DALL·E
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تعكس انتشار ظاهرة أشباه النجوم والمشاهير على تيكتوك، فبراير 2026

نظام التفاهة.. عالم أشباه النجوم المحكوم بالخوارزميات

منشور الأحد 8 شباط/فبراير 2026

قبل نحو أسبوعين أعلنت أسرة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ اتخاذ إجراء قانوني ضد شخص يُدعى تامر شاهين يُطلق على نفسه لقب "العندليب الأبيض"، معتبرةً أن سلوكه يمثل إساءة لإرث العندليب الأسمر وتشويهًا لصورته.

ارتبط الصعود اللافت لاسم العندليب الأبيض بالفوضى التي أفسدت فرح كروان مشاكل، وتخللها حالات إغماء وتحرش بوجود أشباه آخرين مثل سميرة محمد أو شبيهة زبيدة ثروت، وكريم محمد جعفر العمدة الغلابة، والأندرتيكر.

صورة بروفايل للتيكتوكر سميرة محمد شبيهة الشهيرة بزبيدة ثروت، 15 يناير 2026

هؤلاء الأشباه ينالون تغطية إعلامية كبيرة. وهم دائمو الحضور على قنوات فضائية تبحث عما يجذب الجمهور الذي انصرف عنها إلى منصات السوشيال ميديا. لم يعد ظهورهم مجرد وسيلة للترفيه، إنما تحول إلى نشاط مربح ضمن ما يُعرف باقتصاد الانتباه، وهو نموذج يعتمد على جذب المشاهدات والتفاعل لتحقيق أرباح مادية.

مع أول لحظة انتشار كبرى أو Booming، كما يُطلق عليها في لغة السوشيال ميديا، تتولى خوارزميات المنصات الرقمية إعادة نشر هذا المحتوى لجمهور أوسع، وهو ما يمنح هؤلاء الأشخاص نوعًا من الشرعية الإعلامية التي لم يكن من الممكن تحقيقها في السابق، ويكرّس في الوقت نفسه ثقافةً جديدةً تُقاس فيها الشهرة بمدى إثارة الجدل لا بامتلاك الموهبة.

قراءة فلسفية للظاهرة

في العقد الأخير، بدأ صعود الأشباه، مثل علاء الأسطورة شبيه محمد رمضان، وشبيهة أطاطا، وشبيه ميسي، وشبيه مبابي، وشبيهة هند رستم، على الأقل يدّعون ذلك، إلى جانب آخرين ضمن قائمة لا نهائية. لفهم الحالة التي نشهدها يُمكن هنا استعارة أطروحة الفيلسوف وعالم الاجتماع الثقافي الفرنسي جان بودريار (1929-2007) الصور الزائفة والمُحاكاة/Simulacres et Simulation؛ فنحن نعيش في واقع الصورة الزائفة، إذ أصبحت النماذج الإعلامية والإعلانية والرقمية هي التي "تخلق" الواقع الذي نعيشه.

لم يعد هناك أصلٌ نعود إليه، إنما نسخ لنسخ أخرى. وحسب مراحل بودريار الأربع لتطور "الصور الزائفة"، فالمجتمع المصري في المرحلة الرابعة.

في المرحلة الأولى تكون الصورة انعكاسًا للواقع. على سبيل المثال، في حقبة الخمسينيات والستينيات، كانت صورة عبد الحليم حافظ أو أم كلثوم تعكس واقعًا ثقافيًّا وفنيًّا عميقًا. كانت الصورة مقدسة؛ لأنها تُحيل إلى موهبةٍ حقيقيةٍ وإلى مشروعٍ ثقافيٍّ قومي. كان هناك أصل (الفنان الحقيقي)، وكانت الصورة (في السينما أو التليفزيون) تمثيلًا أمينًا لهذا الأصل.

وفي الثانية تعمل الصورة قناعًا للواقع وتشويهًا له؛ فهي تقليدٌ للحقيقي لكنها لا تُخفيه. في حقبة الثمانينيات، بدأت تظهر في الأفراح الشعبية ظاهرة "مُقلِّدي نجوم الغناء"، التي سبقتها بعقودٍ ظاهرة "المونولوجست" الذي يُقلِّد مشاهير الممثلين. هذا المُقلِّد يُشوِّه الواقع لكنه لا يُخفيه؛ فالجمهور يدرك تمامًا أن هذا الشخص ليس هو النجم، وهناك مسافةٌ واضحةٌ بين الأصل والنسخة.

وفي الثالثة توهمنا الصورة أن هناك واقعًا خلفها، لكن في الحقيقة لا يوجد شيء. هذه هي مرحلة أشباه المشاهير أو الفلوجرز، فعندما يظهر علاء الأسطورة في فيديو، هو لا يقلد محمد رمضان كفنان، لكنه يقلد صورة محمد رمضان. إنه يوهمنا بأن هناك نجوميةً وراء حركاته، لكنه في الحقيقة يُخفي غياب أي واقعٍ عميق. إنه يلعب لعبة الظهور؛ فالجمهور يشاهده ليس لأنه يمتلك موهبة، لكن لأنه يملأ الفراغ، ويقدم مادة مضحكة. إنه "قناع" لا يُخفي وجهًا حقيقيًّا، لكنه الواقع نفسه.

وفي المرحلة الرابعة التي نعيشها؛ الصورة الزائفة النقية/Simulacrum، تنقطع العلاقة تمامًا مع أي واقع. الصورة لا تعكس شيئًا، ولا تُخفي شيئًا، تنعكس على نفسها؛ إنها واقعٌ خاص بها.

هذا ما وصل إليه قطاع كبير من الإعلام المصري في تعاطيه مع هذه الظاهرة؛ فحين تستضيف قناة فضائية شبيه محمد رمضان وتُعامله كنجم، وتناقش أخباره، وتُجري معه لقاءً حصريًّا، فالصورة هنا لم تَعُد لها أي علاقةٍ بالواقع، أي بمحمد رمضان الحقيقي. لقد أصبحت النسخة تدور في فلكها الخاص؛ إذ أصبح الشبيه واقعًا فائقًا/Hyperreal، أكثر حقيقةً من الحقيقة ذاتها في سياق الترند.

محمد رمضان من مسلسل نسر الصعيد، إخراج ياسر سامي، وإنتاج 2018

هذا ما يُسمَّى محو أو تصفية الأصول/Liquidation of referentials؛ ففي حالة أشباه المشاهير، تتم تصفية الشخص الأصلي كمرجعية، ليتحول شبيهه نفسه إلى مرجع أو أصل. فشبيه محمد رمضان يجسد الأسطورة بشكل مختزل وهزلي؛ إذ لا يتظاهر الشبيه هنا بأنه نجم، لكنه ينتج أعراض النجومية مثل التقاط الصور مع المعجبين، وإجراء اللقاءات التليفزيونية، وإثارة الجدل. وبما أنه يُنتج الأعراض بنجاح، فإنه يُصبح مكافئًا تمامًا للنجم الأصلي.

عصر الكيتش

الكيتش/Kitsch كلمة ألمانية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، وتعني قمامة من الشارع. واستُخدمت في الأوساط الثقافية والفنية لوصف ظاهرة الذوق الرديء والقمامة الثقافية. ويُطلق على مُستهلك هذا النوع من الفن مُستهلك الكيتش؛ أي الشخص الذي يستهلك تلك النفايات الفنية.

المحتوى التافه آمن سياسيًا ومُجدٍ اقتصاديًا

وفي السياق المصري، تحولت قطاعات واسعة من الجمهور إلى مستهلكي الكيتش، ويرجع ذلك إلى التحولات التي جرت في المجتمع في العقدين الأخيرين، من ضغوطٍ اقتصاديةٍ طاحنة، واضطراباتٍ سياسية، يُقابلها تراجع للمنتج الثقافي والفني، وتَردٍّ كبير في الإعلام المقروء والمسموع والمرئي.

دفع هذا بالغالبية إلى التوجه إلى السوشيال ميديا بحثًا عن الشعور السريع بالدهشة أو الضحك. كما دَفع ذلك بقطاع عريض من الإعلام -في محاولةٍ لاستجلاب المُشاهد المنصرف عنه، وسعيًا لملء ساعات البث الطويلة بأقل تكلفة- إلى استضافة أشباه المشاهير والفلوجرز؛ بوصفهم وسيلة رخيصة لإنتاج محتوى ترفيهي، وللحصول على قدر كبير من الضجيج على السوشيال ميديا؛ ليتحول الإعلام بذلك إلى مُصنِّع للكيتش بدلًا من الإنتاج الثقافي الأصيل.

يلعب قطاع من الإعلام على وتر الفضيحة والترند، مُدركًا أن الجمهور المصري -الرازح تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية هائلة- يجد في هذه الفقرات تنفيسًا رخيصًا ومتاحًا. كما يدرك هذا القطاع من الإعلام أن المحتوى التافه آمن سياسيًا ومُجدٍ اقتصاديًا؛ فمناقشة القضايا الحقيقية (كالفقر، والحريات، والاقتصاد) محفوفة بالمخاطر، وقد تجلب المتاعب.

في المقابل، تعد استضافة الأشباه والفلوجرز وصفةً سحرية؛ محتوى مثير، غير سياسي، يملأ الهواء أو البث، ويجلب الإعلانات؛ فالضحك على هؤلاء  آليةُ هروبٍ مؤقتة، يُفضلها الجمهور للفرار من بؤس الواقع المُعَاش.

هندسة "التفاهة"

تتجاوز خطورة ما يقدمه الأشباه مجرد كونه تلوثًا بصريًا وسمعيًا، إذ تكمن الكارثة الحقيقية في النموذج الذي يصدره هذا المحتوى للوعي الجمعي، خاصة الأجيال الجديدة. ففي الوقت الذي يطحن فيه الغلاء أبناء الطبقة الوسطى من المتعلمين وأصحاب الكفاءات، ويُعانون من تضاؤل فرص الترقي الاجتماعي، يصعد هؤلاء بسرعة الصاروخ على سلم الثراء والشهرة.

يُرسخ هذا المشهد قناعةً خطيرةً مفادها أن الاجتهاد والتعليم وإتقان العمل طرق قديمة وبالية لم تعد تفضي إلى شيء، وأن الطريق الأقصر، والأوحد ربما، للنجاة من قاع المجتمع هو امتهانُ التفاهة. يصبح الغباءُ المُتصنَّع والابتذال وكسرُ التابوهات عملةً رائجةً يُمكن صرفُها مُقابلَ ملايين المشاهدات، التي تتحول بدورها إلى مكاسب مادية وعقود رعاية.

بحكم عملي أستاذًا أكاديميًا لأكثر من عَقدين، وانخراطي بأوساط المراهقين والشباب الجامعيين، فالقناعة المتزايدة باطراد في هذه الأوساط أن أفضل طريقة للثراء هي أن تكون صانع محتوى تافه، صادم، وخارج عن المألوف دون مراعاة لأي قِيَم أو نُظُم.

هنا، نحن لا نواجه مجرد انحطاط الذائقة، لكن انقلابًا في هرمية القيم. يُصبح الشبيه هو البطل الضد/Anti-hero الذي انتصر على النظام، ليس بمواجهته، لكن بالانخراط في أحطِّ ما فيه. كأنه يخبرنا بلسان حاله "لستُ بحاجة إلى موهبة، ولا إلى لغة سليمة، ولا إلى محتوى هادف لكي أكون تحت الأضواء؛ يكفي أن أكون مُثيرًا للشفقة أو السخرية. وبهذا، تتحول الرداءة من صفة سلبية إلى استراتيجية صعود اجتماعي وثراء سريع.