تصوير ابتسام مهدي، لـ المنصة.
الجرف الساحلي في منطقة مواصي القرارة شمال غرب مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، أكتوبر 2025

خيام على شاطئ غزة.. حياة الفلسطينيين كأداة للضغط السياسي

منشور الخميس 12 شباط/فبراير 2026

ينحسر شتاء الإبادة الثالث عن غزة مُخلِّفًا وراءه المزيد من الخيام المهترئة التي أصابتها أمطار ورياح على مدار الأشهر الماضية تركت النازحين في العراء؛ لا بيوت يعودون إليها، ولا أفق لإعادة إعمار قريبة. ما خلّفته العواصف باقٍ، وكل انهيار سابق صار إنذارًا مؤجّلًا لانهيار جديد.

يتضاعف الخطر على امتداد الساحل الجنوبي لقطاع غزة، إذ تساقطت أجزاء من الجرف الرملي كأنها أحجار دومينو منهارة، في حين يواصل النازحون نصب خيامهم فوق مناطقَ هشّةٍ لا تحتمل ثقل أجسادهم ولا أحلامهم.

وفق المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة؛ أصبحت 125 ألف خيمة يسكنها مئات آلاف النازحين مهترئةً وغير صالحة للسكن نتيجة النزوح المتكرر، لافتًا إلى أن معاناة ساكنيها تضاعفت خلال فصل الشتاء.

 ما بين جرف متهاوٍ وأمطار وعواصف شديدة يَصعُب تحدي البقاء على قيد الحياة، خاصة وأن النازحين على الجرف الساحلي مسكونون بالخوف من تكرار انهيار الجرف كما حدث في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في حادث أسفر وقتذاك عن وفاة آمال الناجي، 39 سنةً، وطفلتيها آمنة 7 سنوات وبتول 4 سنوات؛ وهنَّ نائمات في الخيمة، ونجا زوجها سعيد الناجي (40 عامًا) وأبناؤها الثلاثة الباقون؛ بنتان وولد. 

في ليلة الحادث خرج الأب من الخيمة ليجلب ماء الشرب وعند عودته سمع صوتًا هائلًا، يصفه لـ المنصة "حسّيت الأرض كلها رجّت، ركضت بصعوبة بسبب الإصابة باتجاه خيمتي، لقيت الجرف نازل فوقها، صرت أصرخ: آمال! البنات! بس ما كانش في صوت".

يضيف "والله يا أختي ما عرفت شو أسوّي، انشل كل جسمي وأنا أصلًا ما بقدر أعمل شي بسبب إصابتي بشظايا في استهداف سابق لأحد المنازل المجاورة لمنزلنا في منطقة الشجاعية، وقفت أبكي وأصرخ عشان الناس تيجي وتساعدنا، كانت زوجتي والبنتين مدفونين تحت الرمال، تجمع الناس بس ما لحّقناهم. مرتي كانت حامل، بالشهر السابع، نزلت الجنين وهي تحت الرمال".

على حافة الجرف

تطاير واقتلاع عدد من خيام النازحين على شاطئ بحر مدينة غزة بفعل العاصفة الجوية، 13 يناير 2026

فيما ترى جارتهم في الخيمة بسمة العفيفي، وهي أم لأربعة أطفال، أن سبب سكان أعلى الجرف هم المسؤولون عن انهياره "كانوا يكبوا الماء من على الجرف ليتسبب في خلخلة الرمال" كما تقول لـ المنصة.

كان سعيد نزح مع عائلته من منزلهم إلى الشاطئ، بين الخيام المكدسة. فيما كان الجرف يتآكل يوميًا، كل ليلة كانت الرمال تنهار بشكل خفيف، كأنها إنذار لا يسمعه أحد.

رحلت الزوجة، وبقي سعيد مع أولاده الناجين، وحيدون يواجهون الحياة في ظل إصابة الأب وظروفٍ لا يقوى على تحمّلها. لم تكن هذه الحادثة الأولى، لكنها كانت الأكثر مأساوية منذ بدء نزوح العائلات إلى الشاطئ.

وزادت مخاوف العائلات، تقول بسمة، وهي من أقرب الخيام لمكان الانهيار "بعد اللي صار، والله إحنا مش قادرين ننام، والجرف بوقع فجأة، والموج قوي والبرد شديد، إحنا قاعدين بنستنى الدور يوصلنا".

بسمة ذات الأربعة وثلاثين عامًا من سكان بيت حانون، ونزحت إلى منطقة المواصي بالقرارة شمال غرب خانيونس، انتقلت إلى جامعة الأقصى غرب مدينة خانيونس ولكنها لم تجد مكانًا لتسكن فيه، فانتهى الحال بها إلى منطقة البحر على مواصي القرارة شمال غرب المدينة.

 

تفتقر المنطقة لأبسط مقومات الحياة، في حين اضطرت عائلات فلسطينية لإقامة خيامها على شاطئ البحر

سناء الريفي (60 عامًا) النازحة من منطقة التفاح شرق مدينة غزة، تعيش في خيمة من أعمدة خشبية فوقها قطعة من النايلون، وهي جدة لتسعة أطفال قتل القصف والدهم تقول "البحر ما رحم حدا، الجرف صار يهدد كل الخيام، وآمال وبناتها كانوا أول الضحايا، ويمكن مش آخرهم".

وتضيف "صرت خايفة على الأطفال ما أحد سائل فيهم وأنا كبيرة بالعمر مش قادرة أحميهم لا من رمال الجرف ولا من مد البحر، وملقناش مكان نسكن فيه، دارنا قصفوها وأنا معيش مصاري، ما بقدر اتنقّل من محل لمحل مع كل هالأطفال".

وتتساءل سناء "كل يوم نسمع عن مخيم جديد بفتحوه هو مين بسكن ها المخيمات، ثم مين بدوا يقدر يدبر مصاري تكلفة النقل وهي أغلب المخيمات في شرق المنطقة الوسطي بعيدة عنا والوصول إلها مكلف جدًا".

وتكمل شاكية حالها "حتى ما عندي أحد يفك الخيمة أو يركبها، لما نزحت ناس تبرعت لنا وأخذتنا معهم وشباب المنطقة ساعدوني أبني الخيمة وأنصب الحمام، بس والله صرت خايفة على الأطفال من انهيار الرمال وهما طول النهار طالعين نازلين على الجرف".

وبعد مرور أشهر على الواقعة لا تزال المنطقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، في حين اضطرت عائلات فلسطينية لإقامة خيامها على شاطئ البحر رغم خطورة تضاريس بعض المناطق هناك.

تآكل الساحل

إحدى خيام الجرف الساحلي في منطقة مواصي القرارة شمال غرب مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، أكتوبر 2025.

الخوف ما زال حاضرًا ليس فقط لمن يعيش تحت الجرف لكن أيضًا للعائلات التي تسكن أعلاه، حيث باتت خيامهم مهددة بالسقوط في أي لحظة. خاصة وأن الحادث وقع في توقيت بالغ الحساسية مع اشتداد موجات المطر والبرد، وهي ظروف تُفاقم هشاشة الجرف الرملي بطبيعته، وتحوّل الإقامة قربه إلى مقامرة يومية بالحياة.

على حافة الشارع الترابي القريب من موقع الانهيار، يتحدث أبو يحيى البريم، أحد سكان المنطقة، عن الخوف الذي يرافقه يوميًا بعد الحادث. يقول لـ المنصة وهو يشير بيده نحو امتداد الجرف "إحنا صرنا نعيش على أعصابنا، الخيمة قريب كثير من طرف الجرف، وكل ما نسمع صوت هوا أو نشوف الرمل نازل شوي، بنخاف ينزل كلّه، بعد اللي صار، ما حدا فينا مطمّن".

بعض العائلات اختارت المغادرة بالفعل أو العودة لمدينة غزة، بينما بقيت أسر أخرى محاصرة بين الخوف وعدم وجود بديل

ويؤكد أبو يحيى أن التشققات الظاهرة على أطراف الجرف تُنذر بانهيار جديد قد يطال الخيام بشكل كامل مع كل من فيها "الجرف من زمان متآكل، بس بعد الحرب زاد سوء الوضع بسبب العيش عليها واستخدام المياه فيها والتحرك المستمر عليها بعد نزوح السكان، الأرض من تحت فاضية، ومجرد هزة قوية أو أمطار ممكن توقع جزء كبير منه، وإحنا أول الناس اللي هنتضرر".

ظاهرة تآكل الساحل باهتراء شاطئ البحر أو زواله نتيجة عديد من الأسباب البيئية والبشرية المختلفة، وقد بدأت هذه المشكلة في التفاقم في قطاع غزة مع إنشاء الميناء البحري في عام 1994، لتتحول اليوم إلى خطر يومي على حياة النازحين. الجرف الرملي بطبيعته هشّ وسريع التغير، ومع الضغط البشري المستمر وسكب المياه عليه، بات أي تحرّك بسيط كافيًا لحدوث انهيار مفاجئ.

 الاستجابة الرسمية ما زالت محدودة "راجعنا البلدية أكثر من مرة، حكولنا بدهم يعملوا فحص هندسي، بس لليوم ما شفنا أي إجراء يحمي المنطقة، الناس مش طالبين معجزة، بس بدهم تدعيم بسيط يحافظ على أرواحهم" يقول أبو يحيى.

بعض العائلات اختارت المغادرة بالفعل أو العودة لمدينة غزة، بينما بقيت أسر أخرى محاصرة بين الخوف وعدم وجود بديل. ولم تُسجَّل أي محاولات جماعية لتأمين الجرف أو تقليل خطورته، في ظل غياب الأدوات والمواد اللازمة، واعتماد السكان على الحظ وتبادل التحذيرات الشفوية بينهم. 

الفلسطينيون رهائن السياسة

أول شحنة كرفانات مفككة تدخل قطاع غزة، 19 فبراير 2025

فيما يوضح الناطق باسم بلدية خانيونس صائب لقن، "إحنا بحاجة عاجلة لإخلاء هذه المناطق، وإقامة نقاط إيواء بديلة، وإلا بنخاف نشوف مآسي أكبر من هيك".

ويضيف لـ المنصة "المشكلة في إيجاد مناطق بديلة للإيواء، كمان الناس معهاش تكلفة التنقل، وكمان بسبب التنقل بيحتاجوا لخيام جديدة وهي غير قادرة على دفع تكلفة التنقل، ما بالك بشراء خيمة أيضًا".

وعن وجود مراكز إيواء جديدة، ذكر لقن "عدد النازحين كبير جدًا ومراكز الإيواء قليلة، كل هذا دفع بالناس ألَّا تغير مناطق نزوحها، ولا تنسي أنهم أيضًا أصبحوا على علم بالمنطقة، فمن الصعب كل فترة أن تطالب الناس بالرحيل، هذا مرهق لهم ماديًا وجسديًا وصعب في التواصل مع الآخرين".

وعن الدعم الفني "إحنا مدركين تمامًا خطورة الوضع، والبلدية مش غايبة عن اللي صار، من أول يوم بعد حادثة الانهيار أرسلنا طواقم ميدانية لفحص المنطقة، وفي خطة جاهزة للتدعيم، لكن الظروف اللي مرّ فيها القطاع خلال السنة الماضية صعبة جدًا".

عن سبب عدم تنفيذ أعمال التدعيم حتى الآن، يشرح صائب "الجرف نفسه ممتد على طول الساحل، ومعالجته بده معدات هندسية متطورة وإمكانيات كبيرة، وإحنا للأسف بعد الحرب فقدنا جزء كبير من معداتنا الثقيلة". بالإضافة إلى شحّ مواد البناء، المواد الأساسية مثل الإسمنت والحديد "بتيجي بكميات قليلة ومخصصة لمشاريع إنسانية عاجلة، لذلك الأولويات محدودة وفوق قدرات البلدية".

ويضيف " كمان الوضع الاقتصادي صعب على كل المؤسسات، البلدية كانت تعتمد على رسوم وخدمات، وهذا كله توقف تقريبًا بسبب الظروف المعيشية الصعبة لسكان القطاع، يعني ما فيه تمويل كافي نقدر نبدأ فيه مشروع ضخم زي تدعيم الجرف".

ملف إعادة الإعمار تكتنفه حالة من الغموض في ظل عدم توفر أي معلومات رسمية

على جانب آخر  أشار تقرير لوكالة الصحافة الفلسطينية إلى تضرر جميع خيام النازحين في مختلف مناطق القطاع وغرقها، ما أدى إلى فقدان آلاف الأسر لمأواها المؤقت، وتلف الملابس والأغطية، ومفاقمة الأزمة الإنسانية، كاشفًا عن تلقي طواقم الدفاع المدني أكثر من 5000 مناشدة واستغاثة منذ بدء المنخفضات الجوية.

يجدد ذلك الدعوات الموجهة إلى المجتمع الدولي للتحرك الفوري لإغاثة الغزاويين وتوفير الاحتياجات الإنسانية الطارئة، وبدء عملية إعادة الإعمار وتوفير مساكن آمنة تحفظ كرامة الإنسان وتحمي حياته بعد أن أثبتت الخيام فشلها الكامل في قطاع غزة.

يضيف لقن "إحنا بنتعامل مع مدينة اتعرضت لدمار كبير، معظم المدارس صارت مراكز إيواء، والبيوت اللي صالحة للسكن قليلة جدًا، والأراضي الفارغة محدودة، وعدد النازحين كبير جدًا، يعني حتى لو بدنا ننقل الناس، ما في أماكن جاهزة تستوعبهم بدون ما نعمل بنية تحتية جديدة".

يستبعد الناطق باسم بلدية خانيونس إمكانية نقل اللاجئين من المنطقة الخطرة على الجرف الساحلي "بده لوجستيات كبيرة: خيام، حمامات متنقلة، مياه، كهرباء بديلة، حماية، وخدمات، كله مكلف جدًا، والبلدية حاليًا ما عندها ميزانية تتحمل مشروع بهذا الحجم".

وحول الجهود المبذولة، يضيف "إحنا تواصلنا مع مؤسسات دولية علشان يساعدونا بإقامة مراكز إيواء بديلة، بس الموضوع بده وقت وموافقات وتجهيزات، ولحد ما يتم تأمين مكان مناسب، عم نشتغل على إجراءات تخفيفية حول الجرف، وبنراقب المنطقة يوميًا".

وفي نفس الوقت أكد صائب أن ملف إعادة الإعمار تكتنفه حالة من الغموض في ظل عدم توفر أي معلومات رسمية أو جداول زمنية واضحة حول بدء مشاريع الإعمار، رغم حجم الدمار الواسع الذي طال الأحياء السكنية والبنية التحتية في المدينة.

ويواجه إعمار قطاع غزة شللًا تامًا بسبب ربطه بشروط سياسية وأمنية مثل مطالب إسرائيل بنزع سلاح المقاومة، ما يجعل فلسطينيي القطاع رهائن التكتيكات السياسية ويستخدم حقهم في التعافي كأداة ضغط سياسي تُبقي ملايين المدنيين محرومين من مقومات الحياة الأساسية.

وكانت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أعلنت أن أكثر من 282 ألف منزل في غزة دُمر أو تضرر، وذلك خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، التي استمرت عامين.

يدعو صائب لضرورة إدخال الكرفانات كحل إنساني مؤقت لإيواء آلاف العائلات التي فقدت منازلها، في ظل استمرار معاناة النازحين المقيمين في الخيام و مراكز الإيواء والمنازل المتضررة والآيلة للسقوط."فغياب الرؤية الواضحة لمرحلة الإعمار يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية" حسب قوله. 

الشتاء يوشك أن ينتهي، لكن حياة النازحين هنا لا تعرف نهاية لأزمتها. معبر رفح فُتح، والمساعدات لا تزال عالقة في الطريق، وإعادة الإعمار بلا جدول ولا ملامح. على الشاطئ، تمرّ الفصول بينما يبقى الناس في المكان نفسه، على حافة جرف لا يتوقّف عن التآكل.