تناقضات ممداني: كيف يتخفى دعم الاستيطان خلف البلاغة التقدمية
من "لن تعودوا استثناءات" إلى سياسة حماية الاستيطان بصياغة جديدة
مطلع يناير/كانون الثاني الحالي، أمام الحشود في نيويورك، ألقى زهران ممداني خطابَ تنصيبه أولَ عمدة للمدينة من الحركة الاشتراكية الديمقراطية. وعد بـ"حقبة جديدة" تقوم على العدالة والمساواة؛ قال إن الفلسطينيين النيويوركيين "لن يضطروا بعد الآن للتعامل مع سياسة تتحدث عن العدالة الكونية ثم تجعلهم استثناءات"، وهو الحديث الذي أشعر الفلسطينيين أن أحدًا يسمعهم أخيرًا، وأن عمدة المدينة يرفض تهميشهم.
تحدث ممداني عن استبدال "دفء الجماعية بجمود الفردية الوحشية"، وعن حكومة تخدم "الأغلبية العاملة"، وتعهد بإلغاء القرارات التنفيذية التي أصدرها سلفه إريك آدامز بعد سبتمبر/أيلول 2024، من بينها القرار 61 الذي طلب من شرطة نيويورك مراجعة إمكانية إنشاء "مناطق حماية" حول دور العبادة للحد من الاحتجاجات قرب مداخلها.
بدا المشهد في البداية وكأنه قطيعة مع حقبة آدامز الموالية لإسرائيل، لكنَّ ممداني الذي ألغى القرار 61 علنًا، سرعان ما وقّع قرارًا آخر حمل الرقم 2 بدا أشبه لوثيقة بيروقراطية طويلة عن إعادة تنظيم الهيكل الإداري لحكومة المدينة.
لم تنتبه وسائل الإعلام ولا الناشطون للوثيقة التي تتكون من 23 صفحة، رغم ما حوته الصفحة الـ22، في القسم 19، حيث أعاد ممداني قانونيًا جوهر ما ألغاه من خلال توجيه مفوضة الشرطة ووزارة القانون لمراجعة الإرشادات لضمان "حماية دور العبادة" و"حقوق التجمع والتعبير" قربها، مع "تقييم اقتراحات" لتنظيم الاحتجاج، بما في ذلك إنشاء مناطق يُحظر فيها الاحتجاج أو يُنظَّم ضمن مسافة لا تقل عن 15 قدمًا وحتى 60 قدمًا من مدخل دار العبادة، ووضع قيود مناسبة على أنشطة الاحتجاج خارج دور العبادة أثناء الأنشطة غير الدينية.
بمعرفة أن القرار الـ61 لم يُطبَّق فعليًا بعد صدوره، وأن شرطة نيويورك لم تنشئ مناطق حماية في المظاهرة التي اتخذها آدامز ذريعة، يمكننا النظر للقرار الجديد بوصفه إبقاءً للأداة جاهزةً للاستخدام عند اللزوم، خصوصًا ضد احتجاجات قد تستهدف فعاليات مرتبطة بالاستيطان وتنقل عشرات الملايين من الدولارات سنويًا من نيويورك إلى مشاريع على أرض محتلة.
لماذا أصدر آدامز القرار 61؟
بدأت القصة في مانهاتن يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 خارج كنيس بارك إيست اليهودي الذي استضاف فعالية لمنظمة نفس بنفس، وهي منظمة معفاة من الضرائب تساعد اليهود الأمريكيين على الهجرة إلى إسرائيل، بما في ذلك الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.
تضمنت الفعالية التعريف بعملية الانتقال إلى فلسطين المحتلة والمدارس والوظائف المتوفرة، والرعاية الصحية، وبالطبع أين يستقر الراغب في الاستيطان.
بالتزامن، أمام الكنيس، نظمت مجموعاتٌ فلسطينيةٌ وحلفاء لها، أبرزها التجمع الفلسطيني للتحرير والعودة وتحالف الكتّاب ضد الحرب على غزة، وصوت يهودي من أجل السلام، تظاهرةً سلميةً حمل خلالها 200 متظاهر أعلامًا ولافتات مثل "لا مستوطنين على أرض مسروقة" و"نراكم تسرقون أراضينا".
رغم سلمية الاحتجاج، صوّرته جماعات صهيونية ويمينية بوصفه "معاديًا للسامية" و"عنيفًا" و"تهديدًا للمصلين"، وسارت محافظة نيويورك كاثي هوكول على نفس الدرب في إدانته، وبدوره لم يضيع آدامز الفرصة في استثمار هذه الرواية والترويج لها بأن الاحتجاج "اليوم أمام الكنيس، سيكون غدًا في كنيسة أو مسجد".
استخدم آدامز الحادثة لتمرير حزمة حماية سياسية وقانونية لفعاليات مؤيدة للاستيطان، ولتقييد أدوات الضغط الشعبي ضدها، فبعد أقل من أسبوعين، في 2 ديسمبر/كانون الأول 2025، أصدر القرار 60 الذي يحظر على المقاولين والموظفين بالمدينة دعم حركة مقاطعة إسرائيل "BDS"، ويمنعهم من "التمييز ضد إسرائيل"، مع التلويح بإجراءات تأديبية لمن لا يلتزم.
وفي اليوم انفسه صدر القرار التنفيذي 61 بمراجعة دليل العمليات الشرطية واقتراح تنظيم الاحتجاجات قرب دور العبادة، بما يشمل مناطق حظر/تنظيم ضمن 15-60 قدمًا من المداخل.
إلغاء علني وإعادة صامتة
في يومه الأول، أصدر ممداني القرار التنفيذي رقم 1 الذي ألغى جميع القرارات التنفيذية التي أصدرها آدامز بعد 26 سبتمبر/أيلول 2024، ثم ما لبث أن أصدر قراره الثاني، مغلفًا إياه بعنوان يبدو تصالحيًا هو "حماية حرية الدين وحرية التعبير والتجمع السلمي"، لكنه على أرض الواقع ليس إلا إعادة صياغة للفكرة المركزية في القرار الـ61، بما يفتح الباب لإقامة مناطق تُبعد الاحتجاج عن الأبواب عندما تكون الفعالية حساسةً سياسيًا.
لم يتوقف الأمر عند القرار رقم 2، فبين انتخابه وتوليه المنصب، عقدَ ممداني لقاءاتٍ مع قيادات يهودية، من بينها الحاخام مارك شناير المرتبط بكنيس بارك إيست الذي دفع باتجاه قانون على مستوى الولاية يحظر الاحتجاج على بعد 25 قدمًا من دور العبادة، وقال للإعلام إن ممداني "أحب الفكرة" ولم يعترض على مبدأ مناطق الحماية. إن صح ذلك، لن تكون القضية "زلة بيروقراطية"، إنما استعداد سياسي لتبنّي هذا المنطق مع تغيير الغلاف.
60 مليون دولار للمستوطنات
عندما يُذكر "تمويل الاستيطان"، يتخيل كثيرون متطرفين أيديولوجيًا يجمعون الأموال من أجل دعم خطط ومشاريع الاحتلال في الأراضي الفلسطينية. لكنَّ الواقع أكثر اعتيادية وبساطة من هذا، فثمة محاسبون يسعون لتقليل ضرائب العملاء، ورجال أعمال يريدون خصمًا ضريبيًا، ومتقاعدون يخففون العبء عن معاشاتهم، وأحيانًا أشخاص لا يهتمون بإسرائيل أصلًا بقدر ما يهتمون بالخصم، وكلهم ينضوون تحت آلية قانونية تدعم منظمات غير ربحية تجمع تبرعات وتحظى بإعفاءات ضريبية لها وللمتبرعين، ثم تُحوَّل إلى مشاريع استيطانية.
هذه المنظمات تعمل علنًا، ومن أشهرها صندوق إسرائيل الواحدة ومقرها نيويورك، التي تموّل "المستوطنات في الضفة الغربية" وبنيتها التحتية، إلى جانب منظمات مثل صندوق الخليل وأصدقاء مدينة داود وحونونو والصندوق المركزي لإسرائيل و"نفس بنفس" التي تسهّل انتقال مهاجرين إلى المستوطنات.
يتجاوز حجم التدفقات من نيويورك وحدها 60 مليون دولار سنويًا، وفق تصريح ممداني نفسه عام 2024 قبل أن يصبح عمدة، فبوصفه من أبرز الأصوات المؤسسية دفاعًا عن فلسطين دعم في 2023 تشريع قانون "ليس على حسابنا" ليستهدف المنظمات المعفاة من الضرائب في نيويورك التي تموّل الاستيطان.
تحدث ممداني عن "أكثر من 60 مليون دولار سنويًا" تذهب لتمويل انتهاكات للقانون الدولي، وتجمع أموال لشراء طائرات درون حرارية وكاميرات مراقبة وأدوات لتحويل المسدسات إلى بنادق للمستوطنين.
يعرف عمدة نيويورك جيدًا الوجه المالي الأمريكي للاستيطان؛ الأموال النيويوركية، والإعفاء الضريبي الذي يترجم إلى نتيجة على الأرض في فلسطين المحتلة، لكنه وهو الآن في موقع السلطة التنفيذية بالمدينة، لم يسع من يومه الأول لتجفيف هذا الشريان، أو حتى لتجريد فعالياته من الحماية الشرطية الخاصة، بالعكس، أعاد إنتاج أداة قانونية تُسهّل حماية هذه الفعاليات من الاحتجاج، مع خطاب تقدمي يَعِد الفلسطينيين بألا يكونوا "استثناءات".
أول احتجاج في عهد ممداني
بعد أقل من 10 أيام من توليه منصبه، واجه ممداني اختبارًا تمثل في احتجاج أمام كنيس في كوينز يستضيف فعالية لشركة عقارية تروّج لاستثمار في عقارات على أرض فلسطينية محتلة.
ردد أنصار التجمع الفلسطيني للتحرير والعودة ومجموعات طلابية مناهضة للفصل العنصري هتافات تؤيد المقاومة وأخرى تدعو إلى "عولمة الانتفاضة"، بينما ردّ مؤيدون للاحتلال هتافات مثل الموت لفلسطين.
كان يمكن لعمدة يعلن التزامه بالقانون الدولي أن يميّز بين شعارات الكراهية، والاحتجاج الشرعي على نشاط استيطاني أدانته مؤسسات دولية، لكن بيان ممداني ركز على إدانة هتافات "ندعم حماس" باعتبارها دعمًا لتنظيم "إرهابي"، مع تذكير عام بحق الاحتجاج وحماية دخول وخروج المصلين، دون أي إشارة إلى طبيعة الفعالية نفسها.
بالتأكيد ممداني ليس آدامز، فهو من ألغى حظر حركة المقاطعة واعتماد تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست "IHRA" لمعاداة السامية الذي استُخدم لقمع انتقادات إسرائيل، وذكر الفلسطينيين صراحة في خطاب تنصيبه، وهي بلا شك خطوات سياسية مهمة في سياق أمريكي يعاقب عادة مجرد ذكر فلسطين.
لكن الإنجازات الرمزية لا تلغي التناقض بين بلاغة تقدمية تتحدث عن العدالة، والحفاظ على آلية قانونية تحمي التمويل المنظم للاستيطان من ضغط الشارع. في هذا الفراغ، تُقتلع أكثر من 700 شجرة زيتون وتُشرّد 100 عائلة، وتُقام 69 مستوطنة جديدة، بينما تحرس شرطة نيويورك الباب الذي يأتي منه المال.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.