تصميم أحمد بلال، المنصة، 2024
التعليم في مصر

رسالة إلى تلميذتي ريم.. عن الـAI والتاريخ وأشياء أخرى

منشور الأحد 11 كانون الثاني/يناير 2026

عزيزتي ريم،

بدايةً، أودُّ شكرَكِ على مشاركتك رأيك بشجاعة في الفصل يومها. كعادتي، أعطيتكم؛ تلاميذ صفي الثانوي، ورقةً بها أسئلة منتقاة تناقش مقاطع مختلفة من فيلم وثائقي يسرد تطور وباء الطاعون في أوروبا؛ كل سؤال مُلحَق به التوقيت الدقيق للمقطع حتى يتسنى لكم الإجابة عن الأسئلة حتى وإن فوتم بعضها سهوًا. حينها لمحتُكِ، وأنتِ من أفضل وأذكى تلاميذي، تخبئين الـiPhone خاصتك تحت الكُرّاس، وهو ما يعد انتهاكًا صريحًا للسياسة التي اتفقتُ عليها معكم في بداية العام والتي تضمنت منع الاستعانة بالموبايل أثناء الحصة إلا بتوجيه مباشر مني.

 فانقضضتُ عليه فجأةً بسرعة أخافتك، وهي مهارة يكتسبها معشر المدرسين مع الزمن، لأجد تطبيق ChatGPT مفتوحًا وعليه صورة من ورقة الحل، معطيًا إجابات تفصيلية لكل الأسئلة.

وطبعًا بسرعة بديهتك المعهودة، وبدون إعطائي أي فرصة للتعليق، هممتِ أنتِ بالهجوم قاصدةً تجنب وضع نفسك في موقف دفاعي. وبسخرية ثقيلة الظل مملوءة بالغضب قلتِ "ما هو يا ميستر بصراحة إحنا بنضيع وقت. ليه أقعد أسمع وكل الأسئلة إجاباتها موجودة! ما أنا ممكن أسأل GPT وخلاص". 

انتَابَني الصمت التام.

في وجه الحقيقة

كان صمتًا نابعًا من مزيج بين الذهول والامتعاض لردٍّ مفاجئ أفحمني. جزء من امتعاضي كان مربوطًا بتحديك المباشر لسلطتي أمام الطلبة ما يستلزم اتخاذي إجراءً تربويًا صارمًا يوضح عواقب فعلتك لأقرانك. لكن الجزء الأكبر كان لمعرفتي في قرارة نفسي أنكِ على حق. فبالرغم من حضور الرد النموذجي في ذهني، فإنني لم أجد لكِ إجابةً نزيهةً، خاصةً أنني كنت الوحيد في تلك الغرفة الذي على علم بأن التطبيق نفسه هو الذي صاغ تلك الأسئلة قبل الحصة بيومين.

منذ تلك الواقعة، امتصّتني دوّامةٌ من الأفكار والتساؤلات الوجودية عن اختياراتي المهنية وجدواها في عالم يتغير أسرع من قدرتنا على استيعابه.

فبينما أمضيتُ ثلاث حصص أحاول خلق تجربة تعليمية تدفعكِ لتشريح تأثير الوباء على البنية الاجتماعية لأوروبا، حتى وإن ساعدني ChatGPT كرفيق في صياغة الأسئلة، فبضغطة زر تستطيعين سؤال الذكاء الاصطناعي عن مؤثرات وباء الطاعون على البنية الاجتماعية في أوروبا، وسيعطيكِ الإجابة، أو تحليلًا دقيقًا للمؤثرات إذ أظهر الوباء تأثير الفروقات الطبقية العميقة على نسب الوفاة، وأدى في نهاية المطاف إلى سخط الجموع تجاه النظام الإقطاعي وزرع بذرة الثورة الصناعية وصعود الديمقراطية البرجوازية في أوروبا.

التطور التكنولوجي يطرح أرضًا أي تصورات مسبقة صاغت القصة التي تبنيتها لامتهاني التدريس. وهي برمتها مبنيةٌ على فلسفة تتجنب تحويل الطلبة إلى أوعية فارغة يتم تعبئتها بالمعلومات، بحيث أيسِّر فهم المعلومة وأعمل على دمجها مع غيرها لتتحول إلى معرفة بالإمكان استحضارها في تحليل ورؤية العالم. فلسفة تتماشى في لبّها مع خطى برتراند رسل والغزالي وابن عربي ومَن قبلهم لتفريقهم بين المعلومة والمعرفة والحكمة.

تمحورت القصة حول الإيمان بأن المعرفة هي المدخل الأول لبناء القدرة على تحليل المعلومات وربطها ببعضها، وصولًا إلى مستوى أعمق من الوعي. واعتبرت أن مهارة البحث عن المعلومة، وطرح الأسئلة الصحيحة قبل السعي إلى إجابات جاهزة، الطريقُ الحقيقيُّ لاستخلاص المعرفة؛ معرفة قد تفضي إلى وعي قادر على تخيّل واقع مغاير لما نعيشه، وربما تقود، في لحظة ما، إلى حكمة اختيار الفعل وتقييم نتائجه.

البحث عن قصة

ما الهدف من التعليم إذن إن كان الحصول على المعلومة في سهولة التنفس؟ وإن كانت المعرفة قيد أطراف أناملنا، فماذا يبقى لنا كمدرسين ومدرسات؟ هل انتهى دورنا في الفصل؟

شكرًا لإرغامي على التفكير بعمق في إجابة سؤال كنت أتجنبه. فبدونك ما كنت لأجدد الثقة في مهنةٍ يدّعي الجميع أنها على شفا الانقراض. ما يستدعي إعادة النظر في المُبتغى من ورائها. أمضيت وقتي أتساءل إن كان الحل هو إعطاءكِ الأسئلة مسبقًا. ومن ثم أدركت أن السيناريو المثالي كان وصولكِ إلى تلك الأسئلة وحدكِ. فالأسئلة التي طلبتُ من الذكاء الاصطناعي صياغتها كان من الممكن أن تسأليها له أنتِ مباشرة. وحينها ستصبح تلك الأسئلة، النابعة من تفكيركِ أنتِ وأقرانكِ، خير مفتاح لرحلة تعلّم عميقة.

شتّان الفارق بين وصولكِ إلى تلك المعادلة وحدكِ من خلال أسئلتكِ أنتِ، وتلقينكِ تلك الأسئلة.

أعتقد أن الحل يكمن في إعادة النظر في طرقنا لطرح التجربة التعليمية ونقلها من واحدة تتمحور حول تلقين المعلومة أو حتى إيجادها إلى واحدة مدفوعة بطرح الأسئلة. الصحيحة منها فقط هي التي تستطيع تأجيج القدرة على رؤية الواقع بعين نقدية.

الذكاء الاصطناعي يدفعنا فعلًا إلى إعادة التفكير في الأعمدة الأساسية التي تُخرّج طلابًا قادرين على طرح مثل هذه الأسئلة. ففي زمن فيض المعلومات وتراكمها، يصبح الهدف من التعليم تنمية التفكير المنظَّم والمهارات التحليلية، ليفتح باب القدرة على التجريد ورؤية العلاقات بين الأشياء، ومن ثم يصبح الذكاء الاصطناعي رفيقًا للتعلُّم.

تجارب تعليمية

تكمن المشكلة في أن أنظمة التعليم العالمية ما زالت حتى هذه اللحظة مفصّلةً لتُخرّج للعالم متخصصين في مجالاتهم. فبينما التخصص محمود ومهم، فإن التغير السريع في عالمنا يفرض اندثار دور التخصص، فما زلنا ندرس الفيزياء والتاريخ موادَ منفصلةً، لأننا ما زلنا نفترض أن التخصص هو السبيل للحصول على وظيفة، بينما الواقع والتاريخ أثبتا أن التعلم لا يحدث في إطار ومحدودية "التخصص" المزعوم.

لذلك نجد دولًا مثل فنلندا تتجاوز هذا الفصل التعسفي بين مجالات المعرفة لتسمح بتجربة تعلم طبيعية في الفصل؛ تجربة تتيح للمتعلم أن ينطلق من معادلة الطيران ليفتح بابًا لاستقصاء تاريخ الطيران وفهم الحكاية التاريخية التي ساهمت في استكشاف البشرية لمعادلة الطيران. فجأة تتحول حصة الفيزياء إلى بحث في حكاية الطيران من عباس بن فرناس، مرورًا بدافنشي ووصولًا إلى الأخوان رايت.

والحقيقة هي أن الـAI بمقدوره قصّها عليكِ إن كنتِ تعلمتِ كيفية سؤاله. والحقيقة الأهم هي أنني كتربوي لم أتعلم كيفية تأهيلكِ لتنغمسي في رحلة التعلم تلك بتروٍ وحكمة.

شكرًا لكِ، لأنكِ أوضحتِ لي ضرورة التغيير الجذري في طرق تأهيلنا كمعلمين. فنحن نحتاج إلى تدريب حقيقي على التفكير المنطقي، وسبل طرح الأسئلة، وطرق التحليل النقدي. نحتاج في تدريبنا إلى بعضٍ من الفلسفة، وإلى تعرّض حقيقي لنظريات المعرفة المختلفة.

الـAI أداة وليس مُعلِّمًا

ما نحتاجه حقيقة هو عدد أقل من المدرسين المتخصصين الذين يحفظون عن ظهر قلب التواريخ الدقيقة لوباء الطاعون وأعداد الوفيات، وفي المقابل نحتاج عددًا أكبر من المعلّمين المضطلعين، أو ما يُسمّى بالـgeneralists، القادرين على فتح أبواب التعلّم فعليًا من خلال الذكاء الاصطناعي، وتعليم أمثالكِ كيفية استخدامه استخدامًا نقديًا وحكيمًا.

أتمنى أن أكون يومًا ما generalist قادرًا على مساندتكِ في تفنيد المعلومات واستخلاص المعرفة وأنتِ تتعاملين مع الارتباك الطبيعي الذي يحدث حين نقوم بالبحث عن إجابة لسؤال ما. أتمنى أن أكون قادرًا حينها على بناء حصص جاذبة تستخدمين فيها أدوات الـAI من توليد الصور وخلق الأغاني وغيرها لتصبح رحلة تعلمكِ أكثر مرونة.

والأهم، آمل أن أوسع آفاقي لتشمل العلوم والفلسفة وغيرها من مجالات المعرفة، حتى وإن كانت معرفة طفيفة. فقط من خلال تعميق معرفتنا بالإنسانيات سنتمكن من إضافة العمق اللازم لتحليل كل ما يُقدَّم لطلابنا تحليلًا نقديًا.

التحدي الحقيقي لم يعد في إيجاد المعلومة، ولكن في كيفية استيقائها، وبناء القدرة على فهم أن الذكاء الاصطناعي ليس إلا أداة عاكسة لمجالات معرفية غربية، وله توجهاته كأي نوع آخر من المعرفة. فمن دون قراءة استشراق إدوارد سعيد، أو التعرض لأفكار هومي بهابها عن الهوية الهجينة، أو التفاعل مع كتابات المفكر الفلسطيني منير فاشه عن تحدي الاستعمار في تدريس الرياضيات، لن أتمكن أبدًا من حمايتكِ من التحول إلى وعاء فارغ يملؤه الـAI.

عزيزتي ريم،

في كتابه حكايتي مع الرياضيات يقول المفكر والتربوي الفلسطيني منير فاشه "التعامل مع العلم دون حكمة يمت إلى القبيلة الأوروبية، لكن بالنسبة لمعظم الحضارات التي سبقتها، رافقت الحكمةُ العلمَ. أحد مكونات الحكمة الأساسية (كما تشير لها حكمة الهنود الأمريكيين) الامتناع عن عمل شيء إذا كان سيؤذي الجيل السابع من الآن". 

أعتقد أن دورنا يحتم علينا مساعدة أنفسنا أولًا كمعلمات ومعلمين، ومساعدتكم ثانيًا على إيجاد الحكمة لاستخلاص كل الأسئلة الممكنة من المعرفة المتاحة، والحكمة لتفنيدها واستقصاء كل الجوانب الممكنة المساهمة في بنائها.

لعَلِّي أتحلى يومًا ما بالحكمة لاستجماع الشجاعة ومصارحتكِ باستخدام ChatGPT لصياغة أسئلة الحصة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.