تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
نخشى أن تحمل بناتنا في دمائهن تراث الموءودة

تراث الموءودة.. لماذا بكيت حين عرفت أن جنيني أنثى؟

منشور الأحد 8 آذار/مارس 2026

قبل 13 عامًا، في موعدي الرابع مع طبيب النساء لمتابعة حملي، بشرني بأن الجنين أنثى. ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، لم يكن ذلك لأنني لا أفضّل الإناث، ولا لرغبة زوجي في إنجاب الذكور، لكن فقط لأنني ابتليت مرة أولى حين خُلقت أنثى في هذه الناحية من العالم، ولا أريد ابتلاءً آخر بأن أكون أمًا لفتاة في الناحية ذاتها التي تحمل جيناتُ إناثها تراثَ الموءودة.


"ما تسكتي بقى. دين ايه اللي بتتكلمي عنه بلبسك ده؟ الدين بريء منك"

المواطن المصري بدر، أحد المتفرجين على واقعة التحرش بـالشابة مريم شوقي


خلال شراء ملابس العيد، تُعجب ابنتي بتنورة قصيرة، أُمسك بنفسي متلبسة في محادثة بائسة لإقناعها بأنها غير مناسبة للمجتمع. تقع في حيرة من أمرها. على مدار سنوات نخبرها أن ملابس النساء ليست مبررًا للتحرش، لكنني أمنعها من شراء التنورة. تجادلني بأنها رأت معي امرأة ترتدي النقاب تتعرض للتحرش، أخبرها بأنه في كل الأحوال بنسبة 70% ستكون ضحية للتحرش، لكن مع هذه التنورة ستزيد الفرص إلى 100%، لن تكون في كل الأحوال المذنبة لكننا نحاول تجنب الشر.

قرر مواطن أن يوقف زوجي لينصحه بأن على ابنتي ذات السنوات السبع ارتداء ملابس أكثر احتشامًا

قبل هذه المحادثة بأشهر، أثناء الاستعداد لرحلة نسائية للساحل، تطلب مني ابنتي عدم ارتداء الكارديجان فوق ملابسها، والاكتفاء بالقطعة الأساسية. في أوروبا وبعض البلدان العربية التي سبقت مصر في دعم النساء ستكون تلك الملابس مناسبة، بل في بعض الدول التي لم تسبقنا ستعتبر ابنتي طفلة يحق لها ارتداء ما تشاء، لكن في مصر توضع كل الفتيات من سن الخامسة تحت المنظار، وتصبح الملابس الطبيعية لطفلة محط أنظار الكثير من السفلة. بعد مناقشة طويلة أقنعتها بارتداء الكارديجان حتى نصل للساحل.

ملايين الفتيات لا يخبرن أحدًا بتعرضهن للتحرش

قبل سنوات، أثناء عودة ابنتي مع أبيها للمنزل، قرر مواطن استيقاف زوجي لنصحه بأن على ابنتي ذات السنوات السبع ارتداء ملابس أكثر احتشامًا، رغم أن ملابسها لم تظهر سوى ذراعيها فقط.

المحادثات المطولة مع ابنتي حول الملابس، وما يمكن ارتداؤه من عدمه، جعلها تميل للملابس المحايدة الفضفاضة التي لا تبرز أيًّا من مناطق جسدها. بأكمام طويلة، وغطاء للرأس، لا تبدو مرئيةً. تخبرني بأن جلدها يتحسس للشمس، لكني أفهم أنها قررت الاختفاء حتى لا تتعرض للمضايقات، كما أحذر في كل مرة.


"أطالب ببراءة خالي، ومعاقبة الأم لأنها تترك ابنتها وتذهب للعمل في الحقول".

ابنة أخت المتهم باغتصاب فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة في إحدى قرى مصر، في فيديو لأحد المواقع الإخبارية


تبلغُ ابنتي 13 عامًا، أربيها على الاستقلال، نخطط سويًا للدراسة بالخارج، أحفزها على أن تكون قويةً ومستقلةً لأنها ستعيش وحدها، لكن في الوقت ذاته لا أسمح لها بالخروج من شارعنا وحدها، حتى حين تخرج مع أصدقائها الأكبر منها في أي مول أو نادٍ أذهب معها وأنتظر بالقرب منها.

أعرف جيدًا أن التحرش كامنٌ في كل الزوايا.. تعرضتُ له وأنا طفلة أرتدي ملابس واسعة وغطاء للرأس

في مثل سنها كنتُ طفلة مستقلة، أذهب إلى أماكن أبعد من حينا العشوائي والكبير، أما هي فلا أسمح لها بالخروج إلى المربع السكني المجاور. أعرف أن التحرش كامن في كل الزوايا، تعرضتُ له وأنا طفلة أرتدي ملابس واسعة وغطاء رأس، ولا أريد لابنتي أن تتعرض لنفس التجربة، لم أبح حينها بما تعرضت له، فجدتي الريفية البسيطة التي تماهت مع مجتمعها الذكوري تربت على أن المسؤولية تقع دائمًا على البنت. لم تكن لتفهم أنني لست مذنبة، كانت ستلومني بسؤالها: ليه رحتِ هناك؟


"اللي عندي ده مش عند حد كله عنده سكرينات، راجعي نفسك أنت قدامك لبكره الساعة 10".

محامي المتهمين في قضية التحرش الجماعي بفتاة ميت غمر في فيديو تهديد لها على السوشيال ميديا، وحصل المتهمون السبعة على البراءة.


في سنوات عملي الأولي، شاعت حوادث التحرش الجماعي بالنساء في الأعياد؛ انتهاك جماعي لكل ما هو مؤنث في منطقة وسط البلد، جرت الحادثة الأولى أمام سينما ميامي. لسنوات طويلة حُرّمت علي شوارع وسط البلد في الأعياد أو أي مناسبة أو احتفال، الفيديوهات تصيبني بالرعب، لا سيما بعد الثورة والانفلات الأمني، وحوادث التحرش في الميدان عقابًا للنساء على التظاهر.

في مصر حياة النساء رخيصة.. حقيقة تتجسد في الحوادث اليومية

لدواعٍ سياسية، أحكمت الدولة أخيرًا سيطرتها على شوارع وسط البلد، لكن الأثر النفسي (التروما) ظلّ عالقًا في نفوس النساء اللواتي عِشن تلك الوقائع أو شاهدن تسجيلاتها. لم أتنبه لثقل هذا الأثر إلا عندما اصطحبت ابنتي إلى مسرح العرائس بالعتبة، خلال سيرنا في شوارع وسط البلد، وأمام سينما ميامي، وجدتني أضمّ ابنتي إليّ. لو تمكنت لأعدتها لرحمي لحمايتها. لم تفهم سبب تصرّفي. ورغم اتهامها لي بالمبالغة في حمايتها، أترك لها غالبًا مساحة لتسير بحرّية إلى جواري. لم أستطع أن أشرح لها أنني أحمل جرحًا لا يندمل.


"سلسلة جرائم قتل النساء ايه بس؟ دي حالات فردية فعلًا ومحدودة جدًا والدليل اني كتبت الكومنت بتاع حاله فردية في السنة الماضية 2025 حوالي 28 مرة وهذا يؤكد صحة كلامي على أن حالات قتل النساء في مصر حالات فردية". 

مواطن مصري تعليقًا على مقتل الشابة ميرنا جميل على يد شاب رفضت خطبته


في مصر حياة النساء رخيصة.. حقيقة تتجسد في الحوادث اليومية، زوجة يقتلها زوجها بسبب طبق كشري، أو بسبب نوبة غضب، أو لأي سبب يراه، ابنة يقرر الأب أو الأخ أو العم أنها ليست فوق مستوى الشبهات، أو لأنها هاجمت شخصًا قرر التحرش بها، أو حتى لرفض الارتباط أو الزواج بشخص غير مناسب. قد تكون محظوظةً ولا تُقتل على يد شخص له الحق في قتلها طبقًا للشريعة والقانون المصري فينال عقابه، وقد تكون غير محظوظة فيقتلها شخص له ولاية تأديبها بالشرع والقانون، ليصبح إزهاق الروح مجرد تجاوز لهذا الحق في رأي القاضي الذي يقرر حبسه عدة أشهر أو بضع سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

القاضي بهاء المري، من جلسة النطق بالحكم على قاتل الطالبة نيرة أشرف، 6 يوليو 2022

سبقت ميرنا مأساةُ نيرة أشرف التي لم يشفع لها الحكم بإعدام قاتلها، فبدلًا من إدانة الجريمة، انشغل الجمهور بتشريح حياتها الشخصية وتدقيق صورها. ولأنها لم تطبق المعايير المجتمعية الصارمة، انحرفت البوصلة الأخلاقية لدى البعض ليتحول المجرم في أعينهم إلى ضحية أو شهيد.

كأمٍّ، أحلم برؤية ابنتي في فستان الزفاف الأبيض، أن أراها تحظى بالحب، لكنني أخشاه في الوقت نفسه، لأن هذا الحلم قد تكون نهايته حادث قتل. تشعر ابنتي بخوفي، فتسخر من الراغبين في الزواج باعتبارهم أغبياء لأنهم ورطوا أنفسهم في حياة الكبار.


"من حقنا نعرف ليه لابسة حجاب دلوقتي وامبارح كنتِ من غير حجاب". صحفي مصري في التعليق على حادث فتيات طريق الواحات


في أي بلد في العالم، إذا طارد سائقٌ سيارة أخرى وتسبب في حادث، فإن المُطارِد يُحاكم لتعريض حياة الآخرين للخطر، لكن في مصر ولأن الضحايا بنات، كان لا بد من تجاهل الحادث، وفحص أسباب وجود الفتيات خارج المنزل في ذلك التوقيت، وإعادة تقييم ملابسهن، بل وتهديد محامي المتهمين بإخضاعهن لكشوف عذرية، فالحصول على حقوق المواطنة البسيطة مرتبط فقط بمدى التزام البنات بمعايير المجتمع، والويل لكِ إذا لم تكوني كذلك.

مازحتني ابنتي يومًا بأنها البلوة التي جاءت لي من اللامكان فأخبرتها أنها النعمة التي جاءت لي من الله

لم تتوافق ابنتي يومًا مع المجتمع. الصغيرة تسمع بودكاست "خطيرة" وتتابع نضال أدهم، ويخبرها أبوها يوميًا أنها ليست أقل من الذكر، فكيف تتوافق مع مجتمع يرى أنها أقل من الرجال؟ ولا بد أن يتحكم رجلٌ في حياتها سواء كان أبًا أو أخًا أو زوجًا، أي ذكر والسلام، مجتمع يرى رجاله أن الزواج علاقة سيد وتابع، ويرى أي رجل فيه أن له الحق في الإدلاء برأيه في زي النساء وتعليمهن وعملهن، وينشر فيه فنان كاريكاتير النساء العاملات باعتبارهن عاملات جنس لدى مديرهن، وأن النساء لا يحق لهن الخروج، وإذا خرجن فلا يرفعن أعينهن في الرجال، وأن الذكور من حقها تأديب النساء في محيطه. لن تتوافق ابنتي أبدًا مع هذا المجتمع، فكيف أطمئن إلى أنها قد تحصل على حقها؟

مازحتني ابنتي يومًا بأنها البلوة التي جاءت لي من اللامكان، فأخبرتها أنها النعمة التي جاءت لي من الله. لم أكن أكذب هي أفضل نعمة أرسلها لي الله. هي الدعوة التي دعوتها في ليلة القدر، لكننا نساء نحمل في تركيبنا الجيني صدمات ومخاوف وتجارب، نخشى تكرارها مرة أخرى مع بناتنا، نخشى أن تحمل بناتنا في دمائهن تراث الموءودة.


(*) تراث الموءودة هو تعبير الأديبة رضوى عاشور تصف به تراثها في مقال "الرؤية من الداخل" حيث ترى أن تراثها كامرأة عربية ومواطنة من العالم الثالث هو تراث الموءودة

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.