التلصص الرقمي.. عنف غير مرئي تحت حماية المجتمع
يكشف النقاش العام المتصاعد عن التحرّش في مصر؛ أن النساء لا يخُضنَ فقط معركةً يوميةً ضد عنفٍ يُمارَس عليهنّ حيث تصل نسبة التحرش إلى 99%، بل أيضًا ضد خطابٍ اجتماعيٍّ وقانونيٍّ ينزلق كثيرًا إلى لوم الضحية بدل مساءلة الجاني.
ولا يتوقف التحرش عند حدود ما هو محسوس أو مسموع لكن يتعداه إلى نوع غير مرئي تتعرّض فيه النساء لانتهاكٍ دون أن تعرف؛ مجهولٌ يسير خلفها أو بجانبها، يُخرج هاتفه في هدوء ويلتقط صورةً أو حتى مقطعًا كاملًا، على الأرجح لن يحتفظ به لنفسه وإنما سيحرص على نشره على السوشيال ميديا خاصة التطبيقات التي تضعف فيها الرقابة على المحتوى مثل إكس وتليجرام، حيث توجد حسابات وجروبات متخصّصة في تبادل تلك الصور والمقاطع، تضم مئات الآلاف من المتلصصين.
يُعرف هذا السلوك بـ اضطراب التلصص/Voyeuristic Disorder، وهو نمط سلوكي قهري ذو أساس نفسي-جنسي، تتحقق فيه الإثارة بسريّة المراقبة بالذات؛ لا بالمراقبة وحدها.
في هذا الاضطراب يُعاد تشكيل دوائر المكافأة في الدماغ، بحيث تصبح اللذة مشروطة بانتهاك الخصوصية دون تفاعل أو موافقة، وهو ما يُحوّل السلوك من فضول عابر إلى دافع متكرر يصعب كبحه. غالبًا ما يرتبط الاضطراب بخلل في ضبط الاندفاع، وتشوهات معرفية تبرّر الفعل، ومع الزمن قد تتصاعد الحاجة إلى التكرار أو التوثيق نتيجة التكيّف العصبي، حيث يفقد الفعل الأول تأثيره التحفيزي، فيبحث المضطرب عن مستويات أعلى من الانتهاك لتحقيق الاستجابة نفسها، مثل التصوير الذي يبدو كأنه اختلاس جزء من الضحية إلى الأبد.
قد يقتصر هذا الهوس الجنسي على تصوير غريبات في الشارع بطرق مشينة، وقد يصل أحيانًا إلى التقاط صور لأفراد العائلة خلسةً في المنزل.
شرعية التلصص
الأمر هنا ليس ابتزازًا، فهؤلاء لا يريدون مقابلًا من ذويهم ولا يحاولون إجبارهم على شيء، وإنما فقط يسعون إلى إرضاء شهواتهم هم. على عكس نوعٍ آخر، ممن يستخدمون الصور التي يصورونها لزوجاتهم سلاحًا للابتزاز و"كسر العين" في حالة حدوث أي خلاف أو طلاق، وهو جانب إجرامي من الموضوع قد يصل بهم إلى تسريب تلك المقاطع بهدف الانتقام.
كما يندرج تحت نفس الهوس نوع آخر تصل به الجرأة إلى تصوير تحرّشه بنساء في الشارع أو المواصلات، موثّقًا جريمته بنفسه ليعرضها فيما بعد بفخر، معتمدًا على عدم ظهور وجهه في المقطع، ومستغلًا خوف النساء من اتخاذ رد فعل ضده، قد يجرها إلى صراع لا تعرف ما سيؤول إليه، فضلًا عن هشاشة النظام الأمني في التعامل مع الجرائم التي لا يُبلّغ فيها المتضرر بنفسه، وفي هذه الحالة لا تعرف المتضررة أنها تضررت من الأصل.
يتغذّى هذا الاضطراب على منظومة ذكورية سائدة في مصر، تُحمِّل المرأة مسؤولية حماية نفسها وجسدها، وتجعل من أي تقصير مزعوم تبريرًا ضمنيًا لاعتداء الرجال عليها. في هذا المناخ، يجد المتلصص شرعيةً مُتوهَّمةً لفعلته؛ إذ تمنحها الثقافة الأبوية، التي تعتبر ملاحقة النساء قدرًا محتومًا، غطاءً أخلاقيًا.
لا أحد آمن
يشيع هذا حالة من الخوف بين النساء في الشارع. وبينما تُجرّم الدول ومنها المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا، التلصص والتصوير الخفي ونشر المحتوى المنتهك للخصوصية حتى دون إثبات نية الاتجار أو الربح، تعتمد التشريعات في مصر على تجريم تصوير الأشخاص دون رضاهم في الأماكن الخاصة أو ما يسمى بـ"حرمة الحياة الخاصة"، دون أي تفاصيل أخرى.
تنص المادة 309 مكرر من قانون العقوبات على "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة بالتقاط أو نقل صورة أو تسجيل دون إذن أو رضا صاحب الشأن". والمادة 309 مكرر أ تنص على "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة من خمسة آلاف إلى خمسين ألف جنيه كل من نشر أو تداول تلك الصور دون موافقة أصحابها".
وتتمثل الثغرة القانونية الأبرز في سهولة الدفع بأن الواقعة تمت في مكان عام، بما يجعل من الصعب اعتبارها اعتداءً على حرمة الحياة الخاصة. إذ يُجرِّم القانون انتهاك حرمة الحياة الخاصة، بينما يترك مجالًا واسعًا للاجتهاد باعتبار أن التصوير في الشارع لا يندرج بالضرورة تحت هذا المفهوم. ومع غياب ظهور الوجوه في أغلب المقاطع، لا يُؤخذ البلاغ بجدية كافية. رغم وجود حكم لمحكمة النقض صدر في فبراير/شباط 2024 يؤيد إدانة شخص صوّر فتاتين مقبوضًا عليهما أثناء نزولهما من عربة الترحيلات إلى تحقيق النيابة. حكم الإدانة الأصلي أدان الفاعل استنادًا إلى انتهاك الخصوصية، لكن حكم النقض أبطل الإدانة استنادًا إلى هذا السبب، وأسسها على أن فعل الشاب يتضمن إساءة استخدام أجهزة الاتصالات لمضايقة الشاكيتين.
وهو ما يشير إلى تهاون عام تجاه يمكن تسميته جرائم الاضطرابات النفسية، إذ تغيب التشريعات الخاصة بها ويُترك الأمر غالبًا لبلاغ المتضرر، أو لانتظار تدخل مركز قوة مثل المجلس القومي للمرأة أحيانًا، وهي تحركات تكون وقتية ولا تبني معالم واضحة لتشريعات مستقرة. كما حدث في واقعتين إحداهما كان المتهم طالبًا في سوهاج والثانية كان الفاعل من سكان التجمع الخامس، جدير بالذكر أنه لم تُنشر أخبار عن أي من القضيتين وما قد يكون دليلًا على عدم الجدية في التعامل مع هذه البلاغات.
خاصة وأن تتتبع هذه المقاطع يتطلب جهدًا تقنيًا تراه الجهات المختصة غير ذي أولوية، فتُحفظ الشكاوى بحجة الحسابات الوهمية وصعوبة الوصول للفاعل الأصلي. هذا التعقيد يزداد مع ضبابية القانون الذي لا يجرم بوضوح التصوير في الشارع، خاصة مع اختفاء الوجوه، مما يحوّل محاولات المتطوعين والضحايا لمجرد مسارات طويلة ومحبِطة.
في ظل هذا العجز القانوني، يظل التبليغ المباشر للمنصات الرقمية هو الأداة الأسرع، وإن كانت الأضعف، في يد الأفراد. ومع ذلك، ظهرت مبادرات حقوقية تحاول اختراق هذا الجدار بطرق غير تقليدية؛ مثل مبادرة Speak Up/اتكلمي التي خاضت خطوة مثيرة للجدل بالتعاون مع أحد أكبر المواقع الجنسية لحذف المحتوى المنشور دون موافقة أصحابه.
ورغم أن هذه الخطوة استهدفت حماية النساء وتطهير المساحات الإلكترونية من الصور المسربة، فإنها لم تسلم من هجوم حاد؛ إذ اعتبر البعض أن مجرد التواصل مع هذه المواقع خطيئة أخلاقية، متجاهلين أن الهدف هو انتزاع حق الضحية في الاختفاء من فضاء لا يرحم. تبقى هذه المحاولات، بجانب الإصرار على تقديم البلاغات الرسمية رغم خضوعها لـمنطق الحظ، هي معارك صغيرة لانتزاع مساحة آمنة في عالم يرى في انتهاك النساء مجرد محتوى قابل للمشاهدة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.