لقطة شاشة لمي مصطفى عمر في برنامج دنيانا على BBC
قررت المخرجة الموريتانية مي مصطفى أخو خلع الحجاب في عام 2017

نساء موريتانيا.. خلع "الملحفة" والكفاح في السينما والميكانيكا والزراعة

منشور الأحد 8 آذار/مارس 2026

في عام 2017، كسرت المخرجة الموريتانية مي مصطفى إخو، المقيمة في مصر، الأعرافَ السائدةَ في بلدها موريتانيا ونزعت الحجاب/الملحفة، ما جعلها في مرمى النيران، واستجلبَ حملةَ تشويه وتهديدات وصلت إلى إهدار دمها، نالت منها ومن جهود تحرر النساء في البلد العربي الذي يقع في شمال غرب إفريقيا على المحيط الأطلسي، ويتخطى عدد سكانه الخمسة ملايين نسمة.

لم تخلع مي الحجاب من أجل لفت الانتباه، كما تُتّهم النساء عادة عند التعبير عن وجهة نظر ما أو إثارة أحد الموضوعات المحظورة، فهي لم يكن ينقصها الاعتراف، ومثّلت وجهًا معروفًا في الإعلام، وإن عانت من النبذ والانتقاد بسبب عملها في الإخراج السينمائي.

رأت مي في الملحفة، الزي التقليدي في بلدها، فرضًا مجتمعيًا ونوعًا من الدكتاتورية، يجب عليها أن ترتديها غصبًا عنها، بدلًا من أن تكون جزءًا من تراث بلدها، لذا أرادت بتحديها وإصرارها على مواجهة المجتمع والتقاليد والأعراف، كسر الطريقة التي يتفاعل بها المجتمع مع المرأة واختياراتها، والخروج من شرنقة التقاليد الاجتماعية التي تراها مكبلًا لها وتقف أمام حقها في تقرير مصيرها.

تحتل موريتانيا المرتبة 157 من بين 170 دولة في مؤشر المرأة والسلام والأمن

 المخرجة الموريتانية والناشطة النسوية التي قدمت أفلامًا ذات طابع نسوي ومجتمعي منها؛ الصندوق الأول، وعشتار وإيزيس، ولم ينته بعد، سبق وتحدت القيم المجتمعية في بلدها باختيارها العمل في السينما والإخراج، وهي تضع نصب عينيها تغيير صورة المرأة الموريتانية النمطية بوصفها تابعًا للرجل إلى عنصر فاعل في المجتمع. 

يتحالف الخوف والقانون والعرف وسلطة القبيلة والخطاب الديني على المرأة الموريتانية، وهو ما تؤكده الأرقام، فوفق تقرير دولي تحتل موريتانيا المرتبة 157 من بين 170 دولة في مؤشر المرأة والسلام والأمن، وهو ترتيب لا يعكس فقط ضعف التمكين لكن يكشف عمق التحديات التي تواجه النساء في خياراتهن الحياتية والفضاء العام.

رغم هذا السياق الثقيل تظهر قصصٌ أكثر عنادًا وإصرارًا لنساء قررن، كلٌّ بطريقتها، أن يوسعن الهامش المرسوم لهن. في الاختيار الشخصي، في ريادة الأعمال، في الحِرف اليدوية، وفي العمل الحقوقي.

في تحدي "الزوايا"

قبل أن تقرر خلع الحجاب، لم تكن مي مصطفى إخو ملتزمة بالكامل بمعايير الزي الذي يروج له شيوخ السلفيين والدعاة الإسلاميون عامة، إنما كانت ترتدي الزي التقليدي الملحفة على طريقة غالبية نساء هذا البلد دون مغالاة أو التزام مبتذل. كانت تظهر جزءًا من شعرها، لكنها بمجرد إعلانها السفور، جيّشت المشاعر والجيوش الغاضبة ضدها، معتبرين إياها عدوًا حقيقيًا للقيم والدين وتقاليد المجتمع، خصوصًا مع امتهان مي العمل في السينما، بالتالي فهي بلا شك ستغوي الكثيرات ليسرن على خطاها.

قبل أزمة خلع الحجاب، لم يجلب اختيار مي، العمل في مجال السينما، عليها، سوى ما ينال المرأة المبدعة في موريتانيا إذا تعارضت رؤاها مع الرؤية الأحادية، سواء حاولت الدفاع عن رؤيتها وتمكينها أو اختارتها ومارستها بشكل شخصي منكفئ على ذاته.

عمل مي في السينما في حد ذاته يعتبر فضيحةً، وهذه الفضيحة تزداد إذا كنتِ من أسرة كبيرة في المجتمع، أي تنتمي لقبيلة عربية عريقة أو من يُطلق عليهم الزوايا، فتتفيه مي وتفسيقها بل وإهدار دمها بدأ قبل اختيارها خلع الحجاب بفترة طويلة حين عُرفت وبرز اسمها في مجال السينما والتصوير وبدأت في ممارسة مهنتها في الوسط الاجتماعي، فالفن فضيحة ومهنة غير محترمة بالنسبة للغالبية العظمى.

المخرجة الموريتانية مي مصطفى إخو خلال أحد التكريمات

رغم كل محاولات ثني مي وتثبيطها، فإنها نجحت ونالت شهرة واسعة على مستوى بلدها الأم ونالت اعترافًا ولو خجولًا بموهبتها، ونالت مع الاعتراف تقديرًا على المستوى العربي والدولي، وعُرضت أفلامها في مهرجانات عربية ودولية للأفلام القصيرة في تونس والمغرب ومصر. كما اختيرت ضمن لجنة اختيار الأفلام المشاركة في مهرجان هوليوود لاس فيغاس للفيلم في الولايات المتحدة عام 2020 وأخيرًا قدمت فيلمًا مصريًا قصيرًا بعنوان "مكرونة بالبشاميل"، ما جعل منها نموذجًا حيًّا لانتصار المرأة الموريتانية في معركتها ضد المجتمع والأعراف.

من السينما إلى الميكانيكا

ليس مي وحدها، فثمة نساء أخريات حاولن بكل ما يستطعن كسر الصورة النمطية للمرأة وقدمن دليلًا على قدرتهن على اقتحام مناطق محظور عليهن دخولها، فسعداني منت اعبيدن، المرأة الموريتانية من مدينة أطار، اختارت أن تقتحم مجال عمل ذكوريًا خالصًا، وتخصصت في ميكانيكا السيارات.

اقتحمت سعداني مجال الميكانيكا الذي كان حكرًا على الرجال

في البداية، واجهت سَعداني مضايقات متكررة خلال تدربها على العمل في ورش إصلاح السيارات، حيث وجود امرأة في هذا الفضاء محل استغراب وتشكيك دائم. لكنها واصلت التعلم والصبر، إلى أن افتتحت ورشتها الخاصة لتواجه من بعدها شكوكًا جديدةً حول قدرتها على العمل.

بمرور الوقت، أثبتت منت اعبيدن كفاءتها المهنية، واكتسبت ثقة الزبائن، لتصبح اسمًا بارزًا في مجال ميكانيكا السيارات في موريتانيا. ولم يكن تميّزها نابعاً من كونها امرأةً في مجال يهيمن عليه الرجال، بل لبراعتها وإتقانها لمهنتها، ما جعل تجربتها أنموذجًا على إمكانية تغيير الصورة النمطية للمرأة الموريتانية.

زراعة الأرز "مجال تقتحمه النساء"

تلعب النساء في موريتانيا دورًا أساسيًا في الزراعة، غير أنهن يواجهن قيودًا مضاعفة تتعلق بالنوع الاجتماعي، وضعف الوصول إلى الأراضي والتمويل، واستمرار سطوة الأعراف. وفي هذا السياق، تبرز تجربة برديس محمد بوصفها نموذجًا مختلفًا.

أطلقت برديس مشروعها الزراعي لإنتاج الأرز سنة 2012، رغم أن الزراعة لم تكن تخصصها الأكاديمي. اختارت أن تتعلم وتخوض العمل الميداني بنفسها، في مجال يُنظر إليه تقليديًا بوصفه ذكوريًا. واجهت نقص الآليات والتمويل، واضطرت إلى تقليص المساحات المزروعة، لكنها واصلت تطوير مشروعها بإصرار.

نبغت برديس في مجال زراعة الأرز في موريتانيا

استطاعت برديس، بجرأتها ومبادرتها، اقتحام فضاءات كانت حكرًا على الرجال، والحصول على تمويل مكّنها من تحقيق إنتاج لافت، خاصة خلال جائحة كورونا، ما أهلها لنيل تكريم أممي في مجال الأمن الغذائي. كما شاركت في تأسيس شبكات نسوية إفريقية، وتشغل اليوم مناصب قيادية في اتحادات زراعية، لتقدّم نموذجًا لامرأة أعادت تعريف حضور النساء في الزراعة بوصفه مجالاً للريادة والقيادة.

وصاية ذكورية

رغم كل محاولات التحرر ، فإن واقع المرأة الموريتانية يثبت أن مختلف المجالات لا ترحب بهن، ويؤكد الناشط عبد الناصر بيب، سفير مؤسسة الفكر العربي لحقوق الإنسان، لـ المنصة أن حزبًا موريتانيًّا واحدًا تترأسه امرأة، وورثته في الأصل عن والدها، كما أنه من المستحيل أن تتقلد المرأة المنصب الثاني في الحكومة كرئيسة وزراء أو حتى رئيسة برلمان.

يشير عبد الناصر بيب إلى ما يتعرض له النساء اللواتي شغلن مناصب عليا من تمييز ونظرة سلبية، لافتًا إلى تجربة الناها بنت مكناس التي تولت وزارة الخارجية عام 2009، وتعرضت للتمييز السياسي؛ "حتى على مستوى الأعمال فمكتب اتحاد أرباب العمل لا يوجد في مكتبه التنفيذي امرأة وعلى المستوى الثقافي فنسبة النساء مقابل الرجال نسبة ضئيلة جدًا، وهذا راجع للعقلية الذكورية الموجودة عند المجتمع الموريتاني، فالمرأة المثقفة غير مرغوبة والمثقف الموريتاني ذاته لا يحب المرأة المثقفة".

رغم هذا لا يزال الكثير من السيدات الموريتانيات يحفرن في الصخر لإثبات ذواتهن وصناعة أمجادهن الشخصية رغمًا عن كل تغييب وتمييز يمارس عليهن، وما النماذج التي تقدم ذكرها إلا دليل على كفاحهن وطموحهن.