرة في مصر بين الطلاب بالذات، إذ تشير نتائج التقرير الإقليمي الخامس لها إلى أن حوالي 16.5% من الطلاب أقروا بمشاركتهم في ألعاب مقامرة أو مراهنات عامة خلال العام السابق، بينما بلغت نسبة أولئك الذين قامروا عبر الإنترنت 11.7%.

في تصريحات تليفزيونية أدلى بها في سبتمبر/أيلول 2024، ذكر اللواء الرشيدي أن هناك 4.5 مليون مصري من مختلف المراحل العمرية، نحو 90% منهم من الشباب، ينخرطون في ألعاب القمار.

لكنَّ الباحثة شيماء عبد الصبور، مدرس مساعد القانون الجنائي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، توضح لـ المنصة أن أخطر ما وثقته خلال عملها الميداني على دراسة تطبيقية حول المراهنات الإلكترونية لم تُنشر بعد، أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على المراهقين والشباب كما كان يُعتقد، بل امتدت إلى بالغين من فئات عمرية مختلفة.

تشرح أن هذه التطبيقات تنتشر غالبًا عن طريق التحايل، مثل تجنب استخدام كلمة "مراهنات" واستبدالها بعبارات جذابة مثل "اربح الآن" و"اكسب الآن"، إلى جانب منح أول رصيد مجانًا، مستهدفة إغراء المستخدمين وإضفاء مظهر شرعي على نشاط محظور.

تشير الباحثة كذلك إلى أن دراسة المركز الحكومي البحثي التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، التي وصلت مراحلها النهائية، توثق "قصصًا صادمة"، من بينها انتحار طالب جامعي استنزف 400 ألف جنيه من بطاقة والده الائتمانية.

ووفقًا لبيانات جمعتها المنصة من أخبار الحوادث المنشورة في موقعي اليوم السابع ومصراوي بين سبتمبر 2024 ويوليو/تموز 2025، وقعت 12 جريمة وجنحة بسبب المراهنات؛ تتضمن خمس جنح سرقة وأربع جنح نصب وثلاث جرائم قتل، كما تسببت في حالات انتحار وطلاق وتغيّب عن المنزل.

ترى شيماء عبد الصبور أن غياب إطار قانوني ينظم الظاهرة يفاقم المشكلة، فبخلاف قرار حظر مواقع وتطبيقات القمار "لا يوجد قانون واضح يضبط هذه التطبيقات، ولا رقابة على الإعلانات الرياضية أو الكروية التي تروّج لها باعتبارها منصات ربح سريع"، لافتة إلى أن بعض التطبيقات تستغل تراخيص أنشطة أخرى للحصول على غطاء زائف يوهم المستخدمين بأنها مرخّصة من جهات رسمية.

أسرع من القانون

يقدّم وليد حجاج تفسيرًا تقنيًا لوصول منصات القمار الإلكتروني إلى المستخدمين رغم الحظر القانوني والرقابة، وذلك باعتمادها على تطبيقات خارج المتجر الرسمي لجوجل أو أبل، أو باستخدام أسماء نطاقات متغيرة باستمرار.

"بالشكل ده إذا حُجب موقع يظهر آخر باسم جديد ولكن بنفس المحتوى"، يلفت وليد إلى أنه غالبًا ما تُستضاف هذه المواقع على خوادم في دول متعددة ما يصعّب السيطرة عليها. ويشير الخبير التقني إلى أنه كثيرًا ما يُروّج لهذه التطبيقات في المجموعات المغلقة على السوشيال ميديا، خاصة تليجرام، أو عبر رسائل مباشرة تصل للمستخدمين تتضمن رابط تحميل ومعه أحيانًا تعليمات لاستخدام أدوات تجاوز الحجب مثل VPN. بهذه الطريقة، لا يحتاج المستخدم للبحث عن اللعبة؛ لأنها تصل إليه مباشرة عبر مساحات يثق بها.

ويحذر حجاج من أن القمار الإلكتروني منظومة معقدة تجمع بين الاستغلال النفسي والمخاطر التقنية والقانونية والمالية؛ "أي موقع يعد المستخدم بربح سريع بلا مجهود غالبًا يفتح الباب أمام خسارة المال والبيانات والاستقرار النفسي في الوقت نفسه".

وباء صامت

"لم يعد الأمر يتطلب تذكرة سفر أو ارتداء بدلة للدخول إلى صالات القمار، ففي عصرنا الرقمي تحول الكازينو من مكان مادي معزول إلى تطبيق صغير يرافق المستخدمين في جيوبهم"، تقول استشارية علم النفس الرقمي دكتورة نيفين حسني لـ المنصة أن التقدم التكنولوجي فتح الباب واسعًا أمام أزمات نفسية واجتماعية تعصف بالأفراد والأسر في صمت.

تشير مستشارة علم النفس السلوكي الحاصلة على زمالة الكلية الملكية البريطانية إلى أن هذه الشركات والتطبيقات تلاحق المستخدم عبر إعلانات موجهة تعتمد على بياناته الشخصية، وتغريه بمكافآت التسجيل والعروض القصيرة التي تعزز وهم "الربح القريب".

وتؤكد أن الخطر يتفاقم مع تلاشي الحدود بين اللعب والترفيه من جهة، والقمار من جهة أخرى، إذ تظهر الإعلانات كجزء من المحتوى الترفيهي على السوشيال ميديا، ما يسهل الاستدراج الشباب، كما يعتمد تصميم هذه التطبيقات على السرعة والإشعارات المستمرة، وهي آليات تعزز الإدمان وتجعل التوقف أمرًا شديد الصعوبة.

من جانبها، تربط أستاذة العلوم السياسية بمركز البحوث الاجتماعية الدكتورة رويدا رومان، انتشار المراهنات الإلكترونية في مصر بالتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع، وتُلقي بجزء من المشكلة على عاتق "الفجوة الرقمية بين شرائح المجتمع"، لكنها تُحذّر، في حديثها مع المنصة، من المبالغة في اختزال الظاهرة في عامل واحد، مؤكدة أن الدوافع متعددة ومعقدة، وتحتاج لمزيد من التأمل والدراسة.

مواجهة الطوفان

بعد سنة كاملة من التورط في فخ المراهنات، واجه كريم ناقوس الخطر الأول عندما أخبره صديقه الذي أدخله إلى هذا العالم أنه سيغادر مصر إلى إحدى الدول العربية دون إبداء أي أسباب مقنعة. "بعدها بـ3 أيام كلمني على تليجرام قال لي إن زميله اتقبض عليه وبيتحقق معاه دلوقتي بسبب اللعبة".

"اترعبت وبدأت أكلم كل أفراد المجموعة على جروب تليجرام عشان أطمن إن محدش فيهم اتقبض عليه، لقيتهم شغالين عادي"، وخلال تلك الفترة، توقف عن استقبال مكالمات العملاء.

لكن ما حدث بعدها بعشرين يومًا لم يكن في الحسبان؛ اكتشف أن أخاه الأصغر البالغ من العمر 15 سنة سرق قطعة ذهبية من مصوغات والدتهما لتحويل قيمتها إلى لعبة مراهنات، ما جعله يشعر "بذنب بيتقّل صدري". بسبب هذه الصدمة "قررت التوبة، وبعدت. حاولت أصلح اللي ينفع يتصلح. اتبرعت بكل اللي كسبته من اللعبة، مليون و250 ألف جنيه لمؤسسة خيرية، وبدأت مع أخويا رحلة علاجه من الإدمان".

هذه الذروة الدرامية التي واجهها الموظف الحكومي قلما تتكرر، ولا يمكن التعويل عليها لمواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة. ويشدد اللواء الرشيدي على أن المواجهة الفاعلة تبدأ ببرفع وعي الشباب بالاستخدام الآمن للإنترنت، وهو ما يتطلب تعاونًا بين أجهزة حكومية مختلفة. "المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي، المواجهة محتاجة تعاون من وزارة الاتصالات في الرصد والحجب، ووزارة الداخلية في ضبط الوسطاء، والأهم تعاون دولي واسع لضبط المتورطين بالخارج".

تتفق شيماء عبد الصبور مع أهمية التنسيق المشترك بين الاتصالات والداخلية، لكنها تضيف إليه دورًا للبنك المركزي في رصد وتتبع التحويلات المشبوهة، وأهمية تنظيم حملات توعية مجتمعية واسعة تسلّط الضوء على مخاطر المراهنات النفسية والمالية، وتقدم المساعدة لضحاياها.

وتدعو نيفين حسني إلى النظر للمراهنات باعتبارها قضية صحة عامة لا بد من تضافر جهود الدولة والمجتمع لعلاج ضحاياها وتقديم المساعدة اللازمة لهم، مع وضع برامج لحماية الأطفال وغيرهم من الفئات الأكثر تعرضًا للخطر، مؤكدة على أن التعافي من ألعاب المراهنات ممكن رغم قتامة المشهد، وذلك عبر برامج علاجية فعالة تبدأ بالاعتراف بوجود مشكلة وإجراء تقييم نفسي ومالي شامل، ثم خوض رحلة علاج سلوكي معرفي.

التجربة الأسترالية

في أغسطس/آب 2023، أطلقت الحكومة الأسترالية مبادرة BetStop، وهو سجل وطني للاستبعاد الذاتي من المراهنات الإلكترونية، يوفر للأستراليين البالغين فرصة حظر أنفسهم من الوصول إلى جميع خدمات المراهنة المرخصة بشكلٍ مؤقتٍ أو دائم، بعد عملية تسجيل تستغرق حوالي خمس دقائق فقط، مع إمكانية إشراك أفراد العائلة أو الأصدقاء لدعم الشخص في رحلته.

يُلزِم انضمامُ أي شخص للمبادرة مزودي خدمات المراهنات بإغلاق حساباته لديها وعدم السماح له بفتح غيرها، وإعادة رصيده غير المستخدم، وبالامتناع عن استهدافه بأي إعلانات. وتتيح المبادرة للمستخدمين اختيار مدة الاستبعاد ابتداءً من ثلاثة أشهر وانتهاءً بمدى الحياة. يمكن للمستخدم بعد نهاية الفترة المؤقتة تمديدها أو لا، لكن لا يمكن تقليص المدة التي تم اختيارها بالفعل دون إجراءات رسمية واستشارة مختص.

تمكنت المبادرة من جذب نحو 45 ألف شخص خلال أقل من عامين، تحديدًا في الفترة بين أغسطس 2023 ونهاية يونيو/حزيران 2025، طلب 39% منهم استبعاده من المراهنات مدى الحياة.

مواجهة هذا الطوفان الرقمي تتطلب أولًا الاعتراف بتفاقمه، ثم محاولة فهم آليات عمله، ورصد حجم انتشاره وأنماطه ومعدلات تسارعه وقياس أثره، ليس فقط على الفرد وإنما المجتمع أيضًا. يستحق آدم، ومالك، وحتى كريم، وعشرات الآلاف غيرهم، الدعم من مجتمعهم أثناء خوضهم رحلة التعافي الطويلة من إدمان القمار. أما مجتمعهم، فيستحق من دولته تقديم أدوات المعرفة ثم مواجهة هذه الجريمة المنظمة والحماية من أثرها، الذي يهدد أمن المجتمع وسلامته.


(*) أسماء مستعارة بناء على طلب المصادر

(**) وثّقت المنصة المعلومات الواردة في تطبيقات المراهانات على متجر جوجل، لكنها تتحفظ على نشر روابطها