من الصمت إلى الترند.. كيف تغطي الصحافة الاعتداءات الجنسية على الأطفال؟
في نوفمبر/تشرين الثاني 2010، حققت نيابة التبين بحلوان مع مُدرس في مدرسة حكومية واجه اتهامات باغتصاب تلميذ ابتدائي. حينها، لم تخرج الواقعة من صفحاتِ الحوادث وتناولتها الصحف باعتبارها حادثةً فرديةً صادمةً، لُفّت بعبارات التحفظ التقليدية في صحافة ذلك العصر.
بعد مرور 15 عامًا، وفي شهر نوفمبر ذاته، تكرر المشهد، وحققت النيابة العامة في الواقعة التي جرت داخل أروقة مدرسة سيدز الدولية بمدينة العبور، والتي تعدد فيها المتهمون والضحايا؛ خمسة تلاميذ على الأقل واجهوا اعتداءات جنسية في غرف مغلقة تحت تهديد السلاح الأبيض طيلة عام كامل.
تصدرت هذه الواقعة الصفحات الأولى للصحف وتوب استوري المواقع، وتحولت إلى ترند على السوشيال ميديا، فما الذي جرى خلال الـ15 عامًا جعل أخبار التعدي الجنسي والتحرش بالأطفال، بالأخص في المدارس، تنتقل من طيات صفحات الحوادث والأخبار القصيرة المختزلة إلى الصدارة؟ وكيف تغطي الصحافة مثل هذه الحوادث؟
اهتمام متزايد
نعود بالذاكرة إلى مطلعِ الألفية، فقبله لم تكن الصحفُ في معظم دول العالم تُولي حوادثَ العنف الجنسي ضد الأطفال القدر الكافي من الاهتمام، كما يؤكد الكاتب الصحفي محمد بصل المتخصص في الشؤون القضائية ومدير تحرير جريدة الشروق، لكن مع صدور قوانين واتفاقيات دولية، وصدور قانون الطفل، بدأت الصحف تهتم، وأصبح يتم توصيفه كنمط إجرامي في ملاحق الحوادث الأخبار والجمهورية، ويتفرد لها مساحات أكبر".
يرى بصل في حديثه لـ المنصة أن نظرةَ الصحافة نحو قضايا التحرش والتحرش بالأطفال اختلفت بعد صدور قانوني الطفل والخلع، بالإضافة إلى تشكيل مجلس الأمومة والطفولة والمجلس القومي لحقوق الإنسان، في إشارة إلى تغير السياق وبروز القضايا الحقوقية على الساحة الدولية ودخول مصر تحت مظلتها.
لا يتذكر المحرر المتخصص في شؤون القضاء واقعةً محددةً ساهمت في تسليط الضوء لأول مرة على هذا النوع من الحوادث لكنه يشير إلى قضية السفاح التوربيني التي شغلت حيزًا كبيرًا من النقاش العام في عام 2006 وجذبت الأنظار إلى عالم مختلف يشهد العديد من الجرائم.
يشير بصل أيضًا إلى دور القانون الذي "يعد بمثابة قاطرة تجذب هياكل المجتمع المختلفة"، لافتًا إلى أن التطور القانوني مهمٌ، والأحكام القضائية النهائية والمشددة تلفت النظر لمثل هذه القضايا؛ "في السابق كان المتحرش وهاتك العرض بيروح المحكمة مخلى سبيله وده ماعدش موجود".
كما يُرجع زيادة الاهتمام بقضايا التحرش بالأطفال إلى الجرأة؛ "انتشار الشهادات بخصوص القضايا دي خد المسألة لمستوى آخر من زيادة عدد البلاغات في النيابة العامة والأقسام وزادت التغطية الإخبارية"، لافتًا إلى دور حملات عالمية مثل الحملة التي انطلقت مع انتشار هاشتاج MeToo ضد التحرش والاعتداء الجنسي عام 2017 وظهور شهادات تحولت إلى قضايا جذبت الانتباه مثل قضية الفيرمونت وقضية أحمد بسام زكي ومدونة دفتر حكايات.
"الإبلاغات أو الإعلان على السوشيال ميديا من أهالي الضحايا أزعم إنه زاد، وإن كان ماعنديش رقم، لأن الناس بتحس إن الكلام بيتم التعامل معاه بجدية أكثر، وبتكسب تعاطف، ولو حد سيئ النية فبيلجأ برضه للسوشيال ميديا لتحقيق غرضه"، يقول بصل.
الثورة التكنولوجية أدت إلى إحداث تغييرات في التغطية الصحفية لحوادث التحرش بالأطفال على مستوى الكم والكيف
يتفق عصام كامل، رئيس تحرير جريدة فيتو، في أن إعلام السوشيال ميديا ساهم في تكثيف النظر لمثل هذه الحوادث، سواء كان ذلك بحسن أو بكثير من سوء النية، فمواقع التواصل تقدم "إعلامًا غير ممعير وغير مقنع ولا يعرف حدود المسؤولية الاجتماعية، ولا يعرف حدود قيم النشر نفسها. واحد بموبايل بيكتب المعلومات اللي عنده دون نظر لأثر ما يكتبه على الطفل أو مستقبله".
ولا يعتبر كامل في حديثه لـ المنصة كثافة الأخبار المنشورة عن الاعتداء والتحرش بالأطفال إشارةً إلى زيادة الاهتمام أو تنامي الظاهرة، إذ يرجعها بشكل أساسي إلى "الأعداد اللانهائية من حسابات السوشيال ميديا.. ماسورة مخيفة جدًا ما عاد هناك شيء يمكن أن تخفيه. فكل شيء ينقل عبر ملايين الموبايلات ولكل واحد قيمه الخاصة، وغير ملتزم ولا يعرف شيئًا عن قيم النشر أو المسؤولية الاجتماعية".
يؤكد يسري البدري، مدير تحرير جريدة المصري اليوم، هو الآخر على أن الثورة التكنولوجية حوّلت العالم لكتاب مفتوح وأخرجت مثل هذه القضايا إلى النور. لكنها على الجانب الآخر أحدثت تغييرات في التغطية الصحفية لحوادث التحرش بالأطفال على مستوى الكم والكيف؛ على مستوى الكم، ساعدت على زيادة عدد الأخبار المنشورة، ومستوى الكيف غيرت في تطوير طريقة التناول.
وهنا يوضح محمد بصل ما طرأ على تناول الصحف للحوادث من تغيير؛ "كان فيه مشكلة تتعلق بقواعد النشر والتعامل خدت وقت كبير لحد ما استقرت، وتراجعت ممارسات مثل إن مواقع وجرايد ورقية تنشر صور الضحايا كنوع من شيطنة الجاني واستدرار العطف تجاه الضحية".
أما ما تحمله التغطية الحالية لقضايا التحرش بالأطفال من تجاوزات فيُرجعه مدير تحرير الشروق إلى "الركض وراء السوشيال ميديا دون تدقيق في المعلومات، فلا تظهر بشكل وافٍ للرأي العام أو تظهر بشكل موجه نحو متهمين معينيين. أو الإساءة لناس متهمين وليسوا مدانين".
يتفق معه أشرف عباس مدير المرصد المصري للصحافة والإعلام في أن "الإعلام بيتعامل مع هذا النوع من القضايا باعتبارها وقائع اسثنائية مش مؤشر على خلل بنيوي في منظومة حماية الطفل، إحنا بنتعامل عادي مع قضايا صادمة بعناوين مثيرة لجذب مشاهدات"، ملمحًا لدور الضغط المجتمعي في زيادة تغطية هذه القضايا.
غير أن كامل لا يرى الصورة من الزاوية نفسها، إذ يقر بوجود "خطأ ما ونقطة غير مضيئة في مختلف غرف الأخبار" يفسر أسباب وجودها بـ"خلل في الديسك الذي لم يعد يمتلك الثقافة ولا الدراية بقيم النشر ولا المسؤولية الاجتماعية وقلة تدريب شباب الصحفيين والهوس بالأرقام مع ضغط السوشيال ميديا".
على الجانب الآخر يرى بصل جانبًا إيجابيًا متمثلًا فيما تشير إليه بعض التغطيات من "تنامي الوعي العام، وتدخل النقابة، وتفعيل الأكواد"، في إشارة إلى قرارات المجلس الأعلى للصحافة عام 2022 بخصوص ضوابط وأخلاقيات الإعلام الآمن للطفل التي تضمنت بندًا خاصًا بالضحايا من الأطفال ينص على إخفاء شخصية الطفل وعدم ذكر اسمه أو ذويه أو إبراز معلومات تؤدي للكشف عنه، وأن تكون التغطية الإخبارية والتقارير موضوعية، ولا تقدم المبررات للجريمة.
ويشير إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الصحف حاليًا عند تغطية حوادث التحرش بالأطفال هو عدم الإضرار بمجرى القضية أو تعريض الأبرياء للخطر. بينما ينوه يسري البدري لوجود مجموعة من الصعوبات تتمثل في غياب قانون حرية تداول المعلومات إضافة إلى الضوابط القانونية التي تتمثل في فرض حظر نشر على بعض القضايا.
ترمومتر أخلاقي
تلعب صحافة الحوادث دورًا مهمًا، فهي من جانب تساهم في رفع الوعي ومن آخر تحقق الردع العام، حسب بصل، لذا يدعو عباس هذه الصحافة لمزيد من الحرص على "تحقيق التوازن بين الحق في المعرفة وحق الطفل في الأمان والخصوصية. الحق في المعرفة ليس مطلقًا. الخبر والصورة هتعيش مع الطفل سنين، هيعاني إن هويته تم الإفصاح عنها دون رغبته"، معتبرًا ذلك "إعادة إيذاء ووصم اجتماعي طويل الأمد".
يصف مدير المرصد المصري للصحافة والإعلام، هذه الممارسات، بـ"العنف الرمزي"، إذ تتحول مأساة الأطفال إلى مادة للإثارة عبر عناوين تفتقر للحساسية، أو نشر بيانات وصور قد تقود بشكل مباشر أو غير مباشر للتعرف على الضحايا وذويهم، مما يجعل الإعلام عن قصد أو دونه طرفًا في "إعادة إنتاج الانتهاك" بدلًا من كشف آليات حدوثه ومنع تكراره.
"لازم الصحفي يسأل نفسه عن الأثر والضرر بعد نشر المادة الخاصة بالتحرش بالأطفال، وبعدها ياخد قرار النشر" يقول عباس، ويدعو لمراجعة جذرية لممارسات تبدو في ظاهرها حسنة النية مثل أوصاف "البطل" أو "سوبر مان" للطفل المعتدى عليه، التي تحمله عبئًا إضافيًا وتوقعات تفوق طاقته، بدلًا من التعامل معه كضحية تحتاج للدعم والاحتواء لا "البطولة".
ويشير لأهمية التعامل مع الإعلام على أنه جزءٌ من منظومة الحماية والوقاية "ما يتطلب تبني سياسات تحريرية مكتوبة تحظر بشكل قاطع نشر أي بيانات تعريفية بالأطفال، وتفصل بين التغطية المهنية والتفاعل الجماهيري".
وينوه إلى أن الحق في الخصوصية لا يقتصر على الضحايا وحدهم لكنه يشمل أيضًا المتهمين الذين تعمل التغطية الإعلامية في بعض الوسائل على التشهير بهم والمساعدة على وصمهم رغم عدم صدور قرار نهائي من المحكمة بإدانتهم.
التدريب والمساءلة
يشدد مدير المرصد المصري للصحافة والإعلام على أهمية تدريب الإعلاميين وتفعيل دور الصحافة في المساءلة؛ "لازم المؤسسات الصحفية ونقابة الصحفيين ونقابة الإعلاميين تعمل دورات يقدمها مؤهلين مهنيًا وأكاديميًا مش مجرد ناس معروفين".
كما ينتقد القصور الذي يعاني منه التناول الجماهيري لهذه القضايا، الذي تغيب عنه المساءلة "هل وجه أحد سؤالًا إلى المسؤولين بشأن الضوابط التي تحمي الأطفال في المؤسسات التعليمية؟ هل حد وجه سؤال للمسؤول انت بتعمل إيه عشان تحمي الطفل أو لوزير التعليم، أو الإدارات التعليمية؟".
ويحافظ بصل على نظرته إلى الجانب المملوء من الكأس، ويلفت إلى تزايد الاهتمام بالحيثيات عند نقل تفاصيل الوقائع وهو ما يراه نقلة نوعية في صحافة الحوادث والقضايا "الموضة القديمة بتاعت صحافة الحوادث كانت مخلية القارئ يبقى عايز يعرف إيه اللي حصل في جريمة الاغتصاب، التفاصيل بتاعت الحادثة، واللي بيكون بعضها مبالغ فيه وبعضها كاذب".
ويقول إن هذا الاتجاه لم يعد محور التغطية الصحفية بقدر التركيز على المبادئ اللي بنيت عليها الأحكام والمسؤولية الجنائية على الأطراف المشاركة في القضية، والإجابة عن أسئلة من نوعية: هل هناك إعفاء من المسؤولية؟ وما مسؤولية إدارة المدرسة مثلًا؟
"إحنا مش عايزين جنازة ونشبع فيها لطم"؛ يقول بصل في إشارة إلى أن الأهم من استمرار الزخم الإعلامي هو اعتياد الضحايا على الإبلاغ واللجوء إلى القانون أولًا بدلًا من السوشيال ميديا.


